الأربعاء 6 نوفمبر 2019 08:15 م

من العراق إلى لبنان، اشتعلت النار في إمبراطورية إيران التي حققتها بشق الأنفس. ومع انتشار الاحتجاجات كالنار في الهشيم، مهددة حلفاء الجمهورية الإسلامية ووكلائها، يواجه المرشد الأعلى الإيراني؛ "علي خامنئي"، معضلة. فإما تستخدم إيران، التي هي نفسها خاضعة لعقوبات اقتصادية أمريكية شديدة، مواردها النادرة لتحقيق الاستقرار لدى الحلفاء والوكلاء في المنطقة، وبالتالي المخاطرة بظروف أسوأ واضطرابات اجتماعية داخل إيران، أو ترك تلك الموارد للقضايا الداخلية الخاصة بها، والمخاطرة بإغضاب فيلق الحرس الثوري الإسلامي، الذي يعتمد بقاء "خامنئي" على دعمه.

وتظهر البيانات التي أدلى بها قادة الحرس الثوري الإيراني تفضيلهم دعم حلفائهم ووكلائهم. وتشير تعليقات "خامنئي" الأولى حول هذا الموضوع إلى أنه يميل لجعل نفسه على نفس الصف مع الحرس الثوري. ويبدو أنه يعيد تحديد دور الجيش الإيراني النظامي للتكيف مع بيئة التهديد المتغيرة. ولكن ربما يهدف "خامنئي" أيضا إلى تقليل اعتماد نظامه على الحرس الثوري.

وبصرف النظر عن جهود "خامنئي"، فإنه يواجه الآن التداعيات السلبية للجهود الإمبريالية الإيرانية التي تدفع طهران نحو الانهيار الاقتصادي.

إيران تحت النار

وفي العراق، بدأت المظاهرات في الأول من أكتوبر/تشرين الأول، احتجاجا على الفساد والبطالة. لكنها تصاعدت إلى دعوات للإطاحة بالحكومة ووقف التدخل الإيراني في الشؤون العراقية الداخلية. ولم تفلح وعود الحكومة بتوظيف المزيد من المواطنين، أو محاولات شن حملة قمع ضد المتظاهرين في إجبار الناس على مغادرة الشوارع.

وبدأت الاحتجاجات في لبنان في 17 أكتوبر/تشرين الأول، بعد عدة أشهر من عدم الرضا العام عن ميزانية التقشف التي وضعها رئيس الوزراء "سعد الحريري"، واشتعلت بعد اقتراح الحكومة بفرض ضريبة على خدمة الرسائل الصوتية والمراسلة "واتساب". وعلى عكس رغبات حزب الله اللبناني، أعلن "الحريري" استقالته في خطاب متلفز في 29 أكتوبر/تشرين الأول. ومع ذلك، تستمر الاحتجاجات، وهناك تقارير عن اشتباكات بين مؤيدي "حزب الله" والمتظاهرين.

وتسبب هذه التطورات قلقا كبيرا في الجمهورية الإسلامية، التي لا تخشى فقط من محنة حلفائها ووكلائها في العراق ولبنان، ولكن أيضا من انتشار الاحتجاجات إلى إيران نفسها، التي شهدت احتجاجاتٍ عامة على مستوى البلاد في ديسمبر/كانون الأول 2017، ويناير/كانون الثاني عام 2018.

ويتهم قادة الحرس الثوري الإيراني القوى الأجنبية بالوقوف وراء الاحتجاجات. وفي 27 أكتوبر/تشرين الأول، أعلن العميد "إسماعيل كوثري"، نائب رئيس مقر قيادة الحرس الثوري الإيراني المكلف بحماية الأمن الداخلي: "في لبنان والعراق، يملك الناس مطالب مشروعة، لكن المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة والنظام الصهيوني لديهم وكلاء بين المتظاهرين يحرفون تلك المطالب".

وعلى نفس المنوال، شبَّه "حسين أمير عبد الله"، مساعد الشؤون الدولية لرئيس البرلمان "علي لاريجاني"، في 29 أكتوبر/تشرين الأول ما يحدث في لبنان والعراق بالحرب الأهلية في اليمن، واتهم الولايات المتحدة والسعودية بممارسة "الإرهاب السياسي".

وحذر "حسن هاني زادة"، وهو محلل سياسي نقلت عنه وكالة "فارس" للأنباء التي تتحدث بلسان حال الحرس الثوري الإيراني، في 30 أكتوبر/تشرين الأول، من التآمر على" محور المقاومة"، في إشارة إلى حلفاء الجمهورية الإسلامية في لبنان والعراق وسوريا. كما ادعى "زاده" أن "أيدي عناصر نظام البعث والحركات الشيعية التي تعتمد على السفارة الأمريكية في بغداد واضحة تماما في المظاهرات والتجمعات الأخيرة في العراق".

