الاثنين 11 نوفمبر 2019 11:39 ص

تستمر تداعيات هجوم سبتمبر/أيلول على منشآت النفط الخاصة بشركة "أرامكو" السعودية في جميع أنحاء الشرق الأوسط، حيث تدفع أطرافا للتغاضي عن العداوات القديمة، وفي أحيان أخرى تعيد التحالفات التقليدية. وبينما يحتل هجوم تركيا الأخير على شمال سوريا العناوين الرئيسية، قد تتمحور القصة الأكبر حول تفكير اللاعبين الإقليميين الرئيسيين في بعض الموازنات التاريخية.

وبعد أعوام من التنافس المرير، يفكر السعوديون والإيرانيون في الكيفية التي يمكنهم بها تخفيف العداء المتبادل. ويذبل مجلس التعاون الخليجي، الذي كان قويا في السابق، لأن المملكة العربية السعودية تفقد قبضتها على المجموعة. ويبدو أن هيمنة واشنطن السابقة على المنطقة في تراجع.

وتتجاوز بعض هذه التطورات الأحداث الجارية، حيث يرجع تاريخها إلى ما قبل الهجوم بصواريخ كروز والطائرات بدون طيار الذي تسبب في تعطيل 50​% من إنتاج المملكة من النفط. لكن الصدمة المزدوجة، المتمثلة في العملية التركية في سوريا وهجوم سبتمبر/أيلول الصاروخي، تسرع من هذه التغيرات.

السعودية تتراجع ببطء

وتوجه رئيس الوزراء الباكستاني "عمران خان" مؤخرا إلى إيران، ثم إلى السعودية، للضغط من أجل انفراجة بين طهران والرياض وتجنب أي احتمال للأعمال العدائية بين البلدين. وقال "خان": "ما يجب ألا يحدث أبدا هو الحرب، لأن هذا لن يؤثر فقط على المنطقة بأكملها؛ بل سيتسبب في زيادة الفقر في العالم. فسوف ترتفع أسعار النفط".

ووفقا لـ "خان"، اتفق الجانبان على التحدث، على الرغم من أن حرب اليمن تشكل حجر عثرة. ولكن هناك بصيص أمل في تلك الجبهة أيضا. ويبدو أن وقف إطلاق النار الجزئي مستمر، وهناك محادثات مستمرة عبر القنوات الخلفية بين الحوثيين والسعوديين.

وكان من المفترض أن يستمر التدخل السعودي في الحرب الأهلية في اليمن لمدة 3 أشهر فقط، لكنه استمر لأكثر من 4 أعوام. وتدخلت الإمارات العربية المتحدة فقط لتزويد القوات البرية والسعوديين بالقوة الجوية. لكن التحالف السعودي الإماراتي لم يحقق سوى تقدم ضئيل ضد الحوثيين في المعارك على الأرض.

وتكاد الحروب الجوية المجردة من دعم قوي من القوات البرية تكون فاشلة دائما، فضلا عن كونها مكلفة للغاية. وقد استنزفت هذه الحرب الخزينة السعودية بشكل كبير، وأحرقت الكثير من ثروات البلاد.

ويحاول ولي العهد "محمد بن سلمان" تحويل الاقتصاد السعودي من اعتماده المفرط على النفط، لكنه يحتاج إلى أموال خارجية للقيام بذلك، وهو لا يحصل عليه. وكانت الحرب اليمنية، التي تعتبرها الأمم المتحدة أسوأ كارثة إنسانية على هذا الكوكب، وتورط "بن سلمان" في قتل وتقطيع الصحفي السعودي "جمال خاشقجي"، قد أبعدت العديد من المستثمرين.

وبدون الاستثمار الخارجي، يتعين على السعوديين استخدام عائداتهم النفطية، لكن سعر البرميل الواحد أقل مما تحتاجه المملكة لتحقيق أهداف ميزانيتها، والطلب العالمي يتراجع. ويتباطأ الاقتصاد الصيني، حيث كان للحرب التجارية مع الولايات المتحدة تأثير كبير، فضلا عن النمو الأوروبي البطيء. ويشعر الجميع برائحة الركود في الهواء، وهذه أخبار سيئة لمنتجي النفط.

وتفقد الرياض أيضا حلفاءها. وتتفاوض الإمارات مع الحوثيين، وقامت بسحب قواتها جزئيا، لأن أبوظبي لها أهداف مختلفة في اليمن عن السعودية، ولأنها لا تريد الدخول في مواجهة مع إيران. وربما يكون الجنرالات الأمريكيون مغرمون بوصف الإمارات بأنها "اسبرطة الصغيرة"، بسبب جيشها المدرب جيدا، لكن الفعل على الأرض من قبل أبوظبي لا يزال "محدودا"؛ حيث يمكن لجيش الإمارة حشد 20 ألف جندي فقط. بينما يمكن لإيران حشد أكثر من 800 ألف جندي.

وتتلخص أهداف السعودية في اليمن في دعم حكومة الرئيس "عبدربه منصور هادي" للسيطرة على حدودها الجنوبية وتحدي دعم إيران للحوثيين. ومن ناحية أخرى، فإن الإمارات أقل اهتماما بالحوثيين، وتركز اهتماما أكبر على دعم "المجلس الانتقالي الجنوبي" المناهض لـ"هادي"، والذي يحاول إعادة إنشاء جنوب اليمن كدولة منفصلة. وكان قد تم دمج شمال وجنوب اليمن في دول واحدة عام 1990، وذلك إلى حد كبير نتيجة للضغط السعودي، ولم يكن زواجا مريحا على الإطلاق.

