السبت 23 نوفمبر 2019 11:44 ص

بدأت علامات تراجع حدة التوتر بين دول مجلس التعاون الخليجي في الظهور مؤخرا؛ ما يشير إلى أنه بعد أكثر من عامين ونصف العام قد يتحرك المجلس أخيرا نحو حل.

وفي وقت سابق من هذا الشهر، أعلنت السعودية والإمارات والبحرين، الدول التي فرضت حصارا على قطر منذ يونيو/حزيران 2017، أنها ستشارك رسميا في بطولة كأس الخليج العربي لكرة القدم (خليجي 24)، المقرر عقدها في الدوحة في وقت لاحق من هذا الشهر.

وعلق أستاذ العلوم السياسية القريب من دوائر صنع القرار في أبوظبي"عبد الخالق عبد الله" قائلا: "يعد هذا القرار المتعلق بكرة القدم قرارا سياسيا للغاية. إنه تحضير لشيء أكبر".

علاوة على ذلك، صرح مسؤول سعودي كبير للصحفيين بأن قطر تتخذ "خطوات إيجابية مشجعة" لإصلاح العلاقات مع جيرانها.

وفي الأسابيع الأخيرة، تم أيضا تخفيف حملات وسائل التواصل الاجتماعية بين كلا الجانبين كتدبير لبناء الثقة وتهيئة بيئة مواتية أكثر للمحادثات بين الطرفين.

وجاء كل هذا على خلفية زيارة رئيس الوزراء القطري "عبد الله بن ناصر بن خليفة آل ثاني" إلى المملكة لحضور قمة مجلس التعاون الخليجي الطارئة في مكة المكرمة في أعقاب الهجمات على ناقلات النفط في خليج عمان. وكان هذا أرفع مسؤول قطري يزور المملكة منذ بدء الحصار.

  • تطورات إقليمية

ولا تحدث خطوات إزالة التصعيد هذه من فراغ، بل ترتبط بعوامل إقليمية، بما في ذلك الحرب في اليمن، والتوترات مع إيران، وسياسات إدارة "ترامب" تجاه الشرق الأوسط.

وفي حين كانت هناك العديد من التطورات التي أثرت على الوضع في المنطقة وجعلته أكثر ملاءمة لتجديد الحوار، يبدو أن هجمات 14 سبتمبر/أيلول على منشآت معالجة النفط في "أرامكو" السعودية كان لها تأثير كبير على الرياض. ويمثل هذا الهجوم نقطة تحول في السياسة الخارجية السعودية على العديد من المستويات، بما في ذلك أزمة مجلس التعاون الخليجي.

وكان تأثير الهجوم على "أرامكو" أكبر بكثير من الخسائر المالية التي تكبدتها الشركة نتيجة الأضرار التي لحقت بمرافقها والتعطيل المؤقت لنصف إنتاج النفط اليومي.

وبغض النظر عن المكان الذي جاءت منه الطائرات بدون طيار، سواء اليمن أو العراق أو إيران، فإن حقيقة أنها كانت قادرة على الوصول إلى منشآت "أرامكو" تمثل أكبر فشل أمريكي في الخليج منذ تولي "دونالد ترامب" السلطة. ونتيجة لذلك، اهتزت العلاقات القوية بين الرياض وإدارة "ترامب" على مستويين على الأقل.

أولا، وضع الهجوم الناجح قدرة المملكة على حماية نفسها من خلال التحالف مع الولايات المتحدة ونشر التكنولوجيا العسكرية الأمريكية على أرضها موضع تساؤل. ذلك لأن نظام الدفاع الأمريكي المتقدم المضاد للصواريخ، "باتريوت"، لم يكن قادرا على حماية الأصول القومية الحيوية مثل "أرامكو" من الطائرات بدون طيار، وقد طرحت هذه الشكوك سؤالا آخر، وهو لماذا تسعى القيادة السعودية لشراء المزيد من الأسلحة والتكنولوجيا العسكرية من الولايات المتحدة إذن؟

ونتيجة لذلك، لم تؤد الهجمات إلى تقويض خطير لقيمة صفقات الأسلحة التي تبلغ قيمتها 110 مليارات دولار والتي وعد "ترامب" بها في ربيع عام 2017 فحسب، بل الأهم من ذلك أنها كشفت عن الضعف الأمني ​​للمملكة، وأثارت مخاوف جدية بشأن أي تصعيد محتمل مع إيران أو الحوثيين في المستقبل.

