الأربعاء 23 أكتوبر 2019 11:05 ص

بينما يركز العالم الغربي على أزمات السياسة الخارجية العديدة في المملكة العربية السعودية، مثل حرب اليمن، يحاول المواطنون السعوديون العاديون مواكبة وتيرة الإصلاحات الاجتماعية والثقافية السريعة التي يقدمها ولي العهد "محمد بن سلمان".

وقد خفف أحدث هذه الإصلاحات، الذي تم الإعلان عنه في 27 سبتمبر/أيلول، من قانون اللباس المحافظ الإلزامي في المملكة للسياح.

وعلى الرغم من أن هذا الإصلاح لا ينطبق إلا على النساء الزائرات غير السعوديات، لكنه مهم بالنسبة للمرأة السعودية بسبب الآثار الاجتماعية الجديدة التي سيدخلها.

وبالنظر إلى وتيرة الإصلاحات الاجتماعية التي بدأها "بن سلمان" ووجه إليها منذ عام 2016، من المحتمل أن يكون تخفيف قانون ارتداء الملابس للسيدات الزائرات بمثابة مقدمة لتخفيف القيود المفروضة على ملابس النساء السعوديات.

ولا تكاد تكون هناك مقاومة تُذكر من النساء السعوديات بالفعل للقيود المفروضة على اللباس التي فرضتها الحكومة لعقود، حيث تلبس أغلبهن النقاب.

وفي عام 2018، بدأ وسم يظهر في وسائل التواصل الاجتماعي باللغة العربية باسم "#النقاب_تحت_رجلي"، ويرمز الوسم إلى مقاومة بعض النساء السعوديات الشابات من الجيل الجديد لكل من القمع الحكومي والأعراف العائلية التقليدية فيما يتعلق بإلإلزام بملابس معينة.

وأعلنت إحدى مستخدمات "تويتر": "لم يكن النقاب خيارا بالنسبة لي، وليس كذلك بالنسبة للعديد من الفتيات في بلدي"، وفي الوقت نفسه، تظهر استطلاعات الرأي المختلفة أن شريحة أخرى من النساء السعوديات ما زلن يدعمن بشدة لباس النساء المحافظ والفصل بين الجنسين في الأماكن العامة.

حقوق المرأة السعودية

ولم تبدأ إصلاحات حقوق المرأة في المملكة مع الملك "سلمان" وابنه، فقد حدث التغيير الكبير الأول عام 1955، عندما تم إنشاء أول مدرسة للبنات، وفي عام 1970، تم افتتاح أول جامعة للنساء في المملكة، وهي كلية الرياض للتربية.

ورغم ذلك، كان التقدم التدريجي الذي تم إحرازه في القرن العشرين في مجال حقوق المرأة ضئيلا، وبصرف النظر عن الوصول إلى التعليم، فقد تم حرمان النساء من معظم الحقوق الاجتماعية والسياسية والقانونية، وتم إدخال بعض الإصلاحات "الجنسانية" المهمة، ولكنها كانت محدودة، خلال عهد الملك "عبدالله"، ما زاد من حقوق المرأة السياسية والاقتصادية وعزز من وصولها إلى التعليم العالي، وحصلت النساء على بطاقات هوية وطنية لأول مرة عام 2001، وتم تعيين أول نائبة وزير من النساء في عام 2009.

ومع ذلك، في عام 2015، عندما بدأ الملك "سلمان" حكمه، كانت الحقوق القانونية والاجتماعية للمرأة السعودية متخلفة عن العديد من دول الشرق الأوسط. وعلى الرغم من هذه الإصلاحات التدريجية وغير المتكافئة، حققت المرأة السعودية مستويات عالية من التعليم والوعي الاجتماعي، مع إتقان القراءة والكتابة لدى أكثر من 90% من الشابات، وتجاوزت النساء الرجال في معدلات الالتحاق بالجامعة. ورغم ذلك، استمرت معاملة النساء كقاصرات قانونيا، وخضعن لوصاية على حياتهن من قبل أولياء أمورهن من الذكور، ونتيجة لذلك، واجه النظام الحاكم السعودي انتقادات دولية قوية للتمييز ضد المرأة واضطهادها.

