الأحد 29 سبتمبر 2019 12:13 م

أصبحت الحرب في اليمن مستعصية بشكل متزايد على مدى الأشهر القليلة الماضية مع اتساع الخلاف الذي بدأ قبل فترة طويلة داخل التحالف المناهض للحوثيين والذي تفاقم مع اندلاع أعمال العنف بين المجلس الانتقالي الجنوبي الانفصالي من جهة، والقوات المتحالفة مع "هادي" وحزب "الإصلاح" من جهة أخرى، في "عدن" و"شبوة" و"أبين".

ولا يعد الصراع بين هذه الأطراف جديدا، ويتركز حول المظالم الإقليمية التاريخية والسياسات العنيفة داخل كل جانب من جوانب النزاع. وعلى الرغم من أن المظالم الأساسية التي تغذي الصراع قديمة، إلا أن تورط المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة في الحرب، ودعمهما مجموعات متباينة وأهداف سياسية مختلفة، قد خلق أبعادا جديدة للصراع، وأذكى العداوة بين الأطراف المتحاربة. ومع تصاعد الموقف، يبتعد أكثر فأكثر احتمال استعادة "هادي" للسلطة والحفاظ على يمن موحد. وفي حين لا يمكن التنبؤ بالنتيجة بأي قدر من اليقين، فإن إلقاء نظرة على اللاعبين الرئيسيين والمظالم الأساسية يمكن أن يلقي الضوء على نقاط التحول الرئيسية والتطورات المستقبلية المحتملة والعوائق الموجودة.

تاريخ من العداوات

ومنذ البداية، كان التحالف المناهض للحوثيين عبارة عن مزيج من الوحدات العسكرية المتحالفة مع "هادي"، والميليشيات القبلية، والجماعات المتحالفة مع "الإصلاح"، ومختلف الجماعات الانفصالية الجنوبية، التي لم تكن لتتحالف أبدا في ظل الظروف العادية. وقد ازدادت قوة بعض هذه الجماعات ونفوذها بفعل الدعم السعودي والإماراتي.

وكان "السؤال الجنوبي" المتعلق بكيفية حكم المنطقة قائما منذ عقود، مع ظهور دعوات متقطعة للانفصال حاولت الحكومة معالجتها في كثير من الأحيان. وتعود جذور العديد من اللاعبين الرئيسيين المشاركين في قلب الصراع الدائر في جنوب اليمن لعقود ماضية، لكن هناك لاعبين آخرين اكتسبوا مكانة بارزة نتيجة الحرب الحالية، والدعم الذي حصلوا عليه من السعودية أو الإمارات. وفي الواقع، ضاعفت التحركات السياسية والعسكرية التي اتخذتها الرياض وأبوظبي منذ بدء الحرب من المظالم القديمة، وقوضت هدفهما المعلن، المتمثل في استعادة حكومة "هادي" و"اليمن الموحد".

ومع تقدم الحوثيين جنوبا، أصبحت الميليشيات القائمة، بما في ذلك المقاومة الجنوبية التي يقودها "عيدروس الزبيدي"، خط الدفاع الأول عن الجنوب. وكانت مجموعة "الزبيدي" في منطقة "الضالع" من أوائل المجموعات التي استعادت الأراضي من الحوثيين دون دعم كبير من قوى خارجية، ما أكسبها سمعة جيدة بين الأوساط الانفصالية. ولكن كانت لا تزال هناك حاجة واضحة للتحالف السعودي لبناء القدرات المحلية، مع استيلاء الحوثيون على المزيد من الأراضي في جنوب اليمن. ولم تكن الميليشيات الانفصالية الجنوبية في ذلك الوقت منظمة تنظيما جيدا أو متماسكة، وكانت الميليشيات القبلية غير مجهزة تجهيزا جيدا، وكان الجيش منقسما عبر جبهات لا حصر لها، مع انقسام الولاء بين الرئيس السابق الراحل "علي عبد الله صالح"، والجنرال المنتسب إلى حزب الإصلاح، "علي محسن الأحمر"، والرئيس "هادي".

في هذه الأجواء، تلقفت الإمارات "الزبيدي"، وغيره من الميليشيات ذات النزعة الانفصالية في جميع أنحاء المحافظات الجنوبية وقدمت الدعم لهم، وفي النهاية، تم تجهيز وتدريب الآلاف من الجنوبيين، الذين يشكلون الآن المجلس الجنوبي الانتقالي وقواته العسكرية والشرطية المترابطة بشكل وثيق، بما في ذلك "الحزام الأمني" ​و"قوات النخبة"، التي تعمل في عدن ولحج والضالع وأبين وشبوة وحضرموت.

