السبت 11 يوليو 2015 12:07 ص

شهدت الأشهر الأخيرة زيادة في أعداد العمليات الإرهابية في الضفة الغربية، وفي عدد إحباط محاولات أخرى. واطلع رئيس جهاز الشاباك الأسبوع الماضي لجنة الخارجية والأمن التابعة للكنيست، أنه من العام 2012 تم سنويا تسجيل زيادة بنسبة 50 بالمئة في العمليات الإرهابية الشعبية (683 عملية خلال العام 2012 مقابل 1834 عملية مقابل العام 2014)، فيما حدثت القفزة الملموسة جدا خلال عملية الجرف الصامد. بالإضافة إلى أنه في العام 2014 تم إحباط 130 عملية لخلايا إرهابيــة (معظمها ينتمي لحماس)، بينما في العام 2015 (لغاية يوليو) تم إحباط 60 عملية إرهابية.

معظم العمليات، التي لم يتم إحباطها، من الممكن تسميتها كـ«إرهاب شعبي». والتي قام بها منفذون منفردون بطرق متنوعة (إطلاق نار، زجاجات حارقة، محاولات دهس وطعن) في مناطق جغرافية مختلفة. هذه البيانات تستند الى التقدير، أن الإرهاب البنيوي والمنظم يتم إحباطه في معظم الحالات. ومن ناحية أخرى، فإن حادثتي إطلاق النار التي وقعت مؤخرا في منطقة رام الله تبدو عمليات منظمة، تم القيام بها من قبل خلية إرهابية، على ما يبدو تابعة لحماس.

العدد الأكبر من العمليات المنفردة يشير إلى وجود دافع للقيام بالعملية، وتم القيام بها من قبل أشخاص، لا علاقة لهم بأي تنظيم أو كمجموعة متطرفة منتظمة. هذا الدافع يدمج ما بين الجو العام السائد، ورؤية الحافز الشخصي. العمل الإرهابي، عندما يتم الحديث عن معدلات كبرى وإجراءاتها لا نراها، ولا يمكنه أن يفسر على أنه عمل يائس أو احباط لأفراد، بل كظاهرة اجتماعية سياسية، تتسع بغطاء اجتماعي شرعي واسع، حيث يحظى المنفذون بالمكافأة الشخصية الرمزية.

هذا بالاضافة إلى المكافأة المادية /المالية، والذي تصل لهم مباشرة أو لأبناء عائلاتهم. على الرغم من أن الجمهور الفلسيطيني في الضفة مهتم تحديدا في السعي إلى المكسب الاقتصادي، إلا أنه متشائم نسبيا في كل ما يتعلق بمشاركة فاعلة في أعمال الإرهاب، في المظاهرات أو أعمال الشغب، ويتحفظ من مواجهة ممكنة مع إسرائيل. ولكن لا يمكننا أن نستنتج من ذلك، أن نفس هذا الجمهور لا يدعم العمليات، وبالتأكيد فهو لا يتحفظ منها بشكل جارف وواسع.

الأمر يدفعنا لأن نفكر، أن شهر رمضان هو عنصر محفز لموجة العمليات الأخيرة، فيما يشبه العمليات التي تم تسجيلها في الفترة المقابلة من العام الماضي. شهر رمضان، الذي يشعر به معظم المسلمين بالتقرب من القنوات الدينية، من شأنه بالتأكيد أن تبين كعامل محفز. حيث ينساق الكثيرون منهم خلاله بصورة مكثفة بشكل خاص إلى استجابة للخطب دينية، والتي من بينها تحريض واضح ضد إسرائيل، إلى جانب تشجيع  الأوساط باسم الدين وأيضا باسم الوطن.

بالاضافة، إلى أنه من الممكن أن نفسر الظاهرة  بتأثير الأحداث الدائرة في العالم العربي وبالأفكار المتطرفة في المنطقة، التي يتم نشرها عبر شبكات التواصل الاجتماعي ومواقع الانترنت. لذلك ينضم كذلك التحريض الممنهج بوسائل الإعلام الفلسطينية وفي الخطاب العام، التي تتم بمعظمها بتجاهل من جانب السلطة الفلسطينيىة، ولكن أحيانا تتم أيضا من قبل مسؤوليها، كل ذلك يشكل أرضية من الأجواء والتهيئة النفسية، التي تبث أجواء من المعارضة الوطنية والدينية وتشجع القيام بالعمليات.

