الانتفاضة العراقية: أي طريق؟

أظهر انفلات الميليشيات الطائفية المسلّحة ضد المتظاهرين أنهم الحكام الحقيقيون للبلاد.

تصريحات خرقاء تتهم أمريكا وإسرائيل بـ«إشعال التوتر في العراق لعرقلة مراسم أربعينية الحسين»!

الكفاح ضد الفساد والقهر كفاح ضد تبعية المنظومة الحاكمة لنظام إيراني واجه الجماهير الثائرة بنفس الشعارات الزائفة.

كشفت الانتفاضة وردود الفعل السياسية الباهتة عليها، انفصالا للأجسام السياسية الموجودة عن الجماهير التي تدّعي تمثيلها.

الميليشيات والأجهزة الأمنية والسلطوية المحسوبة عليها تدفع الاحتجاجات السلميّة إلى فوضى وعنف تردّ عليه بعنف أكبر وهو تكنيك معروف لكسر الثورات.

*     *     *

تابعت الجماهير العراقية انتفاضتها ضد المنظومة الحاكمة أمس الجمعة رغم مواجهتها بحجم هائل من القمع الوحشي، أدى إلى مقتل العشرات وجرح أكثر من ألف، ولا توجد أرقام موثقة لعدد المعتقلين والمختطفين ولكن مصادر متقاربة تقدر عددهم بالمئات.

شرّع رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي حملة العنف هذه رسميّا بتوجيه التحيّة لـ«أبطال القوات المسلحة» وتجاهل الشعب العراقي المنتفض، داعيا الرئيس برهم صالح، ورئيس البرلمان محمد الحلبوسي لدعمه وكانت حصيلة اجتماعهم تكرار الكلام التقليدي عن «ضرورة اتخاذ إجراءات صارمة لمكافحة الفساد».

توزّعت المواقف ضمن الطيف السياسي بين تعليق «المحور الوطني» وهو تحالف سنّي عمل نوابه في البرلمان، وبعد تحفّظ الزعيم الديني الشيعي مقتدى الصدر على المظاهرات طالب بدوره نواب كتلته بتعليق عملهم.

فيما طالب المرجع الشيعي الأعلى علي السيستاني، عبر وكيله لخطبة الجمعة بمكافحة الفساد داعيا الرئاسات الثلاث لـ«إصلاح حقيقي» محذرة «الجميع من التداعيات الخطيرة لاستخدام العنف»، في مساواة بين القوات المدججة بالأسلحة والمتظاهرين العزّل.

كشفت الانتفاضة، وردود الفعل السياسية الباهتة عليها، انفصالا للأجسام السياسية الموجودة عن الجماهير التي تدّعي تمثيلها، بل أظهرت بوضوح أن الميليشيات الطائفية المسلّحة الحكام الحقيقيون للبلاد، فقد أظهر انفلاتهم الوحشيّ ضد المتظاهرين الفاصل السميك الذي يفصلهم عن جمهور المنتفضين.

وكون الطبقة السياسية الموجودة هي الماكياج الضروري لتسيير مصالحهم. وأنه عندما تتهدد هذه المصالح فإن هذه الميليشيات لا تقوم بسحق المنتفضين فحسب بل هي على استعداد لمعاقبة أي طرف في السلطة لا يأتمر بأوامرها.

فحسب وسائل إعلام عراقية وعربية فإن الأوامر بالقمع الآتية من مكتب عبد المهدي الذي يديره مسؤول قيادي في إحدى تلك الميليشيات، أما في الشارع فقد طاول رصاص هذه الفصائل المسلحة رجال الأمن الذين رفضوا إطلاق النار على المتظاهرين، وهناك أنباء عن استخدام للكمائن وأسلحة القنص واقتحام للمشافي والاعتداء على جرحى الانتفاضة وقتل بعضهم.

إضافة إلى العنف الأعمى المستخدم فإن الميليشيات والأجهزة الأمنية والسلطوية المحسوبة عليها تقوم فعلا بدسّ عناصر للاعتداء على بعض عناصر الشرطة وإحراق بعض المباني الحكومية، ودفع الاحتجاجات السلميّة إلى فوضى محسوبة وعنف يتم الردّ عليه بعنف أكبر، وهو تكنيك معروف لكسر الثورات.

يتناظر هذا العنف الشديد ضد المتظاهرين مع تأكيد أغلب القوى السياسية على الحقوق المشروعة للمنتفضين، وكذلك مع تصريحات خرقاء تتهم الولايات المتحدة وإسرائيل «بإشعال التوتر في العراق لعرقلة مراسم أربعينية الحسين»!

كما فعل رجل الدين الإيراني آية الله إمامي كاشاني، في استعادة للخطاب الأجوف الذي لا يرى الواقع ويتجاهل عذابات البشر وصرخات الإحساس بالظلم!

كما أنه يكشف، من دون أن يعرف، أن الكفاح ضد الفساد والقهر هو أيضا كفاح ضد تبعية المنظومة الحاكمة للنظام الإيراني، الذي واجه أكثر من مرة الجماهير الثائرة بالشعارات الزائفة نفسها.

لقد حاولت المنظومة الحاكمة معرفة أسماء من يقودون هذه الاحتجاجات واكتشفت أن لا قيادات لها، وهو ما يفضح الكلام عن «تسييس» الانتفاضة، أو قيادتها من الخارج، لكنّه، من جهة أخرى، يحدّ من قدرات هذه الانتفاضة على الارتقاء وتحديد مطالب سياسية واضحة للضغط على المنظومة الحاكمة.

ميزان الانتفاضة العراقية يقف على شفا هذه المعادلة الصعبة فالميليشيات جاهزة لقتل وخطف أي ناشط يظهر وعيا سياسيا، والمتظاهرون لن يتقدّموا ما لم يتوحدوا خلف قيادة سياسية واعية وقادرة على تحمل المخاطر الكبيرة، وبين هذين الحدين يتحدد مصير العراق.

المصدر | القدس العربي