إصلاحات "بن سلمان"

وتُعد الإصلاحات الاجتماعية والثقافية التي تقلل من التمييز بين الجنسين جزءا من استراتيجية التنمية طويلة الأجل التي يتبعها "بن سلمان"، المعروفة باسم "رؤية 2030".

وبموجب هذا البرنامج الذي بدأه عام 2016، تم منح المرأة الحق في قيادة السيارات في يونيو/حزيران 2018، وقد تم اعتبار هذا بالنسبة إلى العديد من النساء إنجازا كبيرا.

وبالنسبة إلى شريحة كبيرة من النساء السعوديات، لم يضع هذا الإصلاح حدا للتمييز الاجتماعي غير العادل فحسب، بل وفر الفرصة للمرأة السعودية لأجل المشاركة في الأنشطة التجارية وقبول فرص العمل، وبموجب حظر القيادة، اضطرت بعض النساء في السابق إلى التخلي عن فرص العمل لأن التنقل بسيارة أجرة أو سائق خاص كان مكلفا للغاية.

وبالنسبة للعديد من النساء السعوديات، كان الحق في قيادة السيارات هو التغيير الأضخم، لأنه يؤثر على حياة جميع طبقات النساء.

ومن الناحية الاقتصادية، طورت الإصلاحات قطاع الصناعات السعودية، وخلقت المزيد من فرص العمل للسعوديين، واتخذت الحكومة السعودية بعض الخطوات لتحسين بيئة العمل للمرأة، وخلق المزيد من فرص العمل، ففي يناير/كانون الثاني 2019، أعلنت المملكة عن مبادرة لمنح المرأة أجرا مساويا للرجل حال قيامهما بنفس العمل.

وتشكل النساء نحو 20% من القوة العاملة السعودية، لكنهن يحصلن على ما نسبته 54% من أجر الرجال مقابل عملٍ مماثل، لذلك فإن المساواة في الأجر تعد تحسنا كبيرا.

وقد تم تصميم المكونات الأخرى في هذه المبادرة لجعل بيئة العمل أكثر أمانا للمرأة في سياق الأعراف والقيم الإسلامية، وعلى عكس الماضي، لا تتطلب المبادرة الجديدة الفصل التام بين الجنسين في بيئة العمل، وبدلا من ذلك، يتطلب الأمر أن يقوم أرباب العمل الذين لديهم موظفات بتوفير مكتب خاص لأي امرأة تطلب ذلك.

لذلك، لدى الموظفة خيار العمل في مكتب مختلط بين الجنسين أو في حجرة خاصة، وتفرض المبادرة على صاحب العمل التأكد من أن هناك موظفتين على الأقل تعملان في أي مجال من مجالات العمل المختلط بين الجنسين، بحيث لا توجد امرأة بمفردها بين مجموعة من زملاء العمل الذكور.

علاوة على ذلك، فقد جعلت سلسلة من الإصلاحات البيروقراطية حياة النساء أسهل من الناحية القانونية والاقتصادية، من خلال زيادة كفاءة الخدمات الحكومية.

وتم إدخال إصلاح مهم آخر في أغسطس/آب 2019، عندما تم السماح للنساء بالتقدم للحصول على جواز سفر والسفر دون إذن ولي الأمر الذكر.

وقبل هذا الإصلاح، اعتبر القانون المدني السعودي النساء قاصرات قانونيا، لذلك، كانت المرأة السعودية تطلب إذن والدها أو زوجها قبل السفر، وفي ذلك الشهر، تم منح النساء أيضا الحق في التقدم بطلب للحصول على شهادة ميلاد لأطفالهن أو شهادة وفاة لأحد أقربائها المتوفين، وهما حقان قانونيان كانا متاحين فقط للرجال قبل هذا الإصلاح.

