الأربعاء 20 نوفمبر 2019 08:39 م

قضيت الأسبوع الماضي في الإمارات العربية المتحدة، في مدينة دبي، على حافة الخليج العربي الذي يربط إيران مع دول الخليج العربية. ولم تكن هذه أول رحلة لي هناك، لكنني لم أر سوى الجزء الأكثر حداثة من العالم العربي.

يقول "جورج فريدمان" في مقاله الذي ترجمه "الخليج الجديد" عن مركز "جيوبوليتكال فيوتشرز" الأمريكي: عُقدت الاجتماعات التي حضرتها هذه المرة بدعوة من مكتب رئيس الوزراء، الذي طلب مني التحدث عن شكل العالم في العام المقبل. وقد تحدثت مع رجال يرتدون الجلباب الأبيض العربي، وإلى نساء يرتدين غطاء الرأس.

وليس هناك شك في أن الرجال هم من يحتفظون بالسلطة هناك، لكن كان هناك أيضا نساء وزيرات، وجميعهن يتحدثن الإنجليزية بطلاقة.

وكانت فكرتي المبدئية حول العالم العربي مبنية على ما شاهدته في فيلم "لورانس العرب"، الذي تم إنتاجه قبل نصف قرن من الزمان تقريبا، الذي تحدث عن رجل إنجليزي اعتقد أنه تخطى ما وُلد عليه ليصبح رجلا عربيا تقريبا. لكن "لورنس" لم يكن عربيا أبدا. لقد كان رجلا إنجليزيا يحاول أن يصبح عربيا. ومع ذلك، من خلال المشاهد الغنية في الفيلم، كان الفيلم قادرا تماما على سحر مشاهديه وتضليلهم.

برنامج الفضاء في الخليج

واليوم، يتقدم العالم العربي بالفعل، وفي داخل الجلباب الأبيض النقي، الذي نادرا ما رأيته في أمريكا، تعرفت على رجل يرأس برنامج الفضاء الإماراتي.

وبالتأكيد، فإن فكرة امتلاك دولة الإمارات لبرنامج فضائي تعد أمرا مذهلا، حتى مع ما رأيته في مدينة دبي، التي تعد مدينة من ناطحات السحاب تقع بين الخليج والصحراء، وكلها ذات هندسة معمارية حديثة.

ومنذ عدة أعوام، عندما مررت على الإمارات في طريقي إلى مكان آخر، كانت هناك بعض المباني والشوارع، ولكن في غضون جيل واحد، ظهر تطور رائع. وفكرت في أن الأمر لابد وأنه كان شاقا بسبب حجمها الكبير. ولا أستطيع التفكير في أي مدينة عربية تقترب من حجمها أو اختلافها مع الأسلوب العربي.

وكان الأمر الأكثر إثارة للدهشة هو أنها مدينة ارتفعت بسرعة مدينة تكساس. وتتحداك دبي أن تستوعبها، تماما كما تفعل "هيوستن".

ويعد العرب شعبا مهذبا للغاية، وفي فيلم "لورانس العرب"، يصرح الأمير بأن الرحمة هي شغف "لورنس" (الرجل الإنجليزي)، بينما بالنسبة للعرب هي ببساطة مجرد أخلاق جيدة.

وتعد الرحمة هي الفكرة الأكثر وضوحا في الفيلم. وفي حين ينتهك العرب مبدأ الرحمة، كما ينتهك جميع البشر معظم عاداتهم، فإنهم ينظرون إلى القسوة كما ينظر الإنجليز إلى آداب المائدة السيئة. وبالطبع لن تقابل من هو خالٍ من العيوب. لكنهم يفهمون أيضا كيف يشنون الحرب، مما يجعلهم يشبهون بقية العالم.

لذلك، لماذا لا ينبغي أن يكون لديهم برنامج الفضاء الخاص بهم؟ ويملك الإماراتيون واحدة من أكثر القوات الجوية تطورا في العالم. ولقد تحدثت أيضا مع وزير الذكاء الاصطناعي. ولدى قليل من الدول مثل هذه القوات الجوية أو وزير من هذا القبيل. لكن ربما يكون الأمر المثير للاهتمام في برنامج الفضاء الإماراتي هو السبب وراء بدايته، وهي "الصقور".

وتعد تربية الصقور وترويضها شغف النخبة العربية، وبغض النظر عن مدى التدريب الجيد، يختار الصقر الذهاب إلى حيث يريد، ويصبح العثور عليه أمرا صعبا على أقل تقدير، وقد بدأ برنامج الفضاء الإماراتي من أجل تتبع الصقور.

ويعد وضع علامة على الصقور باستخدام متعقب "جي بي إس" أحد الحلول، لكن الإماراتيين كانوا أكثر طموحا، حيث أرادوا معرفة ما إذا كان الصقر يطير وهو في حالة راحة، وإذا كان يطير، ففي أي زاوية.

