السبت 9 نوفمبر 2019 08:03 م

تركزت موجة الاحتجاجات الأخيرة في العراق جغرافيا في المناطق الشيعية، ولم تنتشر بعد بأي شكل من الأشكال إلى المحافظات السنية أو الكردية.

لكن هذه ليست ثورة شيعية، وأي محاولة لفرض إطار طائفي عليها تفشل في فهم الدوافع الأساسية. فلم تحتل الرموز الشيعية مكانة مركزية في شعارات المتظاهرين، وكانت الشخصيات الدينية الشيعية إما غائبة أو هامشية في تشكيل مسار الاحتجاجات.

وقد تحدت هذه الاحتجاجات الصيغة الطائفية للحكم، التي قسمت العراقيين وفق هوياتهم العرقية والدينية، من خلال الفصائل التي ضمّنت هذه الهويات في سياساتها

المطالب الاجتماعية والاقتصادية

وفي بغداد، كان الحشد مدفوعا في البداية بالمتطلبات الاجتماعية والاقتصادية. وكانت المظاهرات المبكرة مزدحمة بالشباب العاطلين عن العمل من الجانب الشرقي للمدينة، حيث يوجد عدد كبير من السكان الشيعة.

وجذبت مرونة الحركة، والعنف غير المتناسب الذي واجهته، القطاعات الاجتماعية الأخرى، بما في ذلك الطلاب ومجموعات المجتمع المدني، الذين انضموا إلى الموجة الثانية التي بدأت أواخر الشهر الماضي. ونمت الحركة مع انضمام المزيد من الناس، بمن في ذلك العديد من مواطني الطبقة الوسطى، ما تسبب في تشكيل حالة من الإجماع الاجتماعي حول معارضة النخبة السياسية، وتصعيد المطالب للدعوة إلى تغيير منهجي جذري.

وأصبحت هذه الاحتجاجات أكبر حركة شعبية في تاريخ العراق الحديث، حيث أنتجت رموزا جديدة، وشهداء جدد، ولغة احتجاج بعيدة عن الطائفية.

ولم تواجه الفصائل الشيعية المهيمنة مثل هذا التحدي منذ وصولها إلى السلطة بعد عام 2003. وعلى عكس الاحتجاجات السنية عامي 2012 و2013، التي كان من السهل تصويرها كمعارضة طائفية، تأتي هذه الموجة من قلب المجتمع الشيعي، الذي تدعي هذه الفصائل أنها جزء منه.

واستهدفت الحملة ضد الاحتجاجات، في أوائل أكتوبر/تشرين الأول، مجموعة من الأحياء التي تقع في أقصى شرق بغداد، ومدينة الصدر، حيث انطلق عدد كبير من المتظاهرين.

ويشبه هذا ما ركز عليه جهاز الأمن في نظام "صدام حسين"، الذي كان يهيمن عليه العرب السنة، في أنشطة مكافحة الشغب في العاصمة في الثمانينيات والتسعينيات. وعلى مدى عقود، كانت مدينة "الصدر"، التي تسكنها مجموعة كبيرة من الفقراء والشباب، مصدرا للحشد المناهض للنظام.

تحدي التشيع السياسي

منذ تراجع الحزب الشيوعي العراقي، أصبح التشيع السياسي هو الأيديولوجية الرئيسية التي احتج من خلالها الشيعة العراقيون على تهميشهم، كما تجلى ذلك في حركة "محمد صادق الصدر" في التسعينيات. والآن، من خلال جعلها مناطفهم معقلا للحشد المناهض للنظام، يتحدى المتظاهرون ادعاءات الفصائل الإسلامية الشيعية بالدفاع عن المجتمعات الشيعية وتمثيلها.

ويعمل هذا الحشد بالفعل على بناء حدود جديدة داخل المجتمع الشيعي لديها القدرة على تجاوز الانقسامات الطائفية وتطوير التضامن بين الطوائف، وبالتالي التشكيك في صيغة المحاصصة الطائفية التي هيمنت على النظام السياسي ما بعد عام 2003. وطورت التظاهرات لغة احتجاج جديدة، موجهة ضد الفصائل المهيمنة وأيديولوجيتها.