طموحات تركيا في سوريا

وفقدت الرياض قبضتها على مجلس التعاون الخليجي. وتواصل عمان والكويت وقطر التجارة مع إيران على الرغم من الجهود التي يبذلها السعوديون لعزل طهران.

واستضافت الإمارات والسعودية مؤخرا الرئيس الروسي "فلاديمير بوتين"، الذي طالب جامعة الدول العربية بإعادة قبول سوريا. وأعادت البحرين، العضو في مجلس التعاون الخليجي، علاقاتها الدبلوماسية مع دمشق. ويضغط "بوتين" من أجل مظلة أمنية متعددة الأطراف للشرق الأوسط، تشمل الصين.

وقال "مارك كاتز"، الباحث في شؤون الشرق الأوسط: "رغم أن روسيا حليف موثوق به، لم تعد الولايات المتحدة كذلك". وبينما لا يحب الكثيرون في المنطقة "الأسد"، فإنهم "يحترمون فلاديمير بوتين بسبب التمسك به كحليف لروسيا".

وأدانت جامعة الدول العربية، باستثناء قطر، الغزو التركي، ودعت أنقرة إلى سحب قواتها. وتحظر السعودية والإمارات قطر حاليا لاتباعها سياسة خارجية مستقلة، ويدعم كل منهما طرفا مختلفا في الحرب الأهلية الليبية. وتبقى تركيا الحليف الرئيسي لقطر.

وجاء اتفاق روسيا، المكون من 10 نقاط، مع تركيا، بشأن سوريا، على هوى أعضاء جامعة الدول العربية بشكل عام، ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى أن الأتراك وافقوا على احترام سيادة دمشق وسحب جميع القوات في نهاية المطاف. وبالطبع، ربما يكون الأمر خادعا، خاصة وأن أهداف تركيا في سوريا لا تزال غير واضحة.

ويريد الرئيس التركي "رجب طيب أردوغان" طرد الأكراد السوريين من الحدود التركية، ونقل ملايين اللاجئين السوريين إلى قطاع من الأرض يبلغ طوله نحو 19 ميلا وعرضه 275 ميلا. وقد يغادر الأكراد، لكن الجيش الروسي والسوري، الذي يملأ الفراغ الذي خلفه سحب الرئيس "ترامب" للقوات الأمريكية، يمنع الأتراك من السيطرة على أكثر من الحدود وجيب عميق محدود، وهو بالتأكيد ليس كبيرا بما يكفي لإيواء ملايين من اللاجئين.

ويكتسب هجوم "​​أردوغان" شعبية في الداخل؛ حيث تأخذ القومية منحنى جيد مع السكان الأتراك، كما لا يرضى معظم الأتراك عن وجود اللاجئين السوريين. لكن إلى متى؟ فالاقتصاد التركي في ورطة، وتكلف مثل تلك الغزوات الكثير من المال. وتستخدم أنقرة الوكلاء لمعظم القتال، لكن دون الكثير من الدعم التركي، فإن هؤلاء الوكلاء لن يضاهون الأكراد، ناهيك عن الجيش السوري والروسي.

ويعني هذا بالأساس استخدام القوة الجوية، وتبقى القوة الجوية التركية مقيدة بخطر الاحتكاك بالدفاعات السورية أو الروسية المضادة للطائرات، ناهيك عن حقيقة أن الأمريكيين ما زالوا يسيطرون على المجال الجوي. ونشر الروس أحدث مقاتلاتهم من الجيل الخامس، "سو-57"، وعدد من طائرات "ميج- 29" و"سو-27"، وهي طائرات لا يرغب الأتراك في التشابك معها. ويمتلك الروس أيضا نظاما جديدا مضادا للطائرات من طراز "إس-400"، ويملك السوريون طراز "إس-300".

باختصار، قد تسوء الأمور حقا إذا قررت تركيا الدفع بوكلائها أو جيشها إلى المناطق التي تحتلها القوات الروسية أو السورية. وتوجد تقارير عن وقوع اشتباكات في شمال شرق سوريا وإصابات بين الأكراد والجيش السوري، لكن أي محاولة جادة لطرد الروس والسوريين تبدو مشكوك فيها.

ومن غير المرجح أن يتحقق هدف نقل اللاجئين من تركيا إلى سوريا في أي وقت قريب. وسيتكلف الأمر نحو 53 مليار دولار لبناء بنية تحتية قادرة على استقبال مليوني لاجئ في سوريا، وهو ما لا تملكه تركيا. وقد أوضح الاتحاد الأوروبي أنه لن يقدم "بنسا" واحدا، ولا يمكن للأمم المتحدة أن تتدخل، لأن الغزو انتهاك للقانون الدولي.

وعندما تطغى هذه الحقائق، قد يجد "أردوغان" أن القومية التركية لن تكون كافية لدعم مغامرته السورية إذا تحولت إلى احتلال.

الشرق الأوسط المقبل

وقد يكون الشرق الأوسط الذي يخرج من الأزمة الحالية مختلفا تماما عن الذي كان موجودا قبل الهجوم بصواريخ كروز والطائرات دون طيار.

وقد تنتهي حرب اليمن في النهاية. ويمكن لإيران، جزئيا على الأقل، الخروج من الحصار السياسي والاقتصادي الذي فرضته عليها السعودية والولايات المتحدة و(إسرائيل). وسوف تنحسر الحرب الأهلية في سوريا.

وسيصبح الأمريكيون، الذين سيطروا على الشرق الأوسط منذ عام 1945، مجرد لاعب واحد من العديد من اللاعبين الدوليين في المنطقة، إلى جانب الصين وروسيا والهند والاتحاد الأوروبي.

المصدر | كون هالينان - لوب لوج