السبت 16 نوفمبر 2019 03:17 م

في لبنان والعراق.. تعويل ليس في محله

استخدام مفرط للقوة على نحو ما تفعله قوات الأمن وميليشيات مدعومة من إيران في العراق.

قد يؤدي استمرار القتل والاعتقال والخطف وإسالة الدماء بالعراق إلى إنهاء التحرك بالقوة الغاشمة.

درْس تعلّمته أنظمة استبدادية من انتفاضات سابقة أجهضت قبل تحقيق أهدافها أو جرى الالتفاف عليها بتدابير زائفة.

تشوّه صورة التحرك الشعبي وأهدافه بزعم إنه مدعوم من الخارج وأن المحاصصة الطائفية عصيّة على التفكيك!

رهان على نفاد صبر المحتجين حين تمرّ أسابيع دون ثمار مرتجاة من تحركهم وازدياد ضغوط واتهامات بتعطيل مصالح البلاد والعباد.

*     *     *

على واحد من أمرين، أو عليهما كليهما، يعوّل خصوم التحركات الشعبية في العراق ولبنان:

- الأول هو الاستخدام المفرط للقوة على نحو ما تفعله القوات الأمنية والميليشيات المدعومة من إيران في العراق،

- الثاني هو نفاد صبر المحتجين، حين تمرّ الأسابيع دون أن يقطفوا الثمار المرتجاة من تحركهم، وتزداد عليهم الضغوط والاتهامات من قبيل سدّ الشوارع وتعطيل مصالح البلاد والعباد على النحو الجاري في لبنان.

هذا التعويل ليس آتياً من فراغ. إنه درْس تعلّمته الأنظمة الاستبدادية من تجارب انتفاضات وثورات سابقة، أجهضت قبل أن تحقق أهدافها، أو جرى الالتفاف على هذه الأهداف بتدابير زائفة، أبقت الأمور كما هي، أو أعادتها إلى ما هو أسوأ.

لكن على هذه الأنظمة أن تتعلم درساً جديداً. هذا التعويل لم يعد في محله. ليس لأن النصر المبين هو ما ستنتهي إليه تحركات العراق ولبنان بالضرورة. قد يؤدي استمرار القتل والاعتقال والخطف وإسالة الدماء في العراق إلى إنهاء التحرك بالقوة الغاشمة في لحظة من اللحظات.

علينا هنا التذكير بخبر جرى تداوله على نطاق واسع خلال الأيام القليلة الماضية عن اتفاق تمّ برعاية الجنرال قاسم سليماني، بحضور مقتدى الصدر ونجل المرجع علي السيستاني وأطراف أخرى، فحواه إبقاء كل شيء على ما هو عليه، وإنهاء التحرك بالقوة مهما كان الثمن.

وحده السيستاني من نفى هذا الخبر في تصريحٍ صدر عن مكتبه، معلناً براءته منه، وأن «الزج باسمه فيه هو لغرض الاستغلال السياسي من بعض الجهات والأطراف، ولا أساس له من الصحة»، لكن لا إيران نفت مشاركة ممثلها سليماني، ولا مقتدى الصدر والأطراف الأخرى التي أعلن أنها شاركت فيه نفته.

وقد تتمكن منظومة الفساد في لبنان من إشاعة حال من اليأس في صفوف المحتجين في الساحات، وتدسّ في صفوفهم من يحبط هممهم، وتشوّه صورة التحرك الشعبي وأهدافه، بالقول إنه مدعوم ومموّل من الخارج، وتكرار الزعم بأن المحاصصة الطائفية عصيّة على التفكيك لأن كيان البلد نفسه قائم عليها.

حتى اللحظة، فإن المؤشرات تشير إلى خلاف ذلك. ما زالت التحركات في البلدين رغم كل شيء تحافظ على زخمها بفضل شجاعة الشبان والشابات المرابطين في الساحات، وبالمستوى النوعي الذي بلغه وعيهم بـ«تعفن» المنظومات التي ثاروا عليها.

لكن إن نجح رهان الخصوم هذه المرة، فعليهم أن ينتظروا الجولة القادمة من الغضب، بعد شهور أو عام أو أعوام، حتى تأزف اللحظة التاريخية القادمة لا ريب فيها.

* د. حسن مدن كاتب صحفي من البحرين

المصدر | الخليج - الشارقة