من المهم الإشارة، إلى أن العمليات تتم على الرغم من الجهود والتصميم من قبل الأجهزة الأمنية في السلطة الفلسطينية، لمنع موجة الإرهاب في الضفة الغربية ولتفكيك الخلايا الإرهابية وتنظيماتها، خاصة حماس. كما أنه من المهم لرئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس أن يثبت، انه يسيطر على المناطق التي تقع تحت سلطته وأنه مصمم على محاربة الإرهاب: عباس قال بوضوح، أن الإرهاب لا يخدم المصالح الفلسطينية ويمس بصورة السلطة وبصورته هو شخصيا كشريك في العملية السلمية، التي تهدف الى إقامة دولة فلسطينية.

لكن، السلطة تقوم بـ«دور مزدوج»، فإلى جانب الجهود التي تبذلها لاحباط الخلايا الارهابية لحماس والحفاظ على استمرار التعاون الأمني مع إسرائيل، فإن السلطة تعمل بقوة ضد اسرائيل على الساحة الدولية، اللعبة المزدوجة للسلطة تم التعبير عنها ايضا في مساعيها لاحباط التفاهمات بين حماس وإسرائيل حول موضوع إعمار قطاع غزة، وفي منع تحويل الأموال إلى القطاع من خلال المس بالاحتياجات الحيوية للسكان الغزيين.

أعمال اسرائيل في قطاع غزة ينظر اليها من قبل السلطة الفلسطينية وكذلك من قبل الجمهور الفلسطيني كمحاولة لإضعاف السلطة الفلسطينية والرئيس عباس. هذا التفسير للتصرفات الاسرائيلية يعزز في اوساط الجمهور الفلسطيني الشعور بأن، العنف يجلب انجازات فعلية في محاربة اسرائيل، وعليه فهي تعزز المعسكر الفلسطيني المتطرف، الذي يلتحق به اولئك الذين يئسوا من ان تحدث السلطة الفلسطينية تغييرا فعليا في اوضاع السكان.

وحماس من جانبها، فهي ايضا تلعب “اللعبة المزدوجة”، فهي تظهر قدرة للتصرف بناء على منطقين في  العمل مختلفين وحتى متناقضين، من خلال التمييز بين ساحة غزة، وساحة الضفة. فعلى ساحة غزة تعمل حماس على كبح التنظيمات السلفية وتحاول تحقيق تفاهمات مع اسرائيل بغرض تحريك عملية إعمار قطاع غزة.

ولأجل ذلك فإن حماس على استعداد لان تتعهد بوقف نار طويل الامد. وفي المقابل، فإن حماس تستغل ما يبدو كفرصة استراتيجية، في إطار الحرب على الهيمنة على الساحة الفلسطينية، ولاحراج عباس، ولاضعاف السلطة ولتسريع تفككها لكي ترثها، حماس حريصة على تعزيز صورتها كتنظيم مقاومة يقود راية النضال العنيف ضد إسرائيل، ومن أجل تضييق التوتر بين سلوكها في قطاع غزة وصورة النضال العنيف، فهي تشجع الاعمال الارهابية في الضفة الغربية وتعمل على توسيع وتعزيز الخلايا الارهابية في المنطقة.

في هذا الاطار، فإن حماس تدفع ليس فقط بإتجاه الاعمال الفردية بل ايضا الارهاب الذي يتم من قبل خلايا منظمة، والموجه من قبل قيادة التنظيم في اسطنبول بتركيا. وفقا لتقديرات جزء من المختصين، وبنظرة على المدى البعيد، فانه ليس بمقدور اجهزة الامن التابعة للسلطة الفلسطينية منع الفوضى، التي من الممكن ان تنشب اذا سفرت الزيادة في موجة الاعمال الارهابية عن نتيجة – خاصة بعد تسلل افكار تنظيمات متطرفة الى الضفة -  وخصوصا في وقف سيطرة حماس على المنطقة، بدون حضور ونشاط الامني الاسرائيلي السائد في المنطقة.

مؤخرا تسعى اسرائيل الى تحسين الوضع الاقتصادي في الضفة الغربية وتحسين نمط حياة السكان الفلسطينيين. فقد زادت اسرائيل وبصورة ملموسة من اعداد تصاريح العمل في داخلها (حوالي 100 الف عامل يعملون في اسرائيل بموجب تصاريح)، كما قلصت عدد الحواجز في مناطق الضفة الغربية، وسمحت لحافلات فلسطينية بتقل العمال الى داخل اسرائيل، وحسنت من البنى التحتية للمعابر وترتيبات العبور بصورة تقلل بشكل ملموس من ساعات الانتظار، كما سمحت بتسهيلات فعلية على دخول السكان الى الحرم القدسي.

