السبت 23 نوفمبر 2019 09:05 ص

لم تكن المظاهرات الشعبية في جميع المدن الإيرانية تقريبا، التي أعقبت ارتفاع سعر البنزين، سوى أحد أعراض التحديات المتزايدة التي تواجه النظام الإسلامي في إيران. ومن أساس منطقي اقتصادي بحت، فإن زيادة الأسعار تعد مبررة كوسيلة لتنظيم استهلاك الوقود، الذي يرتفع نسبيا بسبب سعره الرخيص. ومع ذلك، نظرا للظروف الاقتصادية الحالية في إيران، التي تعاني من ارتفاع التضخم والركود الاقتصادي، كانت هذه الزيادة في الأسعار بمثابة "القشة التي قصمت ظهر البعير"، ولم يكن الناس على استعداد لقبول قرار الحكومة.

وحاولت الحكومة تهدئة السكان من خلال التأكيد على أن الإيرادات الناتجة عن زيادة الأسعار سيتم توزيعها على ما يقرب من 60 مليون شخص من ضعفاء الدخل في البلاد. ومع ذلك، تصل الإيرادات التي تم الحصول عليها عن طريق زيادة الأسعار إلى نحو 2 مليار دولار، وحساب سعر الصرف، عند تقسيمها بين هذه المجموعة الكبيرة، فلن تكون كافية لتخفيف الصعوبات الاقتصادية. علاوة على ذلك، لا يمكن إنفاق جميع الإيرادات المكتسبة على دعم المعيشة للشعب. وقبل بضعة أيام، اشتكى الرئيس "حسن روحاني" من أنه بسبب انخفاض عائدات النفط، واجهت إيران عجزا قدره 21 مليار دولار في تلبية احتياجات البلاد.

 ولا تعد الزيادة في سعر البنزين سوى مظهر من مظاهر المشاكل الاقتصادية والمالية الناتجة عن العقوبات الاقتصادية على إيران، التي تسببت في خسارة دخل النفط الإيراني. ووفقا لآخر تقرير شهري لمنظمة "أوبك"، في نوفمبر/تشرين الثاني 2019، انخفضت صادرات إيران من النفط بمقدار 1.65 مليون برميل يوميا منذ فرض العقوبات الأمريكية. علاوة على ذلك، وبسبب القيود المصرفية، تواجه إيران صعوبة في الحصول على العملات الأجنبية المكتسبة من صادراتها غير النفطية.

  • انقسام داخل النخبة

ومن النتائج الرئيسية للصعوبات الاقتصادية في إيران تصاعد النزاعات بين النخبة. وحتى قبل ارتفاع الأسعار، كانت المشاكل الاقتصادية تسبب توترات خطيرة بين السلطة التنفيذية، وخاصة بين "روحاني" والسلطة القضائية التي يهيمن عليها المتشددون وجزء من البرلمان. وأصبحت هذه التوترات واضحة للغاية خلال حملة مكافحة الفساد المزعومة، التي أطلقها رئيس القضاء "إبراهيم رئيسي". واتهم المتشددون الحكومة بإهدار 18 مليار دولار عن طريق سوء استخدام العملة وطرحها بسعر رسمي أقل. وفي الوقت نفسه، اشتكت الحكومة من أن حملة مكافحة الفساد لم تلاحق الفاسدين الكبار. باختصار، انخرط كلا الجانبين في لوم الآخر.

والأخطر من ذلك، في خطوة غير مسبوقة، طالب "أحمد علم الهدى" إمام صلاة الجمعة في مدينة "مشهد" المقدسة، بإعادة 10 مليارات دولار من عائدات السياحة الدينية في "مشهد" إلى المدينة. وإضافة إلى المبالغة في المبلغ المكتسب، حيث يصل إجمالي أرباح إيران من السياحة إلى نحو 7 مليارات دولار فقط، يمثل هذا الطلب تحديا أساسيا لسلطة الحكومة على مدينة "مشهد". ولا يعد هذا التحدي أيضا بجديد. فلقد اقترحت بعض الأوساط الدينية لبعض الوقت أن تتمتع مدينتا "مشهد" و"قم" بالحكم الذاتي استشهادا بنموذج دولة "الفاتيكان".

وفي هجوم مضاد، اشتكى "روحاني" من عدم تمتعه بسلطة كافية، بينما يتحمل مسؤولية تبعات القرارات التي يتخذها الآخرون، وطالب بمزيد من السلطة، في حين انتقده المتشددون، الذين ادعوا أنه يتمتع بسلطة أكبر من الرؤساء السابقين. وكان طلبه، بالطبع، انتقادا مستترا للمرشد الأعلى، الذي يتخذ القرارات النهائية بشأن القضايا المهمة. حتى أن "روحاني" اقترح أنه فيما يتعلق بأخطر القضايا التي تواجه البلاد، ينبغي استشارة الناس من خلال استفتاء. وقد تعرض هذا الاقتراح، أيضا، لانتقادات شديدة من قبل المتشددين.

ومع ذلك، في حين يشعر الناس بخيبة أمل متزايدة من أداء "روحاني"، فهناك وعي متزايد بأن الجزء الأكبر من اللوم عن أوجه القصور في الحكومة يقع في مكان آخر. ويشير ظهور اسم المرشد الأعلى في النزاع حول زيادة سعر البنزين إلى أن الوضع الحالي قد لا يستمر إلى الأبد. كما قد يجعل المرشد الأعلى مسؤولا مباشرة أمام الناس، فيما ظل حتى الآن في الغالب فوق النقد.