وللقيام بذلك، احتاجوا إلى جمع البيانات من عدة أقمار صناعية. وهنا، اندمجت رياضة الملوك القديمة مع عصر الفضاء، وتحدث الرجل الذي كشف لي أفكاره عن طموحاته في وضع قمر صناعي إماراتي في مدار حول المريخ، وقد كان جادا للغاية، ويتحدث بالفعل مع شركة فضاء أمريكية خاصة.

ولم يكن خجولا من الاستعانة بمصادر خارجية للمهمة. وكما هو الحال في هذه الأيام، تعد إدارة المشروع عقبة أكبر من الهندسة اللازمة للذهاب إلى المريخ.

ولا يزال التحدث مع رجل يرتدي الجلباب الأبيض الفضفاض شائعا في الإمارات. وقد ذكرتني مناقشة التفاصيل الدقيقة حول الصقور والتخطيط لمهمة فضائية في مكان كان يُعتبر متخلفا بشكل ميؤوس منه عندما كنت شابا، ذكرتني بعمري الذي مضى سريعا، وكيف تتشابك العوامل الجيوسياسية والتقاليد وتأخذ مسارها الخاص.

أهمية مضيق هرمز

وتقع دولة الإمارات على نتوء يمتد داخل الخليج عند الحافة الجنوبية لمضيق هرمز، وفي مساحة اليابسة إلى الشمال تقع إيران. وكان لدى الفرس والعرب عداء قديم حول هذا الممر المائي، لكن في السبعينيات أصبح مضيق هرمز قضية عالمية.

وفي عام 1973، هاجمت مصر وسوريا (إسرائيل)، فيما يعرف إسرائيليا بحرب "يوم الغفران"، وتضامنا معهما، أعلنت دولا عربية أخرى حظرا على النفط فارتفع سعره ودخل مستهلكو النفط العربي والإيراني في ركود، وقد خلق هذا مشكلة ضخمة ومعقدة للولايات المتحدة.

وكانت الدول التي فرضت الحصار، حليفة للولايات المتحدة ضد السوفييت، بما في ذلك إيران، التي ستظل حليفا للولايات المتحدة لمدة 6 أعوام أخرى. وبسبب الحظر العربي، بدت طوابير انتظار البنزين في المحطات الغربية وكأنها نهاية الحضارة.

وكان مفتاح ذلك هو الخليج العربي، والخوف هو أن النفط الذي يتدفق من إيران، التي لم تنضم للمقاطعة ولكنها تمتعت بالأسعار المرتفعة، والبلدان العربية على الساحل الغربي للخليج لن يتمكن من الوصول إلى الغرب إذا تم قطع خطوط الإمداد في مضيق هرمز، وإذا تم إغلاق المضيق، فسوف يتم تحطيم نفوذ الولايات المتحدة أمام الاتحاد السوفيتي، إلى جانب اقتصادها.

في ذلك الوقت، أصبحت الولايات المتحدة مفتونة بكلا جانبي مضيق هرمز، وبعد سقوط شاه إيران، ومغازلة إيران مبكرا للاتحاد السوفيتي، أصبح فتح المضيق مصدر قلق رئيسي للولايات المتحدة.

وخلال الحرب الإيرانية العراقية في الثمانينات، أصبح إغراق الصهاريج في الخليج هواية للطرفين، وكانت الولايات المتحدة قلقة للغاية، لدرجة أنها أرسلت قوافل بحرية لمرافقة ناقلات النفط التي تمر في منطقة الخليج، وذكرت بصراحة أنه إذا هاجم أي من الطرفين القوافل، فإن ذلك يعني الحرب، ولا يزال هذا التهديد موجودا الآن بالنسبة لإيران.

الولايات المتحدة وحلفاؤها الاستراتيجيون

وطوال هذا الوقت، وحتى هذه اللحظة، ظلت الإمارات، ومدينة دبي على وجه الخصوص، من الأصول الاستراتيجية الرئيسية للولايات المتحدة. وإذا تمكنت إيران من الاستيلاء على دبي، فإنها قد تغلق مضيق هرمز بدون تحدٍ كبير.

وتدير الولايات المتحدة اليوم قاعدة جوية رئيسية في دبي، وتتعاون مع القوات الجوية الإماراتية، وتتشارك مع دولة الإمارات في العديد من الجبهات.

وقد لاحظت في عدة مناسبات على مر التاريخ، كيف يمكن أن تصبح دولة ما ضرورة استراتيجية لأقوى دولة في العالم، وينطبق هذا على الإمارات، ليس فقط لأنها كانت تتمتع بوصول موات إلى الأسواق الأمريكية وضمان الوصول إلى الموارد الطبيعية؛ ولكن أيضا ببساطة لأن الولايات المتحدة كانت بحاجة إليها من منظور استراتيجي.

وكان لتطور دبي إلى مدينة ذات مستوى عالمي علاقة بهذا الأمر، لكن الحاجة إلى التحالف الاستراتيجي كانت متبادلة. واحتاجت الإمارات إلى فتح مضيق هرمز لبيع كميات هائلة من النفط. وكانت الولايات المتحدة بحاجة إلى أن تكون دبي قوية. وكما هو الحال مع كل هذه التحالفات، كان الاهتمام متبادلا. لكن دبي فعلت شيئا غير متوقع.

