الاثنين 4 نوفمبر 2019 03:07 م

في نهاية الأسبوع الماضي، استقال رئيس الوزراء اللبناني "سعد الحريري" بعد أسابيع من الاحتجاجات ضد الفساد، ما دفع البلاد إلى مرحلة جديدة من عدم اليقين السياسي.

وحتى في ظل ظروف أكثر ملاءمة، لا يزال الإجماع بعيد المنال في السياسة اللبنانية، واستغرق رئيس الوزراء نحو 9 أشهر لتشكيل حكومة الوحدة الوطنية التي انهارت مؤخرا، لكن حتى هذه العملية كانت سريعة مقارنة بالعامين ونصف العام التي استغرقها انتخاب الرئيس "ميشال عون"، بعيدا عن الحديث عن الميزانية التي استغرقت 12 عاما لوضعها.

ويكفي أن نقول إن وجود مصادر جديدة للصراعات يُتوقع أن يزيد من تعقيد حالة الجمود السياسي في البلاد، وهذه المرة، لا يوجد حل في الأفق.

صراع النفوذ

وأصبح لبنان منذ فترة طويلة مرادفا للتنوع، بصورته الأفضل، حيث الوئام الاجتماعي المثالي، وصورته الأسوأ، حيث الحرب الأهلية التي دامت 15 عاما.

وفيما يتعلق بسياسة البلد، فهناك مصادر داخلية للتنوع، حيث تختلف التقاليد الدينية والثقافية والتاريخية بين العديد من المذاهب والطوائف والأديان، التي تتعاون جميعها وتتنافس في الساحة السياسية، وكل ذلك في ظل ماضٍ عنيف لا تزال رائحته في الأنوف.

وتوجد أيضا تأثيرات خارجية تزيد من هذا التعقيد حيث تعمل قوى أجنبية مثل السعودية وإيران على التأثير في السياسة اللبنانية من خلال وكلائها المحليين، وأدت هذه المصالح العدائية، الداخلية والخارجية، إلى ظهور تحديات كبيرة في الحكم في فترة ما بعد الحرب الأهلية، وفي ظل غياب سياسة سليمة، تم ترك الاقتصاد للانهيار.

ويبدو أن الاحتجاجات الجديدة تتجاوز الخطوط الطائفية الطبيعية للتركيز على مسائل الحكم وجودة حياة الطبقة الوسطى.

ومثل حالة تشيلي، تُعتبر الاضطرابات في لبنان مثالا على انفجارٍ مفاجئ يأتي بعد فترة طويلة من التوتر، فعلى الرغم من أن المشكلة التي أثارت الاحتجاجات، وهي فرض ضريبة على مكالمات "واتساب"، تبدو بسيطة مقارنة بالكثير من الأحوال والقرارات السيئة، لكنها كانت "القشة التي قصمت ظهر البعير".

وبمجرد اندلاع الحركة واكتسابها الزخم الوطني، فإن أي تنازل من حكومة "الحريري"، سواء كان عرضه بإلغاء ضريبة "واتساب" أو فرض ضرائب جديدة على القطاع المصرفي، كان متأخرا للغاية. وطالب المتظاهرون باستقالة رئيس الوزراء، واستبداله بشخص يمكنه تجاوز الخطوط الطائفية للسياسة اللبنانية وقيادة عملية تجديدٍ اجتماعي واقتصادي حقيقية.

لكن تحقيق مثل هذه الأهداف سيكون بعيد المنال.

ويعاني الاقتصاد اللبناني من أعوام من الاقتراض وسوء الإدارة، ويبلغ الدين الوطني نحو 150% من الناتج المحلي الإجمالي، وتواجه الحكومة الحالية عجزا لا يقل عن 10%، فيما تذهب قرابة نسبة ميزانيتها لسداد فواتير الديون.

وفي غياب لأي تدفق محتمل للتمويل الخارجي، بسبب ضعف الإقبال على السندات الحكومية، فإن عائدات الحكومة قد تنهار، وهذا بالضبط ما توقعه محافظ البنك المركزي "رياض سلامة" في مقابلة حديثة مع "سي إن إن".

