الجمعة 11 أكتوبر 2019 06:21 م

على مدار شهر سبتمبر/أيلول 2019، واجه الرئيس المصري "عبدالفتاح السيسي" أشد أزمة عامة له منذ توليه منصبه في يونيو/حزيران 2014. واتهمت مقاطع فيديو، انتشرت على نطاق واسع على "فيسبوك"، كبار المسؤولين العسكريين والسياسيين في مصر بمجموعة من جرائم الفساد، ما شجع الجمهور على التظاهر ضد الرئيس.

وتم إطلاق شرارة الحريق من قبل "محمد علي"، وهو مقاول مصري وممثل سينمائي وتلفزيوني يعيش في المنفى في إسبانيا، وقد عمل مع الجيش المصري لمدة 15 عاما، وكشف عن مخالفات مالية تورط كبار موظفي الجيش المصري فيها، فضلا عن الرئيس وأفراد عائلته. وفي مقاطع الفيديو، انتقد "علي" التفاخر والتباهي اللذين تتسم بهما الطبقة الحاكمة، في حين يضطر المواطنون المصريون العاديون، باسم الإصلاحات الاقتصادية، إلى شدّ الأحزمة. وعلى الرغم من أن الإصلاحات قد مكنت من تحقيق نمو اقتصادي مثير للإعجاب، فقد استتبع ذلك أيضا إلغاء الدعم والعديد من الإجراءات التي أدت إلى ارتفاع حاد في الأسعار، ما أدى بدوره إلى خفض مستوى المعيشة لدى العديد من المصريين. وفي الواقع، يعاني جزء كبير من الشعب المصري من الفقر.

شرارة الغضب

وأصبحت مقاطع الفيديو مصدرا للغضب في مصر، ودفعت "السيسي" إلى عقد مؤتمر للشباب للرد على المزاعم الواردة. وقد وصف الرئيس ووسائل الإعلام الرسمية هذه الادعاءات بأنها شائعات لا أساس لها، تهدف إلى تشويه إنجازات النظام، ودفع إسفين بين الجيش والمواطنين، وتهديد استقرار الوطن، بالإضافة إلى كونها مؤامرة من جماعة "الإخوان المسلمون" وحلفائهم الإقليميين في تركيا وقطر. وأضاف اهتمام الرئيس بمقاطع الفيديو علنا إلى مصداقيتها لدى الجمهور، وتطور موقف "علي" تدريجيا من مجرد "مبلغ عن المخالفات" إلى "زعيم للاحتجاج"، وبدأ إصدار مقاطع فيديو يومية تدعو صراحةً إلى قيام حركة شعبية للإطاحة بالرئيس.

وعلى الرغم من أن "علي" أكد أنه لا يحمل أي انتماءٍ سياسي أو حزبي، إلا أن القنوات التلفزيونية الفضائية والمواقع الإخبارية المتحالفة مع جماعة "الإخوان المسلمون" سارعت لنشر رسائله. وفي الوقت نفسه، أعربت دول الخليج البراغماتية، وعلى رأسها السعودية والإمارات، عن دعمها لـ "السيسي" كما أشاد الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" بقيادته. أما "حماس"، فقد قامت من جانبها بالتزام الصمت وتجنبت الحديث حول الأمر.

وعلى الرغم من الانتشار الواسع لمقاطع الفيديو، لم يستجب سوى بضعة آلاف فقط لدعوة "علي" للتظاهر في جميع أنحاء مصر في 20 سبتمبر/أيلول 2019، وعدد أقل من ذلك في 27 سبتمبر/أيلول. ونشأ الفشل النسبي للاحتجاجين، اللذين دعا إليهما "علي"، عن عدة أسباب على رأسها السيطرة والردع الفعالين اللذين أظهرهما النظام، والاستعدادات الأمنية الواسعة، التي تضمنت عمليات اعتقال واسعة، وإغلاق الميادين والطرق الرئيسية في المدن المصرية، وقطع الإنترنت والتأثير على وسائل التواصل الاجتماعي. وكان من الواضح أيضا أن جماعة "الإخوان المسلمون" لم تقم بدورها المعتاد، حيث تجنبت الحركة المشاركة في حشد الجماهير الواسعة للخروج في الاحتجاج ضد النظام، في حين بدا من الواضح أيضا أن اضطرابات الربيع العربي لا تزال تترك بصماتها على الجمهور المصري الذي أصبح قلقا بشأن أي ثورة جديدة قد تؤدي إلى تجدد الفوضى وتفاقم الصعوبات التي يواجهها، لا سيما في غياب قيادة بديلة جذابة وواضحة.