ولا تختلف تصريحات "خامنئي" الأولى حول الموضوع عن تصريحات قادة الحرس الثوري الإيراني والمتحدثين باسمه. وفي كلمته أمام أكاديمية ضباط قوات الدفاع الجوي، في 30 أكتوبر/تشرين الأول، حث خامنئي أولئك الذين يهتمون بالعراق ولبنان على "علاج انعدام الأمن". وأضاف: "يجب أن يعلم سكان هذه البلدان أن العدو يحاول خلق فراغ سياسي عن طريق تعطيل الهياكل القانونية. ويبقى الطريق الوحيد أمام الناس لتحقيق مطالبهم المشروعة من خلال متابعتها داخل الهياكل القانونية".

وعلق "خامنئي" أيضا على تجارب إيران الخاصة مع الاحتجاجات السياسية، قائلا: "كان لدى الأعداء نوايا مماثلة لإيران، لكن لحسن الحظ، كانت الأمة يقظة في الوقت المناسب. وكانت القوات المسلحة، أيضا مستعدة وتم تحييد المؤامرة". وأخيرا، تحدث "خامنئي" عن" المهمة الخاصة للقوات المسلحة"، مؤكدا أنها "يجب أن تكون حذرة من الفتنة، ويجب أن يكون لديها الموقف اللازم والاستعداد لمواجهتها، لأن الفتنة أكبر من القتل".

دور جديد

ومن غير الواضح ما إذا كان كبار المسؤولين هؤلاء يعتقدون فعلا في نظريات المؤامرة الخاصة بهم حول القوى الأجنبية التي تحرض على الاضطرابات في الشرق الأوسط، أو أن نظريات المؤامرة تخدم فقط أغراضهم الدعائية. لكن على وجه الخصوص، تشير إشارة "خامنئي" إلى استعداد "القوات المسلحة" للقتال ضد "الفتنة" إلى دور جديد للجيش الإيراني النظامي في الداخل والخارج.

وتتألف القوات المسلحة لجمهورية إيران الإسلامية من الجيش والحرس الثوري الإيراني وقوة إنفاذ القانون (الشرطة). وفي تاريخها البالغ 40 عاما، لم تستخدم إيران الجيش أبدا لقمع المعارضين السياسيين في الداخل. ولعب الجيش دورا بسيطا في التدخل العسكري الإيراني في الحرب في سوريا. ولعبت الشرطة أيضا، حتى ديسمبر/كانون الأول 2017 على الأقل، دورا محدودا للغاية في قمع المعارضة الداخلية. وأمّن الحرس الثوري الإيراني، وليس الجيش أو الشرطة، بقاء النظام في مواجهة المعارضة الداخلية، وكان بمثابة الذراع القوي للنظام في العمليات العسكرية في الخارج.

وتتطلب الأوقات الاستثنائية اتخاذ تدابير استثنائية. وقد تعكس تصريحات "خامنئي" استعداده لكسر احتكار الحرس الثوري الإيراني لقمع المعارضة في الداخل، وربما حتى احتكار الحرس الثوري الإيراني للعمل خارج حدود إيران.

وقد لا يحب الحرس الثوري الإيراني كسر احتكاراته، لكن تحت الضغوط المحلية والدولية المتزايدة، قد يستفيد من القوة البشرية المضافة التي يوفرها الجيش.

ولكن هناك قيود اقتصادية على هذه النوايا. ووفقا لتقديرات إسرائيلية، فإن تورط إيران لمدة 7 أعوام في الحرب في سوريا قد كلف إيران 16 مليار دولار. ومع الأخذ في الاعتبار الظروف الاقتصادية المتدهورة في إيران في أعقاب "حملة أقصى ضغط" من الولايات المتحدة، يبرز السؤال حول إمكانية تحمل الجمهورية الإسلامية نفقات الدخول في صراعات جديدة في العراق أو لبنان. فبعد كل شيء، كل دولار تنفقه كل دولار تنفقه إيران على إطفاء حرائق الاحتجاجات في العراق ولبنان يُنقص من الموارد النادرة اللازمة لإدارة الوضع الداخلي لدى إيران نفسها.

ومع ذلك، قد تختار طهران الموارد الشحيحة في الخارج، وتخاطر بعدم الاستقرار في الداخل. ويشار إلى أن اللواء "قاسم سليماني"، قائد الحرس الثوري الإيراني، يبذل جهدا نشطا لمنع الإطاحة برئيس وزراء العراق، وهو يدعم بلا شك الأمين العام لحزب الله "حسن نصر الله".

وفي كتابه عن انهيار الاتحاد السوفيتي، يناقش "إيجور جيدار"، وهو خبير اقتصادي روسي، كيف تبنت القيادة السوفيتية سياسة تتجاهل بفعالية مشكلة انهيار أسعار النفط الخام في الثمانينيات، بدلا من معالجتها بتفكيك إمبراطورية أوروبا الشرقية أو تنفيذ إصلاحات جذرية في النظام بتخفيض الإنفاق على المجمع الصناعي العسكري، الأمر الذي سبب الكثير من الخلافات بين الحزب الشيوعي والجيش. ويبدو أن "خامنئي"، مثله مثل القيادة السوفيتية السابقة، اختار فعليا تجاهل المشاكل الاقتصادية الإيرانية، ويخاطر بأن يطال نظامه نفس مصير الاتحاد السوفيتي.

المصدر | ترجمة الخليج الجديد