وفي الوقت نفسه، استمرت السعودية في دعم "هادي"، والقبائل المعادية للحوثيين، والوحدات العسكرية اليمنية التي لا تزال موالية لـ"هادي". إلا أن "هادي" والرياض أدركا بسرعة أنهما غير مهيئين لمواجهة الحوثيين دون مزيد من الدعم العسكري والسياسي والقبلي، وهي المساحة التي دخل من خلالها الجنرال الزئبقي، "علي محسن الأحمر"، إلى المعركة.

وكان "علي محسن" هو القائد السابق للمنطقة العسكرية الشمالية الغربية، والفرقة الأولى المدرعة، وتزايد نفوذه بعد أن ساعد في سحق القوات الجنوبية خلال الحرب الأهلية بين الشمال والجنوب، وقاد حروبا ضد الحوثيين. وينتمي "علي محسن" إلى عشيرة "صالح" من قبيلة "سنحان" التابعة لاتحاد قبائل حاشد، ويرتبط ارتباطا وثيقا بحزب "الإصلاح". ويتمتع "محسن" أيضا بتاريخ حافل من المساعدة في نشر التعاليم السلفية الوهابية، وتجنيد المجاهدين للقتال في أفغانستان، بما في ذلك "طارق الفضلي"، صهر "علي محسن"، الذي ساعد في تأسيس حركة الجهاد الإسلامي، ويُزعم أنه ساعد في اغتيال قادة الجنوب. وأتت شراكة "علي محسن" مع "هادي" بثمن كبير، حيث تولى منصب نائب القائد الأعلى للجيش، ثم نائب الرئيس، لكنه قدم وحدات عسكرية أساسية للغاية، وجلب معه مجموعة من الميليشيات المؤيدة لـ"الإصلاح".

لكن كانت مشكلة "علي محسن" مرة أخرى في موقفه من الجنوب. وتعد ذكرى الحرب الأهلية دافعا كبيرا للمشاعر الانفصالية، ويُنظر إلى "علي محسن" على أنه الوجه الذي يذكر الجنوبيين ببطش الشمال أثناء الحرب الأهلية. ولطالما تم اتهام "محسن" بصلاته بتنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية، وكان متهما في السابق بتسهيل اغتيال القادة الانفصاليين. ويعد "علي محسن" أيضا شخصية بارزة مرتبطة بحزب "الإصلاح"، فرع جماعة الإخوان المسلمين في اليمن، الذي كان على خلاف منذ فترة طويلة مع الجماعات الانفصالية الجنوبية، وكذلك مع الإمارات. وقد أدى الدعم الإماراتي للقوات الجنوبية، وحرب أبوظبي ضد الجماعات الإقليمية الأخرى التابعة لجماعة الإخوان المسلمين، وإجراءاتها ضد قطر، إلى تأجيج العداء القائم بالفعل بين المجلس الانتقالي الجنوبي و"الإصلاح". وتعني معارضة الإمارات القوية للجماعات المرتبطة بالإخوان المسلمين أن "الإصلاح" فقد حظه من الرعاية الإماراتية، والوصول إلى التدريب والمعدات والتمويل الذي تتلقاه المجموعات الجنوبية الأخرى.

ويسارع العديد من اليمنيين الجنوبيين، بصرف النظر عن ارتباطهم بالمجلس الانتقالي الجنوبي، إلى الإشارة إلى التهميش الاقتصادي والسياسي الذي عانت منه مجتمعاتهم نتيجة لما يرونها غالبا "وحدة فاشلة" بين "الجمهورية العربية اليمنية" السابقة في الشمال و"جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية" في الجنوب. وكانت ذكريات ما قبل الحرب الأهلية وما بعدها، ونهب المؤسسات الحكومية والموارد في جنوب اليمن، تلوح في الأفق بالنسبة لأولئك الذين شهدوا ذلك عن كثب، بمن فيهم أولئك الذين أسسوا "الحراك"، وهي حركة احتجاج جنوبية سلمية مثلت، من نواحٍ كثيرة، مقدمة للمجلس الانتقالي الجنوبي. ونتيجة لهذه الذاكرة التاريخية، استمر عداء الجنوبيين للرئيس "هادي"، وهو مواطن جنوبي عمل كوزير دفاع لـ "صالح" خلال الحرب الأهلية بين الشمال والجنوب، ولـ"علي محسن"، وحزب الإصلاح. ومع وجود "هادي" في المنفى، وتعيين حكومته لهيئات حكومية جنوبية، كان الأمر مجرد مسألة وقت قبل أن يبدأ العنف المفتوح مع سعي المجلس الانتقالي الجنوبي إلى استبدال حكومة "هادي".

