الأربعاء 20 نوفمبر 2019 08:44 ص

تهديد أمريكي قوي تسلمته مصر إن هي استمرت في مساعيها للحصول على المقاتلة الروسية المتطورة سوخوي "سو-35". لكن القاهرة اعتمدت منذ سنوات استراتيجية تنويع مصادر السلاح. فلماذا كل هذا الغضب الأمريكي الآن؟.

التحذير لمصر جاء عبر وزير الخارجية "مايك بومبيو"، ووزير الدفاع "مارك إسبر". وشددت واشنطن على أن مضي القاهرة قدماً في هذه الصفقة قد يعرضها لعقوبات كما سيعقد بصورة كبيرة اتفاقات الدفاع الأمريكية مع مصر.

صحيفة "وول ستريت جورنال" الأمريكية نشرت في تقرير لها كواليس الرسالة التي وجهها المسؤولان الأمريكيان لوزير الدفاع المصري "محمد أحمد زكي"، ونقلت عن مسؤولين في البنتاجون أنه تم تحذير قائد القوات الجوية المصرية الفريق "محمد عباس" من عواقب تلك الصفقة، وطلبت واشنطن من القاهرة مراجعة علاقاتها العسكرية والاستخباراتية مع روسيا.

"إف 35" وراء الكواليس

يقول "غونتر ماير" خبير شؤون الشرق الأوسط والأستاذ بجامعة "ماينز" في مقابلة مع "DW عربية"، إن مصر طلبت من أمريكا الحصول على أحدث طراز من مقاتلات "إف 35" وتم رفض هذا الطلب.

في الوقت نفسه، سلّم الأمريكيون هذه الطائرة إلى السعودية، وكرد على هذا الرفض، اتفقت مصر على شراء 20 طائرة مقاتلة طراز "سو-35" الروسية مقابل ملياري دولار والتي تقترب من مستوى كفاءة "إف 35" الأمريكية.

وتسلم الولايات المتحدة الطائرات المقاتلة من الفئة الأعلى من طراز "إف 35" لشركاء موثوقين من حلف شمال الأطلسي أو لـ(إسرائيل). لكن وفي ضوء الوضع المتفاقم في الخليج، وافقت على منحها للسعودية أيضا.

ويرى محللون أن رد الفعل الأمريكي متوقع وخصوصاً عندما يرغب أحد حلفائها في شراء أسلحة روسية وسبق وأن حدث ذلك مع تركيا عندما حاولت شراء منظومة "إس - 400" الصاروخية المتطورة. 

كما أن حسابات الجانب المصري وكذلك الجانب التركي تعتمد على إرسال إشارات استراتيجية لكلا الجانبين الأمريكي والروسي بأنه يمكن التعامل مع الدولتين بقدر من الاتزان والحصول على مميزات العلاقة سواء مع الولايات المتحدة أو مع روسيا.

30 قنبلة صاروخية

في واقعة أخرى، قالت صحيفة "واشنطن بوست" الأمريكية في وقت سابق إن مصر اعترفت بمحاولة شراء 30 ألف قنبلة صاروخية كانت مخبأة على متن سفينة شحن كورية شمالية في عام 2016 وهي في طريقها لميناء مصري في قناة السويس. 

بيد أن أجهزة الاستخبارات الأمريكية أحبطت العملية التي وصفتها الأمم المتحدة وقتها بأنها "أكبر عملية ضبط لأسلحة في تاريخ العقوبات ضد كوريا الشمالية"، وتأزمت بسبب ذلك العلاقات العسكرية المصرية-الأمريكية، لكن الأمر لم يصل إلى حد التهديد بفرض عقوبات كما حدث اليوم.

وبحسب الخبير العسكري المصري، اللواء "جمال مظلوم"، فإن واشنطن كانت قد فرضت على القاهرة - بعد الحراك الاجتماعي في 2011 - قيوداً مشددة على العلاقات العسكرية والإمداد بالأسلحة، فمثلاً توقفت صيانة المقاتلات الأمريكية كما أوقف تسليم باقي صفقات السلاح لمصر.

وأضاف: "فكان ذلك درساً قوياً لمصر بأن تتوسع في تنويع مصادر السلاح لذا حصلنا على سلاح من فرنسا وروسيا وألمانيا ولم يكن هناك مشكلة مع الولايات المتحدة وقتها".