وفي حين استفادت ألمانيا من أصولها الفكرية والثقافية في تحالفها مع الولايات المتحدة، فإن دبي، من ناحية أخرى، خالفت ثقافتها المتأصلة، ورغم كونها احتفظت بأرستقراطية الصقور، فإنها خرجت عن تقاليد الصحراء في سعيها لتكون أكثر حرية مما كنت عليه في حالتها القبلية.

وذهبت دبي في اتجاه مختلف، ومن المفهوم أنها مرتبطة الآن بالاقتصاد العالمي، وأنها ستظل في دائرة الضوء طالما ظل الاقتصاد النفطي قائما، وهذه وحدها ثروة هائلة يمكن الاعتماد عليها.

وبدلا من قيام الإماراتيين بإرسال أموالهم إلى سويسرا، جاء السويسريون إلى دبي طلبا للحصول على المال. وعند مغادرة مطار دبي، تجد لافتة تعلن عن خدمة مصرفية سويسرية خاصة معروفة. لكن دبي أنفقت ثروتها على التطوير العقاري لتسهيل صعودها باعتبارها "سويسرا الشرق الأوسط"، ليس فقط في المسائل المالية، ولكن في الذهاب بطموحاتها إلى الفضاء.

دولة مصطنعة

ولقد أدهشني في هذه الزيارة مدى تشابه دبي مع (إسرائيل)، فكلاهما بطريقة ما قد تم صناعتهما، وكلاهما الآن مراكز مالية وتقنية، وكلاهما له علاقات وثيقة مع الولايات المتحدة وبقية العالم الصناعي المتقدم، وكلاهما يحتفظ بالتقاليد القديمة ويتصارع معها.

ويضع اليهود الأرثوذكس والمسلمون المتدينون حدودا لما هو مسموح بفعله للنساء. وفي دبي، التقيت بوزيرة ترتدي الزي التقليدي، ولم يكن سنها أكثر من 30 عاما، وربما كانت أصغر سنا. وقد ذكرني ذلك بالمرة الأولى التي واجهت فيها ضابطة إسرائيلية خارج الخدمة تلبس تنورة قصيرة.

وفي هذه المرحلة، أود أن أقول إن البلدين يفرقهما الدين. لكن، في الواقع، لا يعد هذا صحيحا. فهما متحالفان من نواح كثيرة، من حيث العداء تجاه إيران وصولا إلى المصالح التجارية، ولا يشعران بأي عيب في ذلك. وفي طرف شبه الجزيرة العربية، تقع دولة الإمارات العربية المتحدة، وفي الطرف الآخر تقع (إسرائيل).

ولقد شاهدت مظاهر القواة الجوية الإماراتية والإسرائيلية. وفي عالم تكون فيه الجيوش الجماهيرية أقل أهمية من تطور الذخائر الموجهة بدقة واكتساب المعلومات الاستخباراتية حول الأهداف، يمكن لقوات رشيقة مع ذخيرة متقدمة واستخبارات عالية الدقة أن تهزم قوى كبيرة.

ويشير هذا إلى احتمالٍ جيوسياسيٍ مثير للاهتمام. فإذا كانت (إسرائيل) هي القوة الاقتصادية والعسكرية الرئيسية في الطرف الغربي من شبه الجزيرة العربية، والإمارات هي القوة الاقتصادية والعسكرية الأبرز في الشرق، يمكن للتعاون بينهما أن يحدد شكل المنطقة. وبعد هذه الزيارة لم تعد فكرة مستبعدة كما كانت في الماضي.

وقد تشكلت شبه الجزيرة العربية فوق صحراء يعتريها العطش والبحث عن المياه المجمعة، الأمر الذي خلق سكان متناثرين يتجمعون في مجموعات صغيرة، ولا يثقون في نوايا الآخرين.

وحتى يومنا هذا، تضم الإمارات أمراء منافسين، يتعاونون مع بعضهم البعض، لكنهم لا يثقون في بعضهم البعض تماما. لكن الشاطئ الشرقي لشبه الجزيرة العربية غني بالنفط، وتسمح مياه الخليج لدول شبه الجزيرة ببيع هذا النفط للعالم، لكن أن تكون غنيا وضعيفا هو أخطر شيء في العالم.

لذا، سعت دول شبه الجزيرة العربية إلى امتلاك القدرة على الدفاع عن نفسها من العالم، وكان ذلك في معظمه من خلال تحالفات خطيرة، ولم يلتفت سوى عدد قليل من هذه الدول لخلق القدرات الخاصة.

لكن لكي تكون قويا في العالم الحديث، يجب أن تصبح جزءا منه، وهذا ما فعلته دولة الإمارات، لقد أنشأت برنامج الفضاء الخاص بها، حتى لو بدأ في الأساس للعثور على الصقور.

** المقال المنشور يعبر عن رأي كاتبه

المصدر | جورج فريدمان - جيوبوليتيكال فيوتشرز - ترجمة الخليج الجديد