السبت 5 أكتوبر 2019 10:27 ص

ما «السر» في «دموية» المشهد العراقي؟

حكومة عبد المهدي تفقد صدقيتها وتُراق شرعيتها  مع كل قطرة تراق بساحة التحرير أو غيرها.  

الحل بتنظيف المؤسسة الحاكمة بالعراق بغرض تنظيفها وليس بتعليق ما يجري على مشجب «المؤامرة» و«جماعات مدسوسة».

تسعى الرئاسات العراقية بلا جدوى لتكريس حياد العراق عن التجاذبات الإقليمية حيث يضغط كل محور لجذب بغداد إليه.

إحساس متضخم بجسامة التحدي يفسر «العنف» غير المبرر إزاء تظاهرات ضد الفساد والبطالة وتردي الخدمات وانهيار أوضاع المعيشة.

لدى العراقيين «جميع الأسباب الموجبة» للثورة والغضب والغليان احتجاجاً على فساد الطبقة السياسية والأحزاب الطائفية والمذهبية والمحاصصة.

*     *     *

لم يسبق لحراكات مطلبية اجتماعية أن قوبلت بكل هذا العنف والدموية. عدّاد القتلى والجرحى في شوارع بغداد والحلة وغيرهما من المدن العراقية، لم يتوقف عن الدوران، وأعداد الضحايا في ارتفاع وتزايد مستمرين، برغم تحذيرات الحكومة ومطالبة رئيسها بضبط النفس وإعلان حظر التجوال وارتفاع الأصوات المطالبة بالتحقيق في جرائم القتل بالرصاص الحي للمتظاهرين.

ثمة ما يشي أن في الأمر «سراً» و«السر» هنا، أن ثمة في مراكز ومؤسسات صنع القرار العراقي، في الدولة والمجتمع وفي أوساط الميليشيات، من يعتقد أن ما يجري ليس سوى «مؤامرة» دبرت بليل بهيم، وأن هدفها الانقلاب على حكومة عبد المهدي والإتيان بحكومة موالية لواشنطن.

ثمة من يعتقد بوجود غرفة عمليات تحرك الشوارع وتدير الحركة والحراكات. ثمة من يرى في الأمر، فصلاً جديداً من فصول «حرب الوكالة» المفتوحة بين طهران وحلفائها وواشنطن وحلفائها. بل رأى البعض فيها ثأرًا للطائرة الأمريكية المسيّرة التي أسقطت بصواريخ إيرانية إلى غير ما هنالك من فرضيات وتكهنات.

وحده هذا الإحساس المتضخم بجسامة التحدي، هو ما يفسر هذا «العنف» غير المبرر، وغير المفهوم الذي قوبلت به تظاهرات المحتجين ضد الفساد والبطالة وتردي الخدمات وانهيار الأوضاع المعيشية في بلد ثري، ويرقد فوق واحدة من أكبر احتياطيات النفط في العالم. بخلاف ذلك، لا نجد تفسيراً ولا مبرراً لكل هذه «الدموية» في التعامل مع متظاهرين سلميين.

نحن نعرف، والجميع يعرف، أن ثمة صراعاً أمريكياً – إيرانياً في العراق وعليه. هذه حقيقة تظهرها الخريطة الحزبية والائتلافات السياسية، وتتجلى في القرارات والمواقف التي صدرت أخيراً، سواء بإزاحة الفريق الركن عبد الوهاب الساعدي عن منصبه، أو في تضارب الروايات بشأن مسؤولية إسرائيل عن الضربات التي استهدفت الحشد الشعبي، وهي روايات متضاربة حتى حين تصدر عن مسؤول هيئة الحشد فالح الفياض ونائبه أبو مهدي المهندس.

نعرف وتعرفون، كيف تسعى الرئاسات العراقية من دون جدوى، تكريس سياسة حياد العراق والنأي به عن التجاذبات الإقليمية، حيث يضغط كل محور لجذب بغداد إلى خنادقه.

لكننا مع ذلك، لا نريد المضي بعيداً في اتهام حراك الشارع العراقي بالاصطفاف في «المشروع الأمريكي – الخليجي» ضد محور إيران، ولا نؤيد النظريات التي تضع هذا الحراك في سياق «الانقلاب» على النظام السياسي العراقي الذي تحظى إيران بسطوة وتأثير فائقين في أوساطه.

أولاً؛ لأن هذا الحراك، على اتساعه وضخامته، ليس الأول من نوعه، فقد سبقته حراكات مدنية وشبابية، قبل حكومة عبد المهدي، وقبل تفاقم الأزمة بين طهران وواشنطن إلى هذا الحد، وهي رفعت الشعارات ذاتها، وتبنت المطالب التي لم تتحقق إيّاها.

ثانياً؛ لأن قاعدة هذا الحراك في المحافظات الجنوبية، وهي ذاتها القاعدة الحاضنة لنفوذ إيران وحلفائها، فالاحتجاجات تكاد تتركز في المناطق الشيعية، والمشاركون فيها ليس من طائفة أو مذهبا بعينه.

ثالثاً؛ لأن فئات ومرجعيات شيعية، بعضها صديق لإيران أو حليف لها، أبدت تأييدها لمطالب الحراك، أو رفضت التعامل «الخشن» معها، ودعت للتحقيق في مجرياتها، وطلبت من الحكومة فتح آذانها لمطالبهم بدل إطلاق النار عليهم ...

رابعاً؛ لأنه لا توجد في العالم، «غرفة عمليات» أو «مؤامرة» قادرة على إخراج الناس بالملايين إلى الشوارع للمطالبة بحقوقهم والتضحية بأنفسهم لتحقيق مطالبهم، فإن كان الأمر، فهذا يعني أن غالبية الشعب العراقي مع «المؤامرة»، وأن «مطلقي النار» على أبنائه هم الأقلية التي تناور لدرئها ...

خامساً، وأخيراً؛ لأن لدى العراقيين «جميع الأسباب الموجبة» للثورة والغضب والغليان، احتجاجاً على فساد طبقتهم السياسية وأحزابهم الطائفية والمذهبية، ونظام المحاصصة، الذي لم يجنوا منه سوى البؤس والشقاء والجوع والفقر والعوز واليأس والإحباط.

«الدم يستسقي الدم»، والعراق يبدو أنه دخل في نفق يصعب الخروج منه، وحكومة عبد المهدي تفقد صدقيتها، وشرعيتها تُراق قطرة إثر أخرى، ومع كل قطرة تراق في ساحة التحرير أو غيرها.

والحلول الترقيعية من نمط صرف رواتب أساسية للفقراء والمعوزين، ليست هي الحل.

الحل بفتح تحقيق شفاف ونزيه، ومحاسبة المسؤولين عن سفك الدم العراقي، رسميين كانوا أم ميليشياويين.

الحل ليس بفصل ألف موظف على عجل، الحل بمحاكمات استثنائية لكل الفاسدين بدءاً من القطط السمان، وليس صغار الموظفين.

الحل بخطة استنهاض وطنية شاملة، سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، تعيد الكرامة للمواطن العراقي، وتحفظ للعراق حريته واستقلاله وسيادته، وتخرجه من دائرة التجاذبات الإقليمية والدولية، وتعيد له هيبته ومكانته وموقعه في النظامين العربي والإقليمي.

الحل بالنظر إلى داخل المؤسسة الحاكمة في العراق بغرض تنظيفها، وليس بتعليق ما يجري على مشجب «المؤامرة» ونسبته إلى «جماعات مدسوسة».

* عريب الرنتاوي كاتب صحفي أردني

المصدر | الدستور الأردنية