السبت 5 أكتوبر 2019 01:39 م

مر عام على مقتل الصحفي "جمال خاشقجي" في القنصلية السعودية في إسطنبول. وكان للجريمة التي نفذها عملاء سعوديون تأثير كبير على صورة المملكة دوليا، وشكلت تحديا لأوراق اعتماد القيادة الجديدة، وسلطت الأضواء على السياسات المحلية والإقليمية للبلاد. وعلى الرغم من أن السلطات السعودية أنكرت هذه المزاعم في البداية، فقد غيرت ببطء نهجها، وبلغ الأمر ذروته باعتراف علني وقبول للمسؤولية من قبل ولي العهد "محمد بن سلمان" هذا الأسبوع بتحمل المسؤولية السياسية عن الجريمة، في محاولة لاستعادة المصداقية الدولية.

وقد حدث مقتل "خاشقجي" في وقت كانت فيه الصورة العالمية حول المملكة العربية السعودية كدولة تسعى نحو الحداثة والإصلاح في ذروتها دوليا. واعتقدت الحكومة أن الضغوط الدولية التي أعقبت الحادث ستكون مؤقتة، وأن الوقت سيحل الأزمة.

العاصفة مستمرة

وبعد وفاة "خاشقجي"، وفي الأشهر القليلة الماضية على وجه الخصوص، عجَّلت المملكة من خطى التغيير الداخلي، سواءً لدفع أجندة الإصلاح المنشودة لولي العهد، أو للمساعدة في استيعاب بعض الانتقادات الدولية. وفي أغسطس/آب، تم تجريد نظام وصاية الذكور من أهم أدواته، وهي خطوة مهمة تتيح للمرأة السعودية حريات جديدة. وسمح بالون اختبار آخر لبعض النساء بالظهور علنا في الشارع دون ارتداء الثوب الأسود الإلزامي. وأصبح "عواد العواد" رئيسا للجنة حقوق الإنسان في أواخر أغسطس/آب. وبعد وقت قصير من تعيينه، أنهى المدون السعودي "رائف بدوي" إضرابا عن الطعام بعد أن زارته اللجنة. كما تم إطلاق سراح عدد من المحتجزات. وأعلنت المملكة مؤخرا عن خطط لفتح البلاد أمام السياحة الدولية.

لكن بعد مرور عام، لم تنجح هذه الجهود في تحويل التركيز بعيدا عن "خاشقجي". ولم تنجح محاولات تحويل المسؤولية عن طريق إلقاء اللوم على المنفذين المارقين إلا في زيادة الضغط الدولي، ليس فقط فيما يتعلق بالجريمة، ولكن أيضا بقضايا أوسع. حيث استمر التدقيق غير المسبوق في أنشطة المملكة في المنطقة، والاحتجاز المستمر لناشطات حقوق المرأة.

وعلى الرغم من أن "دونالد ترامب" حافظ على دعمه للمملكة، وفي نهاية الأمر خفف القادة الأوروبيون من نهجهم الضاغط ضد الرياض، تدرك القيادة السعودية أن خططها التنموية سوف تظل تعاني من شبح جريمة القتل في المستقبل المنظور. علاوة على ذلك، أصبحت الرياض تشعر بقلق متزايد من الانتقادات الأمريكية الأوسع، من داخل الحزبين الجمهوري والديمقراطي، مع الكثير من الغضب المرتبط بمقتل "خاشقجي" والحرب المستمرة في اليمن، فضلا عن استطلاعات الرأي العامة التي تبرز انخفاض معدلات قبول المملكة بين الجمهور الأمريكي.

وخلال هذه الفترة، استمرت المحافل الدولية لحقوق الإنسان في المطالبة بمزيد من المساءلة عن جريمة القتل. واتهم تقرير، صدر في يونيو/حزيران من قبل المقررة الخاصة للأمم المتحدة "آغنيس كالامارد"، المملكة العربية السعودية "بالاغتيال المتعمد" للصحفي السغودي. ويأتي ذلك في ظل تصاعد التوترات الإقليمية مع إيران، التي بلغت ذروتها بالهجوم الأخير على منشآت النفط السعودية، مما زاد من شعور المملكة بالضعف. ومع مبادرة "مستقبل الاستثمار" السنوية الثالثة، التي تعتبر حيوية لتنفيذ المشاريع الاقتصادية في البلاد والتي تجري في وقت لاحق من هذا الشهر، قررت المملكة الآن على ما يبدو تغيير نهجها.

تغيير الطريقة

وفيما يبدو، أبدت السعودية استعدادا أكبر لتحمل بعض المسؤولية عن القتل، بما يتجاوز اعتقال ومحاكمة المتهمين بالمشاركة المباشرة في الحادث. والأهم من ذلك، أن ولي العهد قام مؤخرا بإجراء أول مقابلة له مع إحدى وكالات الأنباء الدولية منذ جريمة القتل، حيث قال فيها إنه "يتحمل المسؤولية كاملة كقائد مسؤول عن المملكة، خاصةً أنه قد ارتكبها أفراد يعملون لحساب الحكومة السعودية". وسبق أن اعترفت المملكة بدور المسؤولين السعوديين في القتل. وتمثل رغبة "محمد بن سلمان" في تحمل المسؤولية السياسية شخصيا، وإن كان لا يزال ينكر أنه كان لديه أي معرفة مسبقة بالجريمة، تحولا كبيرا في النهج السعودي يهدف إلى تجاوز آثار هذه القضية.

ومع ذلك، لا يعني قبول المسؤولية الرسمية على أعلى مستوى أن القيادة السعودية مستعدة الآن للسماح بالشفافية في قضية "خاشقجي"، أو في محاكمة من تزعم تورطهم. وفي الواقع، يستمر المسؤولون السعوديون في الابتعاد عن الأسئلة المتعلقة بالإجراءات القانونية، بحجة أن المدعي العام السعودي هو المسؤول عن الإشراف على المحاكمات. ويعتبر هذا التكتيك بمثابة تذكير بموقف المملكة الثابت من التدخل المتصور في سياساتها الداخلية. وفي مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في الشهر الماضي، هاجم السفير السعودي أستراليا بشدة لقيادتها ائتلافا من الدول ينتقد سجل المملكة في مجال حقوق الإنسان.

وبالنسبة إلى العديد من منتقدي المملكة، فإن هذه الخطوات الأخيرة لن تكون كافية، وسوف يستمرون في المطالبة بمزيد من التدابير الموضوعية. لكن من جانبها، تأمل الرياض أن يكون الجمع بين الندم العلني على مستوى رفيع، والإجراءات القانونية المحلية المستمرة ضد الجناة المزعومين، والإصلاحات الاجتماعية المتسارعة، مع الاقتران بموقف حازم ضد التدخل الخارجي، سيكون كافيا لدعم الموقف الخارجي للبلاد. ولا يزال "محمد بن سلمان" نقطة ارتكاز للإصلاحات الدراماتيكية التي تعيد تشكيل المملكة، وهو مسار يحظى بدعم داخلي واسع النطاق، ويريد الكثيرون في الغرب أن يروا نجاحه. ويأمل قادة المملكة الآن أن يغير جدول أعمالهم هذا المفاهيم الدولية حول المملكة بعد عام صعب للغاية.

المصدر | المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية