السبت 26 أكتوبر 2019 08:02 ص

فجر جديد!

فجوة الثقة بين الشعب والطبقة السياسية باتت مقلقة إذ اتسع الرتق على الراتق.

الشارع قادر على صناعة الفرق بعد أن باءت مقاربة التغيير من فوق بفشل ذريع.

شعوب المشرق العربي تدرك أنها ضحية لسيطرة هويات فرعية أفرزت نخبا نهبت البلد وسرقت مقدراته.

الحكومات جزء رئيس من المشكلة وليس الحل ومحاولات الحكومات للإصلاح جاءت لحفاظ مصالح نخب فاسدة تسيطر على مفاصل الدول.

*     *     *

ثمة ما يشير إلى أن هناك استفاقة شعبية في منطقة المشرق العربي بعد أن استبطنت هذه الشعوب أمرين:

أولا، الحكومات جزء رئيسي من المشكلة وليست جزءا من الحل. فمحاولات الإصلاح التي بذلتها هذه الحكومات جاءت ضمن سياق استباقي للحفاظ على مصالح النخب الفاسدة والمسيطرة على مفاصل هذه الدول.

ثانيا، الشارع قادر على صناعة الفرق وبخاصة وبعد أن باءت مقاربة التغيير من فوق بفشل ذريع.

التحول الأهم بتقديري هو أن سياسة إذكاء الهويات الفرعية لمنع تبلور تحالفات وطنية عابرة لهذه الفئات بدأت تفشل. فالشارع العراقي الذي خرج موحدا ضد الفساد لم يأبه للمحاصصة الطائفية والهويات المذهبية، ويشعر الشعب بأن هذه الطريقة في الحكم إنما تمس الجميع.

في لبنان يمكن قول الشيء ذاته، فالنظام السياسي القائم على مبدأ المحاصصة الطائفية والذي استفاد منه فقط زعماء الطوائف والمذاهب دون أن يكون لذلك عوائد إيجابية على الشعب.

لبنان له تجربة مختلفة، فهذا البلد دخل حربا أهلية في العام 1975 وكان اللبنانيون يقتلون بعضهم البعض على الهوية الأمر الذي رسخ في وجدانهم الهويات المذهبية السلبية. وللأسف كان خوف اللبنانيين من بعضهم البعض أكثر من خوفهم من التهديد الإسرائيلي الماثل دوما.

وساهم في قتامة المشهد التدخلات الإقليمية ورعايتها لرموز هذه الطائفة أو تلك. غير أن ما يجري الآن يبشر بفجر جديد عنوانه الهوية اللبنانية الجامعة التي تتجاوز التقسيمات التاريخية.

وبالفعل بات استحضار الفزاعات المذهبية غير مؤثر، لأنه لأول مرة في تاريخ لبنان الحديث يخرج اللبنانيون على مختلف مشاربهم المذهبية والسياسية التي تتباعد في المفاهيم والتقول حول مسألة واحدة وهو محاربة الفساد والطبقة السياسية المسؤولة بشكل مباشر عن حالة التردي في لبنان.

فجوة الثقة بين الشعب اللبناني والطبقة السياسية باتت مقلقة إذ اتسع الرتق على الراتق. فالحكومة اللبنانية غير قادرة على مواجهة ملفات الفساد في وقت بدت فيه عاجزة عن اقناع الشارع اللبناني بالإجراءات التي اقترحها سعد الحريري.

وفي الوقت ذاته، لم تفلح قوى الوضع الراهن في كسر إرادة الشارع اللبناني وبخاصة بعد أن انحاز الجيش له ما يعني أن موازين القوى أصبحت لصالح الشارع اللبناني.

لا نعرف على وجه التحديد كيف ستنتهي الأزمة اللبنانية ولا العراقية، فالنخب الحاكمة والفاسدة لن تسلم بسهولة، لكن ما نعرفه جيدا أن أدوات الحكم البالية لم تعد صالحة لإدارة البلاد والعباد في القرن الحادي والعشرين. فهذه الأدوات خلقت قطيعة مع شارع بات رافضا للأمر القائم.

اللافت أن سمات هذا الشارع مختلفة عما كان عليه الأمر في السابق، فالشارع يمتاز بوعي سياسي كبير ولم تعد الطبقة السياسية قادرة على تضليله أو خلط الأوراق كما كان يحدث في السابق. والأهم أن هناك إحساسا لدى الشارع بأنه قادر على إحداث التغيير المطلوب.

كما انتفض الشعب اللبناني الذي تحول بقدرة قادرة إلى ضحية المحاصصة الطائفية، فإن الشعوب في المشرق العربي بدأت تدرك أنها أيضا ضحية لسيطرة الهويات الفرعية التي أفرزت نخبا لم تقم إلا بنهب البلد وسرقة مقدراته.

وعلى نحو لافت يتضح للجميع أن المحاصصات الطائفية وسيطرة الهويات الفرعية يتناقض مع محاربة الفساد! بمعنى أن تمترس المواطن خلف هويات محلية وفرعية ومذهبية وطائفية لا ينسجم مع دعوته إلى الحكم الرشيد والعدالة الاجتماعية ومحاربة الفساد وإعادة ما نهب من مقدرات.

وعليه فإن شعوب دول المشرق العربي وصلت إلى مفترق طرق ويبدو أنها اختارت أو في طريقها لاختيار استعادة الدولة وهذا لن يتم إلا إذا أسقط الورقة الطائفية لصالح الهوية الوطنية الجامعة.

* د. حسن البراري أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الأردنية

المصدر | الغد الأردنية