السبت 21 سبتمبر 2019 04:03 م

في ساعات الصباح الباكر من يوم 14 سبتمبر/أيلول، وجدت شركة النفط السعودية العملاقة "أرامكو" نفسها هدفا لهجومين قويين. وقالت وزارة الداخلية السعودية في بيان: "في الرابعة من صباح يوم السبت، كافحت فرق الأمن الصناعي في أرامكو في مواجهة حريقين نشبا في اثنين من منشآت الشركة في بقيق وخريص، بعد أن تم استهدافهما بطائرات بدون طيار، وتم السيطرة على الحريقين واحتواؤهما، وبدأت السلطات ذات الصلة بالتحقيق".

وينتج حقل "خريص" النفطي نحو 1.5 مليون برميل من النفط يوميا. وتزيل منشأة "أرامكو" في بقيق الشوائب من الخام الحامض لتحويله إلى خام حلو لتكمل مع بقيق طاقة إنتاجية بنحو 7 ملايين برميل يوميا. وقال وزير الطاقة السعودي "عبد العزيز بن سلمان" إن التأثير المشترك للهجمات قد عطل إنتاج النفط الخام بمقدار 5.7 ملايين برميل يوميا، أي أكثر من نصف إجمالي الإنتاج السعودي.

وفي وقت لاحق من نفس اليوم، أعلن المتمردون الحوثيون في اليمن مسؤوليتهم عن الهجوم. وقال "محمد البخيتي"، عضو المكتب السياسي للحوثيين، لـ"لوب لوج"، إن هذه الضربات "تأتي في سياق حق الدفاع عن النفس". وأشار إلى أنه عندما توقف السعودية عدوانها على اليمن، فإن جماعته ستتوقف فورا.

وقال "البخيتي": "يؤكد نجاح هذه العملية والخسائر الفادحة التي تكبدتها السعودية ما قلناه في الماضي، وهو أننا سنتوسع في ضرب العمق السعوديواستهداف منشآت أكثر أهمية وحساسية. وليس لدى السعودية خيار سوى مراجعة سياساتها والتوجه نحو السلام".

توازن القوى

وقد يكون الهجوم -إن صحت مسؤولية الحوثيين عنه- مثالا آخر على تغير توازن القوى في اليمن. وفي بداية هذه الحرب في عام 2015، كان من غير المتصور أن يطور الحوثيون القدرة على تنفيذ هجمات على مثل ذلك النطاق الذي وصلوا إليه مؤخرا. ولكن في هذه المرحلة، أصبح من الواضح أن الحوثيون قاموا بتحسين قدراتهم في الوقت الذي ينهار فيه التحالف السعودي الإماراتي في اليمن.

ويجب ألا يكون توقيت هذا الهجوم مفاجئا. وخلال الصراع، عندما كان التحالف يقوم بضربات كبيرة، كان الحوثيون يقومون بالرد. على سبيل المثال، يأتي هجوم يوم السبت بعد أسبوعين فقط من قيام التحالف بقيادة السعودية بضرب منشأة يديرها الحوثيون، في هجوم أسفر عن مقتل 100 شخص.

وحتى عندما كان الحوثيون لا يزالون يبنون قدراتهم العسكرية، فقد كانوا قادرين على شن هجمات انتقامية. على سبيل المثال، بعد يوم واحد من شن التحالف الذي تقوده السعودية هجوما على جنازة في صنعاء، في أكتوبر/تشرين الأول 2016، حيث تم قتل أكثر من 140 وإصابة أكثر من 500، رد الحوثيون بإطلاق صاروخ باليستي على قاعدة الملك فهد العسكرية في المملكة العربية السعودية.

وألقى "مايك بومبيو"، وزير الخارجية الأمريكي، باللوم في هجمات السبت على إيران، وهو ما نفاه المسؤولون الإيرانيون. وكتب "بومبيو" في تغريدتين زاعما إن طهران وراء ما يقرب من 100 هجوم على السعودية. وقال "بومبيو" إنه في خضم كل الدعوات لوقف التصعيد، شنت إيران الآن هجوما غير مسبوق على إمدادات الطاقة المهمة للعالم، وأنه لا يوجد دليل على أن الهجمات جاءت من اليمن. 

وقال "صموئيل راماني"، وهو محلل وأكاديمي سياسي في كلية "سانت أنتوني" بجامعة أكسفورد: "تضمنت تغريدة وزير الخارجية مايك بومبيو أن إيران نفذت 100 ضربة ضد المملكة، بما يشمل هجمات الحوثيين بالطائرات بدون طيار ضد البنية التحتية والمنشآت النفطية السعودية. وعلى الرغم من أن الحوثيين متحالفون مع إيران، إلا أن ربط كل ضربة للحوثيين بإيران يعزز رواية أن الحوثيين يخوضون حربا بالوكالة نيابة عن إيران في اليمن. ويتجاهل ذلك حقيقة أن غارات الحوثيين بالطائرات بدون طيار غالبا ما تأتي كشكل من أشكال الرد الانتقامي على الغارات الجوية السعودية، وليس بناءً على طلب إيران".