وكانت هذه الصعوبات حاضرة في ذهن الرئيس "ميشال عون" حين طلب أن يبقى "سعد الحريري" في منصبه مؤقتا حتى تؤدي حكومة جديدة اليمين، وهي عملية قد تستغرق أسابيع أو شهورا أو حتى أعواما.

ويلقي هذا الطلب المزيد من الوقود على نيران الاحتجاج، لكن خيارات "عون" محدودة، فمنصب رئيس الوزراء يذهب دائما إلى مسلمٍ سني، فيما يكون الرئيس مسيحيا، ورئيس البرلمان من المسلمين الشيعة، ولا توجد الكثير من البدائل الآن في هذه الأجنحة.

وضعفت شعبية "الحريري" الشخصية بشكل كبير خلال انتخابات عام 2018، التي شهدت خسارة حركة "المستقبل" الخاصة به لثلاثة عشر مقعدا.

وعلى الجانب الآخر من الانقسام السياسي، وسّع "حزب الله" حصته البرلمانية، حيث حصل على أعلى نسبة من الأصوات العامة، واستفاد من أداء قوي من حركة "أمل"، حليفه الشيعي.

ويسيطر "حزب الله" و"حركة أمل" على 13 و16 مقعدا في البرلمان على التوالي، في حين يسيطر "الحريري" على 20 مقعدا، وهناك حاجة إلى ما مجموعه 65 مقعدا لضمان الأغلبية اللأزمة لتشكيل الحكومة.

توقعات

وفي ظل الحسابات السياسية العادية، ستمثل هذه الاحتجاجات فرصة لـ"حزب الله" وحلفائه لطرح سياسي سني حليف، ومحاولة تشكيل حكومة جديدة.

لكن لبنان ليس دولة طبيعية، وبدلا من ذلك، تشكل الاحتجاجات تهديدا وجوديا للحركة الشيعية، وقد ساعد اتفاق الطائف عام 1989 على تسهيل توطيد القوة العسكرية والسياسية لـ "حزب الله" كدولة داخل الدولة، ويخشى الحزب أن الاحتجاجات ربما تهدد هذا الوضع. 

ونتيجة لذلك، فإن الحركة أرسلت قواتها شبه العسكرية إلى مخيمات الاحتجاج في بيروت لتفريق المتظاهرين بالعنف والترهيب.

ويدعو المحتجون إلى نوع جديد من السياسة، يتخطى الانقسامات الطائفية والمكائد الإقليمية، وإذا نجحوا في تحقيق مطالبهم، فسيؤدي ذلك إلى إسقاط الأجندة الجيوسياسية لـ"حزب الله" وإيران.

وتتراجع شعبية "الحريري" على نطاقٍ واسع في حين لا يوجد بدائل واضحة لخلافته، وفي الوقت نفسه، فإن حركة الاحتجاج كبيرة، وبلا قيادة، ولديها دوافع كافية للبقاء، وفي هذا المشهد، تجتمع جميع مكونات الأزمات السياسية المطولة، وكما هو الحال في أي شيء يحدث في لبنان، سيتردد صدى الأحداث في أركان معركة النفوذ في الشرق الأوسط.

ومع الوضع في الاعتبار أن "حزب الله" نفسه يسيطر على قوات شبه عسكرية يتراوح عددها من 20 إلى 30 ألفا، ما يجعله أكثر من مجرد ند للقوات المسلحة الوطنية، فإن الحزب لديه من الوسائل العنيفة للسيطرة على الأحداث الجارية وقمع الاحتجاجات القوة، لكن ذلك يمكن أن يؤدي إلى سباق تسلح جديد بين الفصائل المختلفة في لبنان ويهدد بتجدد الاحتراب الأهلي.

وفي هذا الصدد، ستكون القوى الخارجية سعيدة للغاية بتوفير الأسلحة للمتحاربين، وستكون الأحداث خلال الأسابيع القليلة القادمة حرجة، لكن المخاطر بلغت ذروتها بالفعل.

المصدر | أوراسيا ريفيو - ترجمة الخليج الجديد