  • الصراع بين الأهداف الثورية والوطنية

وتبرز الأزمة الأخيرة في إيران المشاكل الأساسية لنظامها الإسلامي المختلط وحكومتها ذات الرأسين، إضافة إلى الصراع بين المصالح الوطنية لإيران والأهداف الثورية للمتشددين.

وظاهريا، فإن النظام السياسي الإيراني هو جمهورية تقوم على مبدأ الإرادة الشعبية. ومع ذلك، فإنه في الوقت نفسه، يقوم على ولاية الفقيه وسيادة الشريعة الإسلامية؛ ما يعني وجود دور كبير للشخصيات البارزة من رجال الدين في مختلف جوانب الحكومة، وهذان المفهومان مختلفان تماما. لكن الأمر الأكثر خطورة، منذ تأسيس النظام، كان أنه بنى بقاءه واستمراره على بقاء الثورة الإسلامية، بدلا من جعل أمن إيران ورفاهها هدفا رئيسيا له. ولهذا الغرض، تم إنشاء مجموعة متنوعة من المنظمات المدنية والعسكرية، أبرزها "الحرس الثوري" و"الباسيج". ولقد جعلت هذه المؤسسات من حكم البلاد صعبا للغاية، وجعلت الحكومات المتعاقبة غير قادرة على اتباع السياسات الأنسب لتحقيق المصالح الوطنية لإيران. ويرجع المأزق الحالي في العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران، إضافة إلى استراتيجية "أقصى ضغط" من قبل إدارة "ترامب"، إلى حد كبير إلى تأثير هذه الحكومة الموازية ومنظماتها الثورية.

ومن المؤكد أن الضغوط الاقتصادية المستمرة ستؤدي إلى تفاقم هذه المشاكل الهيكلية مع تزايد تعارض مصالح إيران وشعبها مع المصالح المادية والأيديولوجية للحكومة المتشددة الموازية. ونظرا لأن أفكار وأهداف المتشددين الثورية تفقد جاذبيتها بشكل متسارع، فإن الحفاظ على هذه الحكومة ذات الرأسين وسياساتها أصبحت أكثر صعوبة. وإذا أصر المتشددون على الحفاظ على الظروف الحالية، فقد يتعين عليهم القيام بذلك بالقوة.

  • هل هناك طريق للخروج من المأزق؟

من الواضح أن الظروف الحالية لإيران، وخاصة محاولة إدامة الثورة، لا يمكن الحفاظ عليها لفترة أطول. وقد جعلت العقوبات الاقتصادية والصعوبات الناتجة عنها هذا الواقع أكثر وضوحا. ويبقى السؤال كيف يمكن لهذا الوضع أن ينتهي. ويريد معارضو النظام الإطاحة الكاملة بالنظام، حتى بالوسائل العنيفة إذا لزم الأمر، التي من شأنها أن تغرق إيران في الفوضى وحتى في الحرب الأهلية. لكن خصوم النظام، بمن فيهم من يعيشون في المنفى والانفصاليون الذين يريدون تفكيك البلاد، هم عبارة عن مجموعة منقسمة، ويفتقرون إلى قائد يتمتع بالجاذبية ويمكنه حشد الناس.

لذلك، في حالة الإطاحة العنيفة بالنظام، وكما حدث بعد الثورة الإسلامية في عام 1979 عندما بدأ المعارضون المتنوعون للنظام الملكي في القتال فيما بينهم، فإن انهيار النظام الحالي سيولد صراعات مماثلة بين جماعات المعارضة. وفي عام 1979، لم تكن هناك رغبة في تقسيم إيران بين اللاعبين الدوليين والإقليميين الرئيسيين، باستثناء عراق "صدام حسين". لكن هذه المرة، في حالة الاضطرابات في إيران، فإن الأطراف الخارجية، بما في ذلك بعض جيرانها العرب، ستشارك بالتأكيد، مع عواقب لا يمكن التنبؤ بها بالنسبة للبلاد. وفي الواقع، يشارك هؤلاء الآن بالفعل في الصعوبات التي تواجه إيران.

والمخرج الآخر هو أن يستيقظ المتشددون، وأن يعترفوا بعدم إمكانية الإبقاء على الظروف الحالية، وأن يوافقوا على إصلاحات واسعة النطاق. وتشمل هذه الإصلاحات القضاء على المنظمات العسكرية الموازية وإدماجها في الجيش الوطني، وإضعاف التأثير الديني في السياسة، والتحرر الثقافي، واحترام أكبر لرغبات الشعب، والتسامح مع الآراء المتباينة، والأهم من ذلك، إعطاء الأولوية للمصالح القومية الإيرانية على الأهداف الثورية.

ومع ذلك، فإن فشل الجهود السابقة لإصلاح النظام من الداخل، لا يترك للمرء إلا القليل من التفاؤل بأنه سيتم الركون إلى هذا الحل، مما يترك مستقبل إيران مفتوحا أمام كل الاحتمالات.

المصدر | شيرين هانتر - لوب لوج