تصعيد الضغوط

وخلال الأسبوع الماضي، صعدت إدارة "ترامب" من الضغط في ضغوطها ضد إيران. وقال مسؤولو الإدارة الأمريكية إن الهجمات تم شنها من جهة الغرب والشمال الغربي، أي العراق أو إيران، وليس اليمن. وأشاروا إلى صور من الأقمار الصناعية تبين 19 إصابة للمنشآت النفطية. ومع ذلك، قال الجنرال المتقاعد "مارك هيرتلينج"، لشبكة "سي إن إن"، إن الصور "لا تظهر أي شيء فعليا، بخلاف الدقة الجيدة في ضرب خزانات النفط". وردد الأدميرال المتقاعد "جون كيربي" هذه النقطة، قائلا: "لا يوجد شيء أراه في هذه الصور تؤكد أن الإطلاق من مكان معين... لقد صدمتني فقط دقة الضربات".

وقال "واثق الهاشمي"، رئيس المجموعة العراقية للدراسات الاستراتيجية، إن الهجوم لم يكن قادما من العراق. وقال الهاشمي لـ"لوب لوج": "لقد أبلغت الإدارة الأمريكية العراق، من خلال محادثة هاتفية جرت يوم الاثنين بين وزير الخارجية مايك بومبيو ورئيس الوزراء عادل عبدالمهدي، بأن هذه الطائرات لم تقلع من العراق". وأعلنت الإدارة الأمريكية في وقت لاحق أنها تعتقد أن الطائرات المشاركة في الهجوم انطلقت من بقعة ما داخل الأراضي الإيرانية.

ورغم أن "ترامب" قال إن إيران قد تكون مسؤولة عن الهجوم، إلا أنه أشار إلى أنه لا يريد حربا، ويبدو أنه يترك مسؤولية الرد للسعودية، في الوقت الذي تجعل فيه الولايات المتحدة تخفيض وجودها في الشرق الأوسط أولوية كبرى. 

وكان الحوثيون أكثر نجاحا في الوصول إلى أهداف داخل المملكة، بما في ذلك المطارات، خلال الأشهر القليلة الماضية. ومع ذلك، يجب أن يكون هناك بعض الشك في قدرتهم على شن هجمات على موقعين يبعدان أكثر من 1000 كيلومتر عن العاصمة اليمنية صنعاء. ومع ذلك، قال محققو الأمم المتحدة إن الطائرة بدون طيار من طراز "UAV-X" الجديدة، التي يملكها المتمردون، قد يصل مداها إلى 930 ميل، أي 1500 كيلومتر، ويعني هذا أن عملية مثل السبت قد تكون في مجال قدراتهم.

وفشلت السعودية في هزيمة الحوثيين أو حماية نفسها من هجماتهك، على الرغم من الزيادة الكبيرة في نفقات البلاد الدفاعية. وفي أكتوبر/تشرين الأول، كتب "بروس ريدل"، وهو زميل بارز في معهد "بروكينغز"، أنه في عهد الرئيس "أوباما"، أنفقت المملكة العربية السعودية أكثر من 110 مليارات دولار على الأسلحة الأمريكية، بما في ذلك الطائرات والمروحيات وصواريخ الدفاع الجوي. وكانت هذه الصفقات هي الأكبر في التاريخ الأمريكي. وفي عام 2017، أفادت التقارير أن المملكة أنفقت 69.4 مليار دولار على جيشها. وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2018، أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية أن المملكة سوف تشتري نظام الدفاع الصاروخي "ثاد" التابع لشركة "لوكهيد مارتن"، الذي تبلغ تكلفته 15 مليار دولار.

وعلى الرغم من هذه النفقات الضخمة، ورغم فشلها الواضح في قلب الواقع في اليمن، تطيل الرياض الحرب بدلا من الاعتراف بفشلها في تحقيق أهدافها العسكرية. وأصبح من الواضح أنه لا يمكن حل الصراع اليمني إلا عبر حل سياسي. وقال "إبراهيم جلال"، الباحث في الأمن والصراع والدفاع في اليمن، لـ"لوب لوج": "بالنظر إلى فشل كلا طرفي الصراع في تحقيق نصر عسكري مباشر يجب أن تتركز الجهود على الوصول إلى تسوية سياسية شاملة من شأنها أن تضع حدا للحرب وتمهد الطريق للمصالحة الوطنية وبناء السلام المستدام".

المصدر | عبد العزبز كيلاني - لوب لوغ