الثلاثاء 17 سبتمبر 2019 06:55 م

أعلن الحوثيون، وهم جماعة متمردة يمنية متحالفة مع إيران، المسؤولية عن هجمات بطائرات مسيرة على مصفتي نفط رئيسيتين في السعودية نهاية هذا الأسبوع. ويشير نطاق الهجوم وحمولته ودقته، فضلا عن تطور العملية، إلى أن الحوثيين حصلوا على الكثير من المساعدة من الدولة الراعية لهم.

وفي الواقع، تدعم إيران الحوثيين بعمق. والشهر الماضي، تم اعتماد السفير الذي أرسله الحوثيون إلى إيران كسفير رسمي، وهو أمر نادر بالنسبة لشخص يمثل فصيلا خارج الحكومة الرسمية للبلاد. وأشار ذلك إلى أن إيران تعتبر الحوثيين جهة فاعلة متميزة عن اليمن، أو أن إيران تعترف بالحوثيين على أنهم الحكومة الشرعية في اليمن. وبصرف النظر عن الدبلوماسية، فإن إيران قريبة من الحوثيين، ولديها القدرة على نشر أنواع الطائرات المستخدمة في الهجوم على السعودية، وتقديم المعلومات اللازمة للاستهداف، ولديها الدافع للتصرف بهذه الطريقة.

  • دوافع إيران

يعد فهم دوافع إيران أمرا بالغ الأهمية؛ فإيران بلد واقع تحت ضغط هائل، وبنت مجال نفوذ يمتد عبر العراق وأجزاء من سوريا ولبنان وأجزاء من اليمن. ومن وجهة نظر إيران، فقد كانت دائما في موقف دفاعي؛ بسبب وضعها الجغرافي. ولن تنسى طهران أبدا حرب السنوات الثمانية التي خاضتها ضد بغداد في ثمانينات القرن الماضي، والتي كلفت إيران نحو مليون ضحية. وكانت تلك الحرب لحظة حاسمة في التاريخ الإيراني. وكانت الاستراتيجية التي شكلتها طهران استجابة لهذه اللحظة هي بناء تحالف من الفصائل الشيعية ليكون بمثابة أساس لنفوذها، واستخدام تلك الفصائل لتشكيل الأحداث. ويعود الصراع بين العراق وإيران إلى المواجهة التوراتية بين "بابل" وبلاد فارس، وهو صراع قديم يجري الآن تجديده في سياق الفصائل الإسلامية المختلفة.

وقد يكون مجال نفوذ الإيرانيين كبيرا، لكنه ضعيف أيضا. ولا تعد سيطرة إيران على العراق مطلقة، ويتعرض موقفها في سوريا للهجوم من قبل (إسرائيل)، مع وجود علاقات هشة مع روسيا وتركيا. وتبقى قبضة طهران على لبنان من خلال "حزب الله" هي الأقوى، لكنها لا تزال قائمة على قوة فصيل ضد الآخرين. وهو نفس الوضع الموجود في اليمن تقريبا.

ولا تحكم إيران مجال نفوذها، رغم أن لديها درجة من السلطة كمركز للإسلام الشيعي، وهي تستمد بعض السيطرة من دعم الفصائل الشيعية في هذه البلدان في نضالها من أجل النفوذ، لكنها تلعب باستمرار ألعاب التوازن. وفي الوقت نفسه، من الضروري لإيران ألا تدع قوة سنية أو ائتلاف من القوى السنية على حدودها الغربية. وكلما دفعت إيران نحو تعزيز نفوذها إلى الغرب، كلما كانت حدودها الغربية أكثر أمانا وكلما قل خطر الحرب عند حدودها. ويفرض الواقع الجيوسياسي على إيران استراتيجيتها الحالية، لكن قدرتها على تنفيذها بالكامل تبقى محدودة.

وتتفاقم مشاكل إيران بسبب الولايات المتحدة، التي كانت معادية للجمهورية الإسلامية منذ تأسيسها بعد الإطاحة بالشاه. ويبقى اهتمام أمريكا الأول في المنطقة، على عكس الرؤية السائدة بين الشيعة والسنة، هو منع أي قوة من السيطرة على المنطقة بشكل منفرد. وكان السبب التاريخي وراء هذا هو النفط. ولا يزال هذا السبب حاضرا، لكنه لم يعد بنفس الأهمية مع تغير جغرافية إنتاج النفط بشكل جذري منذ منتصف الثمانينات. ولاحقا، أصبح لدى الولايات المتحدة مصلحة في الحد من قوة الجماعات الإسلامية المستعدة لمهاجمة المصالح الأمريكية. وفي الثمانينيات، تسببت الهجمات المتعددة على القوات الأمريكية في لبنان في خسائر فادحة، وكان وراءها "حزب الله" الشيعي. وبعد هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001، كان التهديد قادما من الجهاديين السنة. وأدى غزو العراق، الذي أعقبته محاولات فاشلة للتهدئة، إلى تعقيد المشكلات التي يواجهها الأمريكيون.