وسوف تجعل هذه الخطوات وعدة عناصر أخرى ذات صلة بمبادرة "النساء في مكان العمل" بيئة العمل أكثر قبولا من النساء، وكذلك من أقاربهن الذكور أيضا.

نتيجة لذلك، من المحتمل أن تسمح المزيد من الأسر للشابات بالعمل، وتخطط الحكومة لرفع نسبة النساء في القوى العاملة إلى 30% بحلول عام 2030.

وفي خطوة أخرى نحو تحقيق هذا الهدف، تقوم الحكومة السعودية بتشجيع المجمعات الصناعية ومناطق العمل الخاصة بالنساء فقط، والتي ستجذب المزيد من النساء المحافظات اللاتي يفضلن بيئة عمل منفصلة.

المخاطر ونقاط الضعف

وأدخلت الحكومة السعودية إصلاحات حقوق المرأة في ظل بيئة سلطوية أسس لها "بن سلمان" لا يمكن فيها التعبير عن الرأي العام بحرية، وفي مثل هذه البيئة، قد تواجه هذه الإصلاحات عددا من المخاطر التي لا ينبغي إهمالها.

أولا، توجد دلائل كثيرة على أن انقسام الرأي العام السعودي بشأن هذه الإصلاحات، وفي حين أن هناك دعما قويا من الأغلبية لحق المرأة في العمل والتعليم، أظهر استطلاع للرأي عام 2013 أنه فيما يتعلق ببعض قضايا حقوق المرأة، مثل الحق في القيادة، عارضت غالبية النساء رفع الحظر.

ويبقى الرأي العام مهما، حتى عندما لا يمكن التعبير عنه علانية، فإذا بقيت شريحة كبيرة من المجتمع متشككة بشأن قانون جديد أو سياسة اجتماعية مفروضة من الأعلى، فقد لا تتمكن المرأة من الاستفادة منها بسبب المعايير الاجتماعية والأسرية.

وبالتالي، يجب على الحكومة السعودية الانتباه إلى الرأي العام ومحاولة كسب دعم شعبي لهذه الإصلاحات من خلال حملات التعليم والإعلام.

ثانيا، نظرا لأن هذه الإصلاحات ترتبط ارتباطا وثيقا بـ"محمد بن سلمان"، فقد يرتبط نجاحها واستدامتها بسلطته السياسية ومدة حكمه، وإذا فقد بعض سلطاته السياسية الهائلة، فقد تعكس الفصائل الأكثر محافظة في العائلة المالكة السعودية بعض هذه الإصلاحات.

وهذا أمر مهم، لأنه وفقا لتقرير إخباري حديث، فإن عددا متزايدا من أفراد العائلة المالكة ونخبة رجال الأعمال يعارضون قيادة وسياسات "بن سلمان"، وتركز هذه المعارضة في المقام الأول على مبادرات السياسة الخارجية لـ"بن سلمان"، مثل حرب اليمن، وأزمة قطر، والحرب بالوكالة المتصاعدة مع إيران.

علاوة على ذلك، قد يرتفع صوت رجال الدين المحافظين، والحركات الإسلامية، الذين تم إسكاتهم بالقوة من قبل النظام السعودي.

ومع ذلك، حتى لو كانت هناك أي مقاومة أو محاولة لإبطاء إجراء مزيد من الإصلاحات في مجال حقوق المرأة، فإن ما تم تحقيقه في الأعوام الثلاثة الماضية يبقى مهما للغاية.

ويمكن للحكومة السعودية أن تقلل من هشاشة هذه الإصلاحات من خلال توفير مساحة أكبر للنقاش العام حولها، وبذل جهد قوي لتغيير أذهان المتشككين والمعارضين، بدلا من فرضها كقرارات ملكية من الأعلى، خلاف ذلك، سوف يصور المشككون الإصلاحات على أنها أعراف غربية مفروضة، والتي قد تقوض القيم الإسلامية للمجتمع السعودي.

المصدر | نادر حبيبي وليديا بيغاغ - إنترناشيونال بوليسي دايجست