ثانيا، أظهر هجوم 14 سبتمبر/أيلول تخلي إدارة "ترامب" عن حلفائها. ورفضت واشنطن مهاجمة إيران ردا على ذلك. وبدلا من ذلك، بدأت مساومة السعودية حول من الذي ينبغي عليه تغطية تكاليف الانتشار العسكري الأمريكي. وبعد مرور شهر تقريبا على الهجوم، أرسلت الولايات المتحدة 3 آلاف جندي إلى الخليج، مع إعلان الرئيس الأمريكي الأمر على أنه انتصار شخصي له، قائلا: "لقد وافقت المملكة العربية السعودية، بناء على طلبي، على الدفع لنا مقابل كل ما نفعله".

وبعد فترة وجيزة، جاء قرار "ترامب" بالانسحاب من شمال شرق سوريا، والتخلي عن حليف فعال في القتال ضد تنظيم "الدولة الإسلامية"، وهي وحدات حماية الشعب الكردي، التي تم تركها لتواجه وحدها عملية عسكرية شنتها تركيا التي تعتبر وحدات حماية الشعب منظمة إرهابية. وفي الرياض، تم تفسير هذه الأحداث على أنها دليل إضافي على أن الولايات المتحدة لا يمكن الوثوق بها.

  • مراجعة سياسية

ويبدو أن هذين الإدراكين، بأنه لا توجد كمية من الأسلحة العسكرية الأمريكية يمكنها حماية البلاد، وأن الولايات المتحدة لم تعد شريكا موثوقا به، قد استدعيا مراجعة السياسة الخارجية السعودية واستراتيجية المملكة للأمن القومي. وتعد نتائج ذلك واضحة بالفعل.

وفي أواخر أكتوبر/تشرين الأول، أشرفت المملكة على المفاوضات بين الرئيس اليمني "عبد ربه منصور هادي" والمجلس الانتقالي الجنوبي الانفصالي، الذي كان يقاتل من أجل السيطرة على جنوب اليمن. وفي نوفمبر/تشرين الثاني، تم الإعلان عن اتفاق سلام وصفه ولي العهد السعودي "محمد بن سلمان" بأنه خطوة مهمة نحو "حل سياسي في اليمن".

وفي الوقت نفسه، سعت السعودية أيضا إلى وقف تصعيد نزاعها مع إيران. وذكرت صحيفة "نيويورك تايمز" مؤخرا أن "السعودية وإيران قد اتخذتا خطوات نحو إجراء محادثات غير مباشرة لمحاولة تخفيف التوترات بينهما". كما شاركت الإمارات، حليف السعودية الإقليمي الرئيسي، في جهود وقف التصعيد. وفي وقت سابق من هذا الشهر، قال وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية "أنور قرقاش" إن المزيد من التصعيد مع إيران "لا يخدم أحدا"، وأنه يوجد مجال "للدبلوماسية الجماعية".

وفي هذا السياق، ينبغي ألا تكون مفاجأة أن تتصالح دول الحصار مع قطر. ومن الممكن أن نشهد طفرة في النزاع الإقليمي المتجمد. فبعد كل شيء، بما أن "ترامب" قد فشل في تحقيق الأمن الإقليمي، تحتاج السعودية بالتأكيد إلى مجلس تعاون الخليجي قوي وموحد لمواجهة التحديات الإقليمية الهائلة. وقد ضمنت جهود الكويت المستمرة للوساطة على مدى العامين ونصف العام الماضيين أن يبقى باب المفاوضات المباشرة مفتوحا على مصراعيه طوال تلك الفترة.

ومن غير الواضح حتى الآن ما إذا كانت هذه العلامات المبكرة ستؤدي إلى استئناف كامل للعلاقات بين قطر وجيرانها. ومع ذلك، من الآمن أن نقول إن قمة مجلس التعاون الخليجي المقبلة، التي ستنعقد في منتصف ديسمبر/كانون الأول في الرياض (بدلا من مكانها المحدد سلفا في الإمارات)، من المقرر أن تكون مختلفة تماما عن قمة 2017 التي استمرت ساعتين فقط بدلا من يومين وزادت من تعميق الصدع.

المصدر | إبراهيم فريحات - المركز العربي واشنطن دي سي