مع ذلك، فإن نشوب انتفاضتين دلل، ان التحسين على الواقع الاقتصادي ليس هو بالضرورة العنصر الذي يمنع التصعيد والعنف. في هذه المرحلة لا يدور الحديث عن انتفاضة، ولكن الزيادة في العمليات تدلل مرة اخرى ان التسهيلات لا تضمن هدوءا امنيا. درس اضافي، يستند الى تجربة الماضي، وهو، ان تشديد القبضة على السكان الفلسطينيين والمس بمعيشتهم ونمط حياة الكثيرين، الذين لا يشاركون في الاعمال،  لا يؤدي الى تحسين الواقع الامني، بل  هي ايضا تحرض الرأي العام العالمي على اسرائيل.

مغزى هذا الحديث هو، ان اسرائيل توجد في فخ في كل ما يتعلق بصندوق الادوات الذي تستخدمه بهدف تهدئة الساحة والحفاظ على الوضع القائم، وحسب رأينا فعلى اسرائيل ان تمتنع من اتخاذ خطوات استثنائية بإلغاء التسهيلات، التي اتخذتها مؤخرا. او فرض تقييدات على حرية الحركة للسكان الفلسطينيين، حتى ولو تم تبرير ذلك من قبل الجهات الامنية الاسرائيلية كضرورة امنية، فسوف ينظر اليها كعقاب جماعي وكرد غير محسوب.

كما هو الحال لدى السلطة الفلسطينية وحماس فإن اسرائيل تقوم باللعبة المزدوجة في سياستها التفريقية بين قطاع غزة وبين الضفة الغربية. في حين تحاول اسرائيل بالنسبة لقطاع غزة ان تحرز تقدما في جهود إعادة الاعمار مقابل هدنة طويلة الامد، ومن اجل ذلك هي على استعداد لوضع اسس لتفاهمات مع حماس عبر الحوار غير المباشر، وفي الضفة، فهي تعمل ضد خلايا حماس وبقوة وتصميم كبيرين.

إسرائيل متهمة ايضا بممارسة اللعبة المزدوجة اذ انها تتحدث عن ضرورة تجديد العملية السلمية ، وفي المقابل تقيم وقائع على الارض عن طريق الاستمرار في سياسة بناء المستوطنات. هناك من يدعي، ان تحريك العملية السلمية سوف يؤدي الى خلق تصعيد في العمليات الارهابية، ولكن يجب انت نذكر، انه في الماضي، وتحديدا فإن تجدد العملية السلمية حال دون العناصر المتطرفة وممارسة العنف، من اجل احباط هذه الجهود. فالعملية السلمية ليست بالضرورة هي عامل تهدئة.

اللعبة المزدوجة هي اداة يستخدمها اللاعبون على الساحة الفلسطينية، والتي تسمح بتليين المواقف بين البراغماتية والايديولوجيا. ومع ذلك هناك احتمال في فقدان السيطرة على الوضع. من اجل تقليص التهديد، يوصى بأن تنتهج اسرائيل سياسة مختلطة: أمام السلطة، عليها الامتناع عن إلغاء التسهيلات لحياة السكان اليومية، في الضفة الغربية وتعزيز التنسيق الامني مع السلطة الفلسطينية.

وفي المقابل عليها العمل بتصميم على الساحة الدولية ضد السلطة الفلسطينية، وكشف وجهها الحقيقي، مع التأكيد على سياستها التي تخرب الجهود لاعادة اعمار قطاع غزة، والتحريض على العنف والارهاب.

وأمام حماس، على اسرائيل ان تمتنع من التعامل مع “اللعبة المزدوجة” لحماس بين قطاع غزة والضفة. وعليها التعامل مع حماس كرزمة واحدة – الحكم عليها في غزة هو كالحكم عليها في الضفة – ومنعها من تأسيس قواعد لعبة مريحة لها. وعلى اسرائيل ان توضح للتنظيم، انها لن تحقق معه اي تفاهمات تسمح بإعمار القطاع في الوقت الذي يسعى فيه الى نقل ساحة الارهاب الاساسية الى الضفة الغربية او الى منطقة سيناء.