وأدى ذلك إلى تحول الأمور بالنسبة للولايات المتحدة إلى وضع خطير للغاية في المنطقة مع سياسة خارجية أكثر تعقيدا. وفي الوقت الحالي، يعد الشاغل الرئيسي للولايات المتحدة هو التوسع الإيراني. لكن أمريكا ليست وحدها في ذلك؛ فالعالم السني و(إسرائيل) يعارضان إيران بشدة أيضا. وتنظر تركيا وروسيا إلى إيران بعين الحذر، لكنهما في الوقت الحالي راضيتان برؤية واشنطن تصارع في مواجهة طهران، بينما يحاولان الاستفادة من هذا الصراع. وقد ظهر تحالف غير عادي، بدعم من الولايات المتحدة، يجمع (إسرائيل) والسعودية ودولا سنية أخرى تحت راية واحدة، لكنه لا يزال تحالفا ضعيفا.

ويشكل هذا التحالف تهديدا للمصالح الإيرانية. ويهاجم الإسرائيليون القوات الإيرانية في سوريا، ويتبادلون التهديدات مع "حزب الله". ويدعم السعوديون والإماراتيون القوات المعادية لإيران في اليمن، ويشنون حملة جوية ضد الحوثيين الموالين لإيران. ويتعرض العراق لضغوط خارجية محدودة، لكنه في حد ذاته منقسم إلى درجة يصعب معها تحديد سيطرة أو نفوذ إيران. بمعنى آخر، لا يزال مجال النفوذ الإيراني قائما، لكنه يتعرض لضغط شديد. وتدرك إيران أنه إذا انهار هذا المجال، فستتعرض حدودها الغربية مرة أخرى للخطر.

  • مقامرة طهران

لقد ابتعدت الاستراتيجية الأمريكية عن التدخل العسكري واسع النطاق، الذي حدد استراتيجيتها منذ هجمات 11 سبتمبر/أيلول متحولة إلى استراتيجية مزدوجة تعتمد على مزيج بين عمليات أصغر يقوم بها بشكل أساسي حلفاء واشنطن في العالم السني، إضافة إلى الحرب الاقتصادية التي تضطلع بها واشنطن نفسها. وتأتي هذه الإستراتيجية المناهضة لإيران في سياق تحول أوسع في الاستراتيجية الأمريكية بعيدا عن استخدام القوة العسكرية نحو استخدام القوة الاقتصادية، في أماكن مثل الصين وروسيا وإيران. وكان دافع الولايات المتحدة للانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني هو الحصول على كامل الفرصة لفرض نظام عقوبات شامل على الاقتصاد الإيراني.

وأضرت استراتيجية العقوبات الإيرانيين بشدة. ولفترة من الوقت، بدا أنها تهدد باضطرابات سياسية على نطاق واسع، لكن يبدو أن هذا التهديد قد خمد إلى حد ما. لكن الألم الناجم عن تشديد العقوبات قوض الاقتصاد الإيراني، وخاصة قدرته على تصدير النفط. وقد وضع ذلك إيران في موقف صعب.

ظهرت استجابة إيران بالفعل في الخليج العربي؛ حيث استولت على ناقلات نفط واستهدفتها، على أمل خلق ذعر في العالم الصناعي. لكن هذا ليس عام 1973، ولم تثر تحركات إيران خطر اندلاع حرب مثل حرب الناقلات التي اندلعت في الثمانينيات، بشكل كافٍ لرفع أسعار النفط أو ممارسة ضغوط من أوروبا واليابان ودول أخرى ضد الولايات المتحدة وحلفائها لتخفيف الضغط على إيران.

  • الحلقة الأضعف

ولدى إيران الآن حتميتان؛ حيث يجب عليها أن تضعف التحالف المناهض لإيران، وأن تحمي حلفاءها في المنطقة، ويجب أن تزيد الضغط على الولايات المتحدة لتخفيف الضغط الأمريكي على الاقتصاد الإيراني. وتعد الحلقة الضعيفة في التحالف هي السعودية التي تتعرض حكومتها لضغوط داخلية، ويرتبط نظامها الاجتماعي بالأموال المكتسبة من مبيعات النفط. بعبارة أخرى، ليس هناك شيء أكثر عرضة للخطر في هذه المواجهة من عائدات النفط السعودية.