ولا يزال المجلس الانتقالي الجنوبي، على الرغم من وصف نفسه بأنه الهيئة السياسية البارزة التي يدعمها جميع الجنوبيين، يواجه تحديات كبيرة في حشد الدعم اللازم لحكم المناطق والسيطرة عليها بالكامل خارج معقله في عدن. وتنبع العديد من هذه التحديات من الاختلافات الأيديولوجية والإقليمية، وصولا إلى المستوى القبلي، وترتبط ارتباطا وثيقا بالانقسامات السابقة التي يرجع تاريخها إلى الاقتتال الداخلي داخل جمهورية اليمن الجنوبية، لكنها زادت مع تباين الاستراتيجيات السعودية والإماراتية.

وحافظ المجلس الجنوبي الانتقالي، بقيادة "عيدروس الزبيدي" و"هاني بن بريك"، وقوات "الحزام الأمني" ​​المرتبطة بها، على سيطرة فعلية على عدن، ودعم قوي بلا منازع في "الضالع" و"لحج". وخارج هذه المحافظات، حافظ المجلس الانتقالي أيضا على دعم كبير، حيث تتقاسم المجالس المحلية وقوات النخبة السيطرة الأمنية إلى جانب مختلف القوات الموالية لـ"هادي" في شبوة وأبين وحضرموت. وعلى الرغم من الدعم الملحوظ في هذه المحافظات، لا يزال المجلس يواجه جيوبا كبيرة من المعارضة، خاصة في "شبوة"، من مجموعة من الجهات الفاعلة، بما في ذلك أنصار "هادي" و"الإصلاح"، فضلا عن شخصيات سابقة من "حراك" مؤيدة لـ"هادي".

وعلى الرغم من الاضطرابات، تمكن المجلس الجنوبي والقوات المتحالفة مع "هادي" من التراجع والحفاظ على ما يشبه الاستقرار، حتى بعد المصادمات المسلحة العديدة في عدن على مدى الأعوام القليلة الماضية. ومع ذلك، ما زال واضحا أن "هادي" وحكومته قد فقدوا الشرعية بشكل مطرد، وأن تحركات الإمارات للنأي بنفسها عن الحرب في اليمن من المحتمل أن تكون قد جددت الجدول الزمني لبدء المجلس الانتقالي الجنوبي محاولة جديدة للسيطرة.

مواجهة جديدة خطيرة

وسيطر المجلس الانتقالي والقوات الجنوبية، التي شجعتها الإمارات على الأرجح، على عدن، في منتصف أغسطس/آب. وجاءت هذه الخطوة بعد أيام قليلة من هجوم الحوثيين في ​​عدن، الذي أسفر عن مقتل "منير اليافعي"، المعروف باسم "أبو اليمامة"، وهو قائد عسكري بارز في "جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية"، وكان نشطا أيضا خلال الربيع العربي. وكان الجمع بين انسحاب الإمارات ووفاته بمثابة حافز للاشتباكات الحالية، حيث اتهم أعضاء المجلس الانتقالي "علي محسن" و"الإصلاح" بالتسلل إلى الحكومة والعمل مع الحوثيين لاستهداف قواتهم.

وبعد سيطرتها على قواعد عدن العسكرية ومنشآتها الحكومية، في 20 أغسطس/آب، تحركت القوات المتحالفة مع المجلس الجنوبي للسيطرة على المواقع الاستراتيجية الرئيسية في المحافظات الأخرى. واقتحمت قوات المجلس مدينة أبين، مسقط رأس "هادي"، وحاصرت زنجبار ولودر قبل الانتقال إلى عتق، عاصمة محافظة شبوة. وتمكنت القوات الموالية لـ"هادي" من استعادة بعض الأراضي، في شبوة بشكل أساسي، وطاردت قوات المجلس بالقرب من "بلحاف"، موقع البنية التحتية النفطية الساحلية الرئيسية في الجنوب اليمني، ما دفعهم للوراء باتجاه عدن.

وفي الوقت الذي دعت فيه كل من السعودية والإمارات علنا إلى إنهاء القتال، قدم كل طرف الدعم المادي لوكلائه، حيث شنت السعودية غارة جوية على قوات المجلس الانتقالي في عدن، وهاجم الإماراتيون قوات "هادي" بالقرب من زنجبار. وانتقدت حكومة "هادي" المجلس واتهمته بالقيام بانقلاب، واتهمت الإمارات بالعدوان ومحاولات تقسيم البلاد. وفي هذه الأثناء، سارع مسؤولو وناشطو المجلس الجنوبي إلى الإشارة إلى أن حكومة "هادي" قد أعادت نشر قواتها لمنع المجلس من "السيطرة على أراضيه الشرعية"، بدلا من استخدام القوات لمحاربة الحوثيين. وبالمثل، في الوقت الذي دعا فيه التحالف إلى إنهاء القتال، لا تزال قوات "علي محسن" يتم مشاهدتها وهي تنقل الأفراد والمعدات العسكرية استعدادا لاستعادة المناطق التي يسيطر عليها المجلس الانتقالي الجنوبي.

