الجمعة 11 أكتوبر 2019 01:56 م

تمر هذه الأيام، الذكرى السادسة والأربعون لـ"حرب أكتوبر"، التي جسدت منها السينما المصرية لمحات بسيطة لا ترقى إلى مستوى الحدث التاريخي والسياسي.

فرغم مرور 46 عاما على هذا الحدث الذي تغيرت بعده خريطة الصراع في المنطقة، بعد معاهدة "كامب ديفيد" ومن بعدها اتفاق "وادي عربة"، لتدخل القضية الفلسطينية في سبات عميق، ويطوى ملف الصراع المسلح بين مصر والكيان الصهيوني إلى أجل غير معلوم، إلا أننا لم نجد على المستوى المصري -وبالتبعية السوري-، فيلما يجسد تلك المعركة.

فالأفلام الروائية المصرية لم تبتعد كثيرا عن التوليفة التجارية المعتادة في الفيلم المصري، وضلت أسيرة الصورة الذهنية التي فُرضت في حقبة الخمسينات من القرن الماضي، حيث العدو ضعيف وتافه وساذج وقادته مجموعة من الأغبياء اللذين لا يحسنون التخطيط، كما أنهم دوما مذعورين يفرون من أي معركة.

والفيلم الوحيد الذي جسّد مواجهه بطولية حقيقية بين المصريين والصهاينة، كان فيلم أغنية "على الممر" للمخرج "علي عبد الخالق"، الذي استطاع أن يقدم بطولة خمسة من الجنود المصريين انقطعت صلتهم بالقيادة فقرروا أن يدافعوا عن موقعهم المتقدم في مواجهه كتيبة من جيش العدو؛ لتصبح البطولة في المدة التي قضاها الجنود في المعركة والخسائر التي أوقعوها في الطرف الآخر نهاية باستشهادهم جميعا.

 

"زوزو" سر الخلطة

 

لم ينجح فيلم أغنية "على الممر" الذي عرض عام 1972 ورفع من دور العرض بعد أسبوعين فقط، وتكبد المنتج خسارة فادحة، وفي الوقت نفسه حقق فيلم "خلي بالك من زوزو" الذي عرض بالتزامن معه، أرباحا غير مسبوقة وتحولت أغنية (يا واد يا تقيل) التي غنتها "سعاد حسني" في الفيلم، إلى أيقونة في الشوارع المصرية، وصارت الفتيات تلاحق بها الفتيان تعبيرا عن إعجابهن.

ويبدو أن هذا المزاج الجماهيري هو الذي دفع المنتجين لأن يقدموا أفلام الحرب في خلطتها الساذجة (قصة حب، عزول، انتقام، حرب، استرداد الحبيبة)، تكرر هذا تقريبا في كل أفلام تلك المرحلة، بدءا من "الرصاصة لا تزال في جيبي، وصولا إلى فيلم "يوم الكرامة".

 

سينما العدو

 

على الجانب الآخر، فقد اهتمت سينما الكيان الصهيوني بحرب العاشر من رمضان، وقدمت العديد من الأفلام، يمكن تقسيمها إلى مرحلتين؛ مرحلة ما قبل أكتوبر، وهي مرحلة التباهي بحرب الأيام الستة وترسيخ مفهوم "الجندي السوبر مان"، وهي الروح التي اختفت تماما بعد حرب السادس من أكتوبر.

فبعد أكتوبر، ركز اليهود على الجوانب الإنسانية وخبرات المواطنين والأثر النفسي للحرب واستثمار الحالة في دعوة المزيد من يهود العالم للانضمام لـ"أرض الميعاد"، وكان اهتمامهم الأكبر منصبا على كسب مزيد من التعاطف الدولي بتصوير مالات الحرب
 

فيلم النسر /احمل قضيتك

 

أحد النماذج التي يمكن التوقف أمامها عند متابعة حالة الإنتاج السينمائي اليهودي، هو فيلم "النسر"، الذي أُنتج في أعقاب حرب أكتوبر، ويروي قصة شاب عائد من الحرب مصطحبا جثة صديقه الذي فارق الحياة، ورغم إصابته بجرح غائر إلا أنه لم يتخلى عن الجثة.

وفي رحلته إلى بيت الصديق، ينقل لنا حالة تل أبيب، ويقدم حالة بكاء تستعطف المشاهد وتجعله يتضامن مع أولئك المسالمين اللذين يعيشون وسط مجتمع عدائي، لا يسمح للشاب المسكين حتى أن يواسي الأسر التي فقدت أبنائها؛ فسرعان ما سيتم استدعاؤه ليدافع عن حقهم في الحياة.