وأشار إلى توسع مصر في انتهاج سياسة تنويع مصادر السلاح بشكل واسع منذ تولي الرئيس "عبدالفتاح السيسي" رئاسة البلاد.

مخاوف أمريكية

ويرى "ماير" أن أكثر ما تخشى منه واشنطن أن يتم تزويد دول المنطقة بأنظمة الأسلحة الروسية، خاصة نظم الدفاع الجوي ، فعندها يمكن بالفعل أن تقلق أمريكا مما يمكن أن تحصل عليه روسيا من معلومات تقنية بشأن الأسلحة الأمريكية، ما قد يزيد من مخاطر أن تُسقط الطائرات "إف 35" بواسطة الأنظمة العسكرية الروسية، وقد تصل التقنيات العسكرية الأمريكية المتطورة إلى أيدي الروس بشكل أو بآخر.

وبصورة ما، يتفق "مظلوم" مع الأمر، طارحا المقاربة الروسية – التركية في السياق، فيقول إن أمريكا فرضت عقوبات على تركيا بسبب المحاولات التركية شراء منظومة الصواريخ "إس – 400"، ما قد يعني دخول تلك المنظومة الروسية في منظومة دفاعية نسبة كبيرة منها غربي.

ويضيف بأن "الولايات المتحدة تنظر إلى هذه المنظومة الروسية بعين التشكك في أن الروس يمكنهم بسبب ذلك الحصول على معلومات عسكرية وتقنية حساسة بدمج المنطومة الروسية مع المنظومات الغربية وهذا ما يمكن أن يطلق عليه الصفقة الخبيثة، لكن حصول مصر على المقاتلات الروسية لا يتضمن مثل هذا الخطر الاستراتيجي الكبير بعكس دخول منظومة إس 400 الروسية على شبكة الدفاع الجوي الأوروبية أو الناتو".

ويذهب الخبير العسكري المصري، إلى القول بأن هناك هدف أمريكي أساسي، وهو الحفاظ على التفوق الإسرائيلي العسكري في المنطقة، "فالأمر ليس متعلقاً فقط بمصر بل بكافة الدول التي تمدها الولايات المتحدة بسلاح أمريكي بما يضمن التفوق الاسرائيلي".

ويقول اللواء المصري المتقاعد إن "هذا ليس بالأمر الجديد أو الغربيب على صفقات الأسلحة الأمريكية للمنطقة، فبعض الأسلحة التي تصدر لدول أخرى في المنطقة يوضع لها قواعد بعدم التمركز في مناطق قد تشكل تهديداً لـ(إسرائيل)".

وأضاف أن المقاتلة الروسية تتمتع مزايا قد تتفوق فيها على نظيرتها الأمريكية خاصة وأن التقارير تشير إلى أنها طائرة قوية للغاية وشديدة التطور، وميزة السلاح الروسي هو أنه متقدم وأرخص ثمناً من الأمريكي ما يجعله مفضلاً في الكثير من الأسواق العالمية.

زوبعة في فنجان

ويعتقد "مظلوم" أن الأمر لن يتصاعد بين مصر والولايات المتحدة، "فقد يتم الوصول لاتفاق بحظر استخدام مصر للطائرات الروسية في اتجاهات معينة".

وأشار إلى أنه لا يعتقد بأن مصر سيكون لديها مانع في ذلك، "فهي من بعد اتفاقية كامب ديفيد لا تريد الدخول في نزاع مع إسرائيل ولا مع غيرها لا الآن ولا مستقبلاً وتريد فقط تأمين حدودها وتنشيط اقتصادها وليس لديها ما يدفعها للدخول في نزاعات مع آخرين، لذا أعتقد أن هذه الأزمة بين أمريكا ومصر ستمر وستكون مجرد زوبعة في فنجان وقد لا تتم الصفقة بين مصر وروسيا من الأصل".

ويتفق كل من "ماير" و"مظلوم" على أن الولايات المتحدة حريصة تماماً على ابقاء علاقاتها الاستراتيجية مع مصر على أفضل ما يكون خاصة في ضوء التوترات المتزايدة مع إيران والأوضاع غير المستقرة في المنطقة. 

ويشير اللواء "مظلوم" إلى أن "الولايات المتحدة تعلم مدى أهمية مصر كدولة كبيرة في المنطقة ومدى أهميتها في استقرار الشرق الأوسط، وأن واشنطن ستحاول الحفاظ على شعرة معاوية مع القاهرة.

المصدر | DW عربية