السبت 5 أكتوبر 2019 09:45 ص

في الأردن لا نمتلك ترف استمرار الأزمة

من هي القوى التي تعطل عملية الإصلاح السياسي ومن يدعمها؟

كيف لمن ينعم بمكتسبات ومزايا على حساب بقية المجتمع أن يحمي مصالحه في قادم الأيام؟

لماذا تغيب الإرادة السياسية عند الدولة لتطبيق أفكار نتفق على محتواها وتشكل أساس توافقات وطنية؟!

هناك حاجة ملحة لتغيير جذري فالمجتمع تغير كثيرا ببروز توافقات عابرة للهويات الفرعية حول قضايا وطنية ومطلبية مشروعة.

الحاجة ماسة لوقف الفساد واسترداد أموال منهوبة من قبل فئة قليلة يتحدث عنها الشارع باستمرار فمن يحميهم ولماذا يفلتون من العقاب؟

*     *     *

قبل أيام قليلة وفي جلسة خاصة استمعت إلى قراءات مختلفة من مسؤولين سابقين لكنهم أجمعوا على أن الأردن لا يمتلك ترف استمرار الأزمة الحالية بين نقابة المعلمين وحكومة تبدو عديمة الحيلة.

وبعيدا عن جدلية الإضراب وفيما إذا كان صحيحا وإن كان مشروعا أم لا إلا أن المسؤولية تقع على عاتق الحكومة في انهاء الإضراب والتصدي لتحديات كبرى قادمة، فمنطق المكاسرة مع النقابة لم ينجح ولن يثمر في قادم الأيام وبخاصة بعد تبلور حالة وطنية استثنائية تدعم قضية المعلم.

أحد المسؤولين السابقين أشار إلى افتقاد الدولة وجود عقل مركزي يضبط الأمور، كما ويقترح وضع الدولة كلها على الطاولة بغية تشخيص المشاكل ووضع الحلول.

هذه الشريحة من المسؤولين السابقين تقلدوا مواقع حساسة ويشهد لهم القاصي والداني بالنزاهة والوطنية ومع ذلك يتخذون موقفا نقديا من الطريقة التي تدار بها الأمور.

بتقديري أن الأمر لا يتوقف عند وضع الدولة على الطاولة – على أهمية ذلك – لأن هناك العديد من الدراسات والتقارير التي كتبت ويعرفها المسؤولون، لكن المشكلة تكمن في أدوات الدولة في تسيير الأمور في وقت يواجه فيه الأردن تحديات كبرى مثل صفقة القرن وهشاشة التحالفات الإقليمية أو سيولتها للدقة.

فمثلا، لم نعمل كدولة ومجتمع على تمكين المواطن سياسيا، ولنا أن نعود إلى الاوراق النقاشية لجلالة الملك ونسأل: لماذا تغيب الإرادة السياسية عند الدولة لتطبيق هذه الاوراق التي نتفق على محتواها وتشكل أساسا لتوافقات وطنية؟! من هي القوى التي تعطل عملية الإصلاح السياسي ومن يدعمها؟

في الأردن هناك حاجة ملحة للتغيير الجذري، فالمجتمع تغير كثيرا وبخاصة مع بروز توافقات عابرة للهويات الفرعية حول قضايا وطنية ومطلبية مشروعة ما جعل من أدوات ضبط المجتمع القديمة غير فعالة، فكل الفزاعات التي تم توظيفها لم تفلح لأن التوافقات هي وطنية بامتياز وعابرة لكل الهويات الفرعية ما يعني أن شكل الاحتجاج بات مختلفا تماما عما كان يجري في السابق.

وعليه ما زالت القوى المستفيدة من استمرار الوضع الراهن تريد الإحكام على مفاصل الأمور لأن التغيير القادم سيأخذ منهم مكتسبات كثيرة ما كانوا سيحصلون عليها لو كانت الدولة أكثر عدالة.

ثمة حالة من ضيق الأفق المرضية، فكيف لمن ينعم بمكتسبات ومزايا على حساب بقية أفراد المجتمع أن يحمي مصالحه في قادم الأيام؟

فنحن جميعا في مركب واحد، إن غرق نغرق جميعا الغني منا والفقير. وحتى أكون مباشرا أقول بأن هناك حاجة ماسة لوقف الفساد واسترداد أموال الأردنيين المنهوبة من قبل فئة قليلة يتحدث عنها الشارع بشكل مستمر، من يحميهم، ولماذا يفلتون من العقاب؟

أهم ما في التراشق بين الحكومة ونقابة المعلمين أنها كشفت عن حالة من الغليان والاحتقان تم ترجمتها على شكل وعي وطني ما يعني أن بوادر تشكل ذاكرة جماعية عابرة للهويات الفرعية بدأت تبرز وهذا يعني أن الأردن ما بعد إضراب الخامس من سبتمبر هو مختلف بكل تأكيد.

هذا التغير في وجدان الأردنيين هو في نهاية المطاف لمصلحة الدولة والمجتمع والعرش، وسيلتف الأردنيون حول جلالة الملك في القضاء على الفساد وفي التصدي لتحديات خارجية قادمة.

لكن حتى نصل إلى هذه الحالة الراقية علينا مرة أخرى الانتباه إلى أن احتجاج الأردنيين هو من أجل الدولة ولصالحها ولا يمكن أن يكون كعب أخيل، وعلى العكس فإن النهج القائم ليس إلا حصان طروادة لأنه فكك المجتمع وأضعف الدولة بحجج واهية.

*  د. حسن البراري أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الأردنية

المصدر | الغد الردنية