وكان الهجوم على مصفاة النفط السعودية مدروسا جيدا على جميع المستويات. فلم يثبت فقط أن صناعة النفط السعودية عرضة للهجوم الإيراني، ولكن الهجوم قلل بشكل كبير إنتاج النفط السعودي، وألحق ألما حقيقيا بالمملكة وغيرها من القوى المرتبطة بصناعة النفط. وليس من الواضح المدة التي سيستغرقها الإنتاج ليعود إلى مستوياته الطبيعية، لكن حتى لو تم ذلك بسرعة، فلن يتم نسيان الأمر. وإذا استغرق الأمر وقتا، فسيؤثر ماليا على المملكة بشكل ملحوظ.

كان الهجوم يهدف أيضا إلى تذكير السعوديين، وغيرهم، بأنه بينما كانت للولايات المتحدة في الماضي مصلحة كبيرة في حماية تدفق النفط في الشرق الأوسط، فلم تعد هذه مصلحة كبيرة للولايات المتحدة بعد الآن. وبينما عززت الولايات المتحدة إنتاج النفط الصخري الأمريكي واحتياطياته، لم تعد الولايات المتحدة معرضة للخطر كما كانت من قبل إذا تعطل إنتاج النفط. وترغب طهران أيضا في تذكير حلفاء أمريكا في أوروبا وآسيا بحدوث هذا التحول الكبير. في الوقت الذي أصبحت فيه الولايات المتحدة في وضع يسمح لها بتحمل المخاطر التي لا يستطيع حلفاؤها تحملها، فإنها صارت أكثر إحجاما عن التدخل وتحمل المخاطر. والخلاصة هنا أن إيران تأمل أن يتمكن هذا الهجوم وأمثاله من دق إسفين في التحالف الأمريكي حول قضية النفط.

وتعد قضية النفط مشكلة لإيران أيضا. وقد منعت الولايات المتحدة مبيعات الجزء الأكبر من إنتاج النفط الإيراني كجزء من حربها الاقتصادية على إيران. ولإثارة القلق بشأن إمدادات النفط العالمية، يريد الإيرانيون إجبار حلفاء الولايات المتحدة على أن يكونوا أكثر حزما في تحدي رغبات الولايات المتحدة، ليس فقط بشأن النفط، لكن في أمور أخرى أيضا. وكانت أمريكا ضامنا لوجود إمدادات كافية بديلا عن النفط الإيراني، لكن كبار المستوردين سيبدأون الآن في التفكير في مدى صدق الموقف الأمريكي.

كان الهجوم على منشأتي النفط بارعا من الناحية التشغيلية، وسليما من الناحية الاستراتيجية. فقد أبرز ضعف السعوديين وفرض ثمنا باهظا على الرياض بسبب سياستها المناهضة لإيران وذكرها بكونها الحلقة الأضعف في السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط. وسيدفع الهجوم أيضا حلفاء الولايات المتحدة للنظر في تباعد مصالحهم عن مصالح واشنطن بشأن النفط. وأخيرا، والأهم من ذلك، أنه يفيد منتجي النفط الآخرين، وخاصة روسيا، من خلال رفع الأسعار. وفي السياسة الأمريكية، قد يصبح أي شيء يفيد روسيا الآن عاملا للخلاف.

ولا يمكن للولايات المتحدة تجاهل الهجوم. وباعتبارها أكبر قوة عسكرية في التحالف المناهض لإيران، فهي الضامن الأمني ​​الفعلي. لكن إذا أقدمت على رد عسكري، فستستدعي ردا من الإيرانيين، ومقاومة من حلفائها. وإذا لم تفعل، فإنها ستضعف أسس التحالف المناهض لإيران، وتقوي موقف طهران. وقد ألمح وزير الخارجية الأمريكي "مايك بومبيو" مؤخرا إلى احتمال أن تكون الولايات المتحدة منفتحة على المفاوضات. وربما رأى الإيرانيون في هذا الهجوم نقطة تفاوض مهمة.

ومن الصعب أن نرى كيف يمكن للولايات المتحدة أن ترد دون المخاطرة بمزيد من الهجمات على السعودية. ومن الصعب بالمثل معرفة كيف يمكن للولايات المتحدة أن تتجنب الضربة دون أن تفقد ثقة التحالف. ويعتمد جزء من هذا على مدى الضرر الواقع على منشأتي النفط. وسيتعلق جزء منه بفعالية الضربات الأمريكية المضادة للطائرات بدون طيار في اليمن.

ويبقى الأمر الواضح هو أن الإيرانيين يلعبون لعبتهم في مستوى منخفض الكثافة قدر الإمكان. لكنهم يلعبون أيضا لعبة قد تنفجر في وجوههم. والحقائق الجيوسياسية في هذا الأمر واضحة. وتبقى القدرة الاستخباراتية لكل جانب في الهجمات اللاحقة هي العامل الأهم، وهو الأمر الذي يدركه جميع اللاعبون.

((5))

المصدر | جورج فريدمان - جيوبوليتيكال فيوتشرز