الاثنين 23 سبتمبر 2019 07:34 م

تونس: إطاحة النظام بثورة والطبقة السياسية بالانتخاب

كيف غابت نسبة 20% من الناخبين؟ وأين ضاعت؟ ولماذا؟

حمّل الشعب وفاق «نداء تونس- النهضة» توقّعات أكبر من قدرته وربما أثقل مما يستطيعه طرفاه.

هل تأتي الانتخابات التشريعية ببرلمان أقرب لصورتي المرشحين إذا تعرّضت الأحزاب التقليدية للعقاب وانفسح المجال لقوى جديدة؟

*     *     *

قيل الشيء وعكسه في نتائج الانتخابات الرئاسية التونسية، وأكثر ما تردّد «إنها الديمقراطية»، و«إنه الدستور» الذي لا يمنع أي شخص من أن يترشّح؛ فالتصويت هو الفيصل. تلك ذرائع صحيحة؛ لكنها تشبه قولة «لا حول ولا قوة إلا بالله».

والمتفق عليه أن ظاهرة جديدة وغير مألوفة انبثقت من هذه الانتخابات؛ فليس أمراً عادياً أن يُقبل الناخبون على التصويت لشخص فرد لا حزب له ولا خبرة في إدارة الدولة وممارسة السياسة، أو لشخص برز أولاً بصفته فرداً ثم رئيساً لحزب حديث العهد لم يجرِ اختبارهما.

وبعيداً عن أي شخصنة أو انتقاص من أي من المرشّحين المتنافسَين في الدورة الثانية ليكون أحدهما رئيساً لتونس، أصبح محتملاً الآن أن تأتي الانتخابات التشريعية ببرلمان أقرب إلى صورتيهما، في حال تعرّضت الأحزاب التقليدية للعقاب الشديد نفسه مفسحةً المجال لانتقال قوى جديدة من الهامش إلى المتن وتأخذ فرصتها في إدارة شؤون البلد.

في انتخابات العام 2014، صوّت نحو 65% من الناخبين المسجّلين، الذين زاد عددهم بعد 5 أعوام لكن لم يصوّت منهم سوى 45%. كيف غابت نسبة الـ 20% من الناخبين؟ وأين ضاعت؟ ولماذا؟

ستُظهر الأيام أنها ربما تتحمّل، بسلبيّتها وانتظاريتها أو حتى بتكاسلها، مسؤولية «الانقلاب» الاقتراعي الذي غيّر الخريطة السياسية لتونس، فغيّب البورقيبية الوسطية عن الحكم وعن الصورة ليفتح المشهد التونسي على التجريب، لئلا يُقال على المجهول.

كانت «السبسية» مثّلت مع الباجي الراحل، حتى مع تقليص الدستور صلاحيات الرئيس، محاولة قد تكون الأخيرة للحفاظ على خط وسطي بين تيارات الشعب وعنواناً للاستقرار الداخلي. للأسف، لم يكن ممكناً تصريف هذا الاستقرار أو ترجمته في تحسين الوضع الاقتصادي لتونس؛ إذ كان قائد السبسي يرمز داخلياً وخارجياً إلى الثقة، ما لم ينطبق على الحكومة خصوصاً برئيسها وتركيبتها الحاليين.

لا يُلام الشعب إذ ضاق ذرعاً بالألاعيب السياسية التي سادت في العامين الأخيرين؛ فهو حمّل وفاق «نداء تونس- النهضة» توقّعات أكبر من قدرته، وربما أثقل مما يستطيعه طرفاه.

لم يتمكّن هذا الوفاق من معالجة المخاوف والوساوس والصراعات التي طبعت تجربة الحكم غداة الثورة، رغم حوارات 2013 وما تلاها من تنقيح للدستور وقانون الانتخاب؛ بل تغلّب عليه التنافس العبثي والشخصي داخل كل تيار سياسي.

فجاء الجميع إلى الانتخابات الرئاسية منقسمين ومشرذمين، وكانت هذه النتيجة الصادمة التي تعني عملياً 5 سنوات مقبلة من الصراعات بين تيارات ليس بينها أي جامع مشترك وإلا لكان ظهر في الاقتراع الأخير.

للمرشح قيس سعيّد مواقف معبّرة عن محافظته وثقافته الدستورية والقانونية، وقد يكون المرشّح الأول في تاريخ الانتخابات الذي يفوز بعد حملة من دون تكلفة وتمويل، وقد اختاره الناخبون لنزاهته.

وللمرشّح الآخر نبيل القروي نشاط إعلامي و»بزنسي» وسياسي مكّنه من انتزاع المرتبة الثانية؛ لكن وضعه ملتبس، فإذا صحّ أن رئيس الحكومة يوسف الشاهد سعى إلى سجنه لإبعاده عن الاستحقاق الانتخابي فإن التصويت جاء لمصلحة السجين لا السجّان.

وإذا كان القضاء تمسّك ببقاء القروي مسجوناً فهذا يعني أنه ليس ضحية افتراء فحسب. يبدو الحدث التونسي فصلاً آخر من ثورة لم تُستكمل؛ فبعد إطاحة النظام السابق (شاءت الصدفة أن يُتوفى رأسه غداة الانتخابات)، جاءت إطاحة الطبقة السياسية. كيف سينعكس ذلك على الاقتصاد وهو المعضلة الرئيسية؟ تلك مسألة أخرى.

* عبد الوهاب بدرخان كاتب صحفي لبناني

المصدر | العرب القطرية