وفقا لبعض التقديرات، فقد أنتجت السينما الإسرائيلية 18 فيلما يتناول حرب السادس من أكتوبر وأثرها على المجتمع والتغيرات التي أحدثتها في الشخصية الصهيونية، لكن ما يلفت الانتباه، هو انفجار مواقع التواصل الاجتماعي بتناقل فيلم يناقش الهزيمة وأسبابها بعنوان "ابواق الصمت"، وهو من إنتاج عام 2003 من عينة أفلام الدراما الوثائقية (الديكودراما)، ويتناول تحقيقات "لجنة أغرانات" التي شكلت بعد الحرب لبحث أسباب الهزيمة.

تناوب السرد الفيلمي للأحداث، حالة التخبط والقلق التي صاحبت الأيام الأخيرة قبل الحرب، داخل أروقة جهاز الاستخبارات العسكرية الإسرائيلي "آمان"، ووزارة الدفاع الإسرائيلية ممثلة في وزيرها "موشي ديان" ورئيس الأركان، ورئيسة الوزراء "غولدا مائير"، فالجميع يطمئن بعضهم، ولم تكن بينهم سوى أحاديث السخرية من فكرة قيام الحرب.

على الجانب الآخر، تأتي أحداث ما بعد الحرب، وكل هؤلاء يجلسون أمام لجنة التحقيق ــ لجنة (أغرانات) ــ والتي ترتب عليها إقالة عدد كبير من القيادات العسكرية والاستخباراتية الإسرائيلية، إلى جانب إقالة غالبية السياسيين وقتها.

حتى أن رئيس اللجنة يعنف رئيسة الوزراء على التباطؤ في استدعاء جنود الاحتياط، فهل الميزانية لا تسمح أم أنها امتنعت لتكدير صفو المواطنين الإسرائيليين استعدادا للانتخابات المقبلة، لترد في انفعال أن وزير الدفاع ورئيس الأركان ورئيس الاستخبارات العسكرية كانوا يجهلون قيام الحرب، فهل ستعرف هي!.

 

رسائل الفيلم

 

الأمر الذي يسترعي الانتباه في هذا الفيلم، والذي اشتهر بين مستخدمي "السوشيال ميديا" من المصريين والعرب، أنه جاء على عكس الأفلام الـ18 التي أُنتجت عن الحرب، فالأفلام السابقة كانت بكائية تستعطف الغرب كما أشرنا سابقا، لكن فيلم "أبواق الصمت"، وجه عددا من الرسائل الهامه للعرب والمصريين.

الرسالة الأولى وهي الأهم، أن "جواسيسنا في أعلى مستويات القيادة، فالذي أخبرنا بأن هناك حرب وشيكة هو ملك الأردن بنفسه، ومع ذلك لم نثق بكلامه ولا بمصادره".

الرسالة الثانية: "رغم المفاجأة وشن دولتين للحرب في نفس الوقت، إلا أن خسائرنا ليست كبيرة"، وقد ظهر هذا من خلال الإحصاء الذي وضعوه على الشاشة للقتلى والجرحى، وهو بالفعل رقم هزيل بالنسبة لمعركة يشنها جيشين كبيرين بحجم الجيشين المصري والسوري.

أما الرسالة الثالثة، فقد أرادوا بها إظهار "حافظ الأسد" و"أنور السادات" كرجلا دولة أقوياء، فضلا عن أن الأول مقاوم يسعى لتحرير الجولان، ليدلسوا على حقيقتين أساسيتين: أن "السادات" بمعاهدة "كامب ديفيد" قضى تماما على الجبهة المصرية وأخرجها من الحرب، أما الثانية فهي التدليس المتعمد بشأن تسليم "الأسد" للجولان وأمره للجيش السوري بالانسحاب منها بعد تحريرها.

وبالمقارنة بين ما أنتجنا من أفلام وما أنتجوه، نجد أننا أهدرنا الكثير من المال على ترسيخ مفهوم الجيش القوي قاهر الأعداء، بينما تنوعت رسائلهم بين تحصيل مزيد من التعاطف مع قضيتهم، وتدعيم مساندة الغرب لهم، وبين رسائل الثبيط وإفقاد الأمل الموجهه للأجيال القادمة من أبنائنا.

المصدر | الخليج الجديد