ومع ذلك، لا يعد فشل الاحتجاجات نصرا حاسما للنظام والرئيس. و ألقت قضية "محمد علي" الضوء على مشكلة الفساد في مصر، وكشفت عن حقيقة الغضب والإحباط من المحنة الاقتصادية بينصفوف   الشعب المصري، وسلطت الأضواء على التناقضات الاجتماعية العميقة، والقيود المفروضة على حرية التعبير والتجمع، وطرحت التساؤلات حول المسار الاقتصادي والسياسي للبلاد. وبالمثل، فقد أثارت استجابة النظام للأحداث، حتى لو لم تؤد إلى إراقة الدماء، انتقادات دولية، بالنظر إلى تنفيذ أكثر من 2000 عملية اعتقال. بالإضافة إلى ذلك، تم اعتبار التظاهرات العامة ضربة للجهود التي تبذلها مصر للحفاظ على خططها الاقتصادية وجذب الاستثمارات الأجنبية، وتحقيق الاستقرار في قطاع السياحة، حيث أدت إلى التعثر الأكثر حدة في البورصة المصرية منذ عام 2011.

علاوة على ذلك، على الرغم من حقيقة أن النظام المصري قد تمكن حتى الآن، من احتواء الاحتجاجات، إلا أن المشاكل الاقتصادية والسياسية الأساسية التي غذت الغضب الشعبي لا تزال قائمة. وبالتالي، لا يمكن استبعاد احتمال استئناف الاحتجاجات، وربما بشكلٍ أكثر عنفا. وكما أظهرت الأحداث الأخيرة، فإن جماعة الإخوان المسلمين في الانتظار. ويوجد تهديد آخر يمثله لاعبون أقوياء آخرون من داخل السلطة، من كلا المعسكرين العسكري والاقتصادي، والذين قد يخرجون لمعارضة الرئيس علانية إذا تم تقويض مركزه. ويبقى عامل آخر لا يمكن التنبؤ به وهو الشارع المصري. وكان معظم الذين شاركوا في الاحتجاجات الأخيرة من المتظاهرين الشباب، الذين لم يتعرضوا شخصيا لصدمة الثورات السابقة. وقد خرجوا بدون قيادة، ومن الصعب تقييم كيف سيتصرفون في الموجة التالية من الاحتجاجات، في حال اندلاعها.

إعادة معايرة المسار

ولا يمكن أن يكون نجاح النظام في احتواء المظاهرات وإخماد نيران الاحتجاج قبل انتشارها سببا للاسترخاء. ويفضل العديد من مؤيدي النظام معالجة الأحداث باعتبارها دعوة للاستيقاظ، وفرصة للشروع في اتخاذ تدابير تصحيحية من موقع قوة. وخرجت إعلانات أولية من المتحدثين باسم النظام حول نهج اقتصادي وسياسي جديد، لكن الجمهور المصري يشكك في مصداقية هذه التعهدات وينتظر اتخاذ إجراءات على الأرض.

وعلى المستوى الاقتصادي، أصدر الرئيس بيانا أكد فيه اهتمامه بالمواطنين الذين فقدوا حقوقهم في الإعانات الغذائية الأساسية في أعقاب الإصلاحات الاقتصادية، وأبدى التزامه الشخصي بمساعدتهم في محنتهم. ووفقا لهذا التوجيه، سارعت وزارة التموين في 1 أكتوبر/تشرين الأول إلى الإعلان عن إعادة 1.8 مليون مواطن إلى قائمة المستفيدين، بالإضافة إلى تمديد الموعد النهائي للاستئنافات ضد إلغاء حقوق الدعم . وأعلنت وزارة الصحة والسكان أنها تمضي قدما في خطط التأمين الطبي الشامل، بدءا من أفقر المحافظات. وبالمثل، ظهرت تقارير إعلامية حول تغييرات في بعض المناصب في العديد من الوزارات. والسؤال الرئيسي هو ما إذا كان سيتم تطبيق تحركات أعنق، بما في ذلك في مجال مكافحة الفساد والاحتكارات الاقتصادية.

وعلى المستوى السياسي، أعلن رئيس البرلمان المصري "علي عبد العال"، في الأول من أكتوبر/تشرين الأول، عن إصلاحات تلوح في الأفق في المجالات السياسية والحزبية والإعلامية. وحذر "مصطفى بكري"، أحد المشرعين المقربين من النظام، من أنه "بدون تحرك حقيقي نابع من الذات"، ستبقى مصر عرضة لثورة أخرى. وتشير تقارير وسائل الإعلام إلى وجود نية لتوسيع المساحة الممنوحة لعناصر المعارضة، على الرغم من أن الوقت ما زال مبكرا لتقييم ما إذا كانت هذه التغييرات ستكون جوهرية أم مجرد رتوش تجميلية.