وعلى الرغم من التصريحات العلنية بخلاف ذلك، فإن الإمارات والسعودية على خلاف كبير مع بعضهما البعض، وتجد الرياض الآن نفسها في وضع ضعيف للغاية. ومن المحتمل أن تمثل الجبهة الجديدة للصراع بين المجلس الجنوبي والقوات المتحالفة مع "هادي" فرصة لكل من الحوثيين والقاعدة في شبه الجزيرة العربية، حيث تحتاج المملكة لتركيز الموارد والاهتمام على منع اندلاع قتال كبير وطويل في الجنوب. وفي الوقت نفسه، قد تتسبب الاضطرابات في ظهور تحالفات جديدة قد تعزز موقف الحوثيين بطريقة مماثلة للتحالف غير العادي الذي كان قائما بين الحوثيين و"علي عبد الله صالح"، وهذه المرة قد يجد الحوثيون شركاء على استعداد للمساعدة في أي من "علي محسن" و"الإصلاح"، أو المجلس الانتقالي الجنوبي.

بلا شرعية

ومن المحتمل أن تشهد الأشهر المقبلة مناورات سياسية وعسكرية هامة، حيث يحاول المجلس الجنوبي، ومجموعات مختلفة من المعسكر الموالي لـ"هادي"، تعزيز موقعهم. وقد فتح كل من المجلس الانتقالي والإصلاح خطوط اتصال مع الحوثيين، ويمكن لكل منهما السعي لإقامة تحالف مع الحوثي إذا لم يتم وقف إطلاق النار بشكل مقبول. وإذا انضم أي من الجانبين إلى الحوثيين، سوف تجد السعودية و"هادي" نفسيهما في موقف لا يحسدان عليه.

وبصرف النظر عن ذلك، لم تعد حكومة "هادي" تحتفظ بأي شرعية، خاصة في عيون معظم اليمنيين الجنوبيين، ناهيك عن الحوثيين. وفي النزاعات السابقة، نظرت القوى الخارجية إلى النائب الأول للرئيس كخليفة محتمل أو حل وسط للأحزاب المتحاربة، لكن "علي محسن" من بين أكثر الشخصيات السياسية والعسكرية استقطابا في البلاد، وسيطرته على الحكومة لا يمكن الدفاع عنها تماما إذا كانت البلاد تأمل في تحقيق السلام. ولن تقبل الإمارات "محسن" لارتباطه بالإصلاح. وبالمثل، لا توجد شخصيات تحتفظ حاليا بنفوذ كافٍ وظلت محايدة نسبيا أو غير ملوثة بالتحالفات البائسة التي أحدثتها الحرب.

وبينما تسعى الإمارات والسعودية إلى التوسط في سلام بين المجلس الانتقالي و"هادي"، فسوف يحتاجان إلى تحقيق التوازن بين مصالحهما الاستراتيجية المتباينة. ويجب أن يفكر التحالف أيضا في خطط طويلة الأجل حول كيفية الإجابة على السؤال الجنوبي، وإيجاد قائد أكثر قبولا لخلافة "هادي". وهناك عدد قليل من السياسيين الذين لم يتلوثوا من الصراع نسبيا. ومع ذلك، فهناك شخصية بارزة، وهي "خالد بحاح"، الذي شغل منصب نائب الرئيس "هادي" بين عامي 2015 و2016، قبل أن تتم إقالته ويحل محله "علي محسن". من المعروف أن "بحاح" يتسامح مع الحوثيين والمجلس الجنوبي ولن يكون مفاجئا أن نسمع اسمه بشكل متكرر في الأشهر القادمة.

ومن غير المرجح أن يتوحد اليمن مرة أخرى، ويبقى السؤال هو ما إذا كان سيتم تقسيم البلاد في المستقبل وفق حدود الشمال والجنوب السابقة، أو سيتم تقسيمها إلى نظام اتحادي. ومن غير المرجح أن يحظى الانفصال بالدعم الدولي الذي سوف يحتاجه، لا سيما أنه قد يترك للحوثيين السلطة على طول حدود السعودية، وقد أعربت المملكة مرارا وتكرارا عن معارضتها لمثل هذه النتيجة. ومن المرجح أن يكون النظام الفيدرالي حلا، لكنه قد يتعطل أمام مسألة من يحصل على المحافظات الأقل ثراء، وسيظل الأمر بحاجة أولا للتوافق على شخصية سياسية قوية لقيادة اليمن قبل الالتفات إلى سائر التحديات الأخرى.

المصدر | بريان بركينز - مؤسسة جيمس تاون