وسرعت نهاية التهديد الذي يشكله "تنظيم الدولة الإسلامية" من التحول من السياسة الطائفية إلى نمط من السياسة ولد من رحم عدم المساواة الاجتماعية والاقتصادية ومطالب الحكم الرشيد. وكان السبب وراء ذلك هو انخفاض أسعار النفط الذي قلص الموارد اللازمة للحد من البطالة.

ويزداد عدد سكان العراق بنحو مليون شخص كل عام، ويدخل نصف مليون سوق العمل سنويا. وقد حال الفساد المتفشي في الحكومة، والسلوك العدواني من الفصائل الحاكمة، التي حولت مؤسسات الدولة إلى إقطاعيات لشبكات المحسوبية الخاصة بها، دون توزيعٍ أكثر عدالة لعائدات النفط، التي تمثل مصدر الدخل الرئيسي في العراق.

التحديات النظامية

ولا يعد الفساد في العراق مجرد مسألة جشع شخصي وانحطاط أخلاقي من أفراد معينين؛ بل أصبح جزءا لا يتجزأ من النظام. وعندما يحتج الناس على الفساد والفقر واللامساواة، فهم يعارضون النظام الذي عمّق هذه المشاكل.

ومع ذلك، تشير الأزمة الحالية إلى أنه سيكون من الصعب تحقيق تغيير ذي معنى. ويرجع ذلك جزئيا لأن الجمهور فقد أي إيمان بوعود الحكومة، وجزئيا لأن السلطة في العراق لا تتركز في مكان واحد، بل تنتشر بين مراكز متعددة، مما يجعل "النظام" غير قادر على التصرف بشكل متماسك.

وتعد هذه هي النتيجة المنطقية للصيغة العرقية والطائفية للحكم، التي وزعت السلطة والموارد بين مجموعة متنوعة من الجهات الفاعلة، وأضعف مؤسسات الدولة، وسمحت لهؤلاء الفاعلين، مثل الميليشيات والجماعات شبه العسكرية، بمنافسة سلطة الدولة على العديد من المستويات، بما في ذلك تحدي احتكارها للعنف المشروع.

وبالتالي سيكون من الصعب الشروع في أي إصلاح جدي قد يهدد أحد مراكز القوة هذه، سواء أكانت تلك الميليشيات التي تسيطر عليها طهران أو الميليشيات الكردية أو جماعة "مقتدى الصدر".

وبالنظر إلى أن قوة هذه المجموعات مضمنة في النظام الذي يعارضه المحتجون، فإنها سوف تسعى للاتفاق على تغييرات تجميلية، مثل الإصلاحات الاقتصادية التي كلف رئيس الوزراء "عادل عبد المهدي" بالقيام بها في المقام الأول.

شعور جديد بالانتماء

ويدرك معظم المحتجين أن "الأوليغاركية" المهيمنة متعددة الطوائف، التي تقسم الغنائم بين رعاتها الرئيسيين، هي التي تقاوم مطالبهم. وقد عزز هذا الإدراك الهوية غير الطائفية لحركة الاحتجاج، وطور تضامنا جديدا عابرا للطوائف بين القطاعات الساخطة في المجتمع.

وحتى لو فقدت المظاهرات زخمها في الأيام المقبلة، فإن المشاكل الهيكلية التي نتجت عنها ستبقى قائمة. وسوف تستمر الجماهير المزودة بوعي أفضل في التمكين لشعور جديد بالانتماء إلى شرعية جامعة وسوف تواصل تحدي الطبقة الحاكمة.

وربما يكون الطريق الوحيد لبقاء نظام ما بعد عام 2003 على المدى الطويل هو تغيير طبيعته بشكل جذري، وقبول نهاية الصيغة العرقية الطائفية، وتغيير قواعد اللعبة. ومن غير المحتمل أن يحدث هذا بدون تصاعد حركة الاحتجاج إلى الحد الذي يجبر "الطغمة الحاكمة" على تقديم تنازلات حقيقية.

بطريقة ما، تعد هذه الاحتجاجات مواجهة بين اللغة القديمة "الطائفية" واللغة الجديدة المبنية على المواطنة والعدالة الاجتماعية.

المصدر | حارث حسن - ميدل إيست آي