وبموازاة ذلك، تضمنت وسائل الإعلام الموالية للنظام مقالات تدعو إلى الإصلاحات، بما في ذلك توسيع حرية التعبير، وفتح الحيز العام للحوار والنقد البناء، والسماح بالتعددية الحزبية، والسماح بالمظاهرات القانونية. ومع ذلك، تم توضيح أن الإصلاحات المخطط لها ستقتصر على أولئك الذين يقبلون بفكرة الدولة القومية المصرية، ويعترفون بالدستور المصري والقانون المصري، وأنه لن يتم فتح الباب أمام عودة الإخوان المسلمين إلى الحياة السياسية والعامة، أو إلغاء تصنيف الجماعة كمنظمة إرهابية.

وبينما تهدف الخطوات المتخذة لتخفيف الصعوبات الاقتصادية إلى تعزيز مكانة النظام بين الطبقات الدنيا، تستهدف الإصلاحات السياسية الطبقة الوسطى العليا المتعلمة والأجيال الشابة التي قادت ثورة 25 يناير 2011، والتي تحمل اليوم الكثير من المرارة بسبب نتائجها. ويحمل الكثير من هؤلاء الشباب آراءً ليبرالية، ويشاركون النظام مخاوفه بشأن الإخوان المسلمين، ويفضلون الإصلاح التدريجي والجزئي على ثورة شاملة جديدة تنطوي على مخاطر كامنة. وقد يعمل الحد من الاغتراب بينهم وبين النظام على توسيع قاعدة دعم الرئيس وتحسين صورته في الغرب ومنع اندلاع احتجاجات مستقبلية.

وقد قدّر رئيس تحرير صحيفة "الشروق"، "عماد الدين حسين"، أن الانفتاح السياسي والإعلامي الأكبر كان سيمنع العاصفة التي أحدثتها مقاطع الفيديو التي بثها "علي" على وسائل التواصل الاجتماعي. وقال "ياسر رزق"، رئيس تحرير صحيفة "الأخبار" اليومية، إن تهميش القوى السياسية التي ساعدت الجيش على طرد جماعة الإخوان المسلمين في يونيو/حزيران 2013 كان "خطأً جسيما"، وحث على تصحيحه. وتشجع مثل هذه الدعوات قوى المعارضة على توقع إجراء حوار مع السلطات حول تغيير المناخ السياسي منعا لإثارة المزيد من الإحباط.

تداعيات الأحداث على (إسرائيل)

وركز انتقاد "علي" للنظام على الشؤون الداخلية، ولم يرد ذكر (إسرائيل) في الفيديوهات. وعلى النقيض من ذلك، حاولت بعض شخصيات المعارضة التي أيدت "علي"، وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين، جر (إسرائيل) إلى الحملة ضد الرئيس "السيسي". ووصفت بعض تلك الحملات الرئيس بـ "العميل الصهيوني" الذي يعمل لصالح (إسرائيل) والولايات المتحدة، مع بث شائعة حول أن "والدته يهودية". 

من جانبها، كانت (إسرائيل) حريصة بشكل مبرر على عدم اتخاذ موقف من الاحتجاجات في مصر، رغم أنها تراقبها بالتأكيد. ويعد استقرار مصر مهما لـ (إسرائيل) لعدة أسباب، على رأسها معاهدة السلام بين الدولتين، واستمرار التعاون في مواجهة التحديات الأمنية والسياسية، والخوف من الفوضى التي من شأنها أن تهدد السيطرة المصرية على شبه جزيرة سيناء، وتفعيل عقود تصدير الغاز من (إسرائيل) إلى مصر، والتعاون متعدد الأطراف في شرق البحر المتوسط.

وعلى الرغم من أن قدرة (إسرائيل) على المساهمة في استقرار مصر محدودة، إلا أنها تستطيع - بمساعدة حلفاء آخرين - تعزيز الجهود المبذولة لدعم أمن مصر واستقرارها وازدهارها الاقتصادي وتشجيع الإصلاحات الأساسية، وتقديم دعم دبلوماسي هادئ في المجال الدولي لبعض مواقف القاهرة خاصة في مجال مكافحة الإرهاب، وتجنب إضافة المزيد من الوقود إلى النار المصرية عير تخفيف التصعيد تجاه الفلسطينيين في قطاع غزة والأماكن المقدسة في القدس.

المصدر | معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي - ترجمة الخليج الجديد