السبت 7 ديسمبر 2019 12:32 م

في 17 يونيو/حزيران من هذا العام، انهار أول رئيس منتخب ديمقراطيا لمصر، "محمد مرسي"، خلال جلسة استماع أمام المحكمة في القاهرة، وتم الإعلان عن وفاته فيما بعد، إثر نوبة قلبية.

وكان "مرسي" قد عانى من ظروف احتجاز قاسية لمدة 6 أعوام في الحبس الانفرادي، في أعقاب انقلاب عسكري قام به الرجل الذي حل محله، "عبد الفتاح السيسي". وخلال ذلك الوقت، تم حرمانه من أدوية مرض السكري وارتفاع ضغط الدم، وتم إجباره على النوم على الأرضية الخرسانية في زنزانته، وحرمانه من الاتصال بأسرته أو الحصول على أي مصادر خارجية للأخبار والمعلومات.

قتل بمباركة الدولة

وفي 8 نوفمبر/تشرين الثاني، خلص فريق من خبراء الأمم المتحدة بقيادة "أغنيس كالامارد"، المقرر الخاص المعني بحالات الإعدام خارج نطاق القضاء والاحتجاز التعسفي، إلى أن "وفاة مرسي بعد تحمل هذه الظروف قد ترقى إلى القتل تحت أعين الدولة".

ولاحظ التقرير أنه بسبب الحرمان من العلاج الطبي، "فقد مرسي الرؤية تدريجيا في عينه اليسرى، وعانى من غيبوبة السكر بشكل متكرر، وتعرض للإغماء مرات ومرات".

وما يؤكد على أن تصرفات الدولة المصرية هي التي قتلت الرئيس الأسبق أنه "تم تحذير السلطات مرارا وتكرارا من أن ظروف سجن مرسي من المرجح أن تدمر صحته تدريجيا إلى درجة قتله". ورغم ذلك، لا يوجد دليل على أن الدولة اتخذت خطوات لمعالجة هذه المخاوف، على الرغم من أن النتائج كانت متوقعة.

وفي 27 نوفمبر/تشرين الثاني، أصدرت شركة "غيرنيكا" للمحاماة في لندن، بالنيابة عن عائلة "مرسي"، تقريرا يدعو إلى إجراء تحقيق تقوده الأمم المتحدة في وفاته. وكما يشير التقرير، "نظرا لظروف وفاة الرئيس الأسبق، يجب التحقيق في ملابسات الرفض الصريح والواضح لتزويده بالرعاية الطبية المناسبة".

السجون

وتعد قضية "مرسي" مهمة، لأنها توضح وتؤكد الوحشية المطلقة لديكتاتورية "السيسي". ومنذ توليه السلطة، بنى نظام "السيسي" 18 سجنا جديدا. وعلى الرغم من ذلك، تبقى السجون مكتظة بشكل كبير، مع وجود زنزانات تضم ما يصل إلى 80 فردا.

وادعى "السيسي" في عدة مناسبات أنه لا يوجد سجناء سياسيون في مصر، لكن المسجونين هم متطرفون يهددون المجتمع. وفي الواقع، هناك ما يقدر بنحو 60 ألف سجين رأي محتجزين في ظروف مروعة. ويُحرم السجناء من الطعام الكافي، ويتم حجب الأدوية والعلاج الطبي عنهم.

ويتعرض السجناء للإكراه والتعذيب للاعتراف باتهامات يتم إملاؤها عليهم. ويتم منع عائلاتهم بشكل روتيني من الوصول إليهم، وكذلك الأمر بالنسبة للمحامين، الذين يواجهون الاعتقال أيضا إذا أزعجوا السلطات عبر متابعة حقوق موكليهم.

وينتشر استخدام الحبس الانفرادي، فقد تم احتجاز وزير سابق في حكومة "مرسي" لمدة 4 أعوام في الحبس الانفرادي، بينما تم احتجاز صحفي الجزيرة "محمود حسين" في الحبس الانفرادي لمدة 600 يوم.

ولا تتوقف الإساءة وسوء المعاملة عند السجون. فبفضل قانون صادر عام 2014، تم تصنيف مراكز الشرطة كسجون، مما يتيح للسلطات احتجاز الأشخاص هناك لفترات طويلة من الزمن.

وقد أفادت "هيومن رايتس ووتش" أن "بعض المحتجزين قد ماتوا بعد تعرضهم للتعذيب أو الإيذاء البدني. لكن يبدو أن العديد منهم ماتوا لاحتجازهم في زنزانات شديدة الاكتظاظ أو لعدم تلقيهم رعاية طبية كافية رغم معاناتهم من أمراض خطيرة".

وتقول المنظمة العربية لحقوق الإنسان إن 551 شخصا قد ماتوا بسبب الإهمال الطبي. ويتم تجاهل النداءات لمساعدة من هم على وشك الموت. أما أولئك الذين يموتون بالفعل، فيتم تركهم في الزنازين لساعات قبل نقل الجثث.

المحاكم العسكرية

ويتم استخدام المحاكم العسكرية على نطاق واسع في مصر. وتخدم المحاكم العسكرية النظام بشكل جيد، حيث يصبح عبء إثبات التهم أقل بكثير. وقد حوكم حتى الآن أكثر من 15 ألف شخص، من بينهم 150 طفلا، في المحاكم العسكرية، فضلا عن المحاكمات الجماعية المتكررة التي تحرم المتهم من أي حق قانوني في مناقشة قضيته بشكل فردي.

وتكشف إحدى الحوادث عن تسييس النظام القضائي بالكامل، ففي أغسطس/آب 2013، تم قتل ما لا يقل عن 817 شخصا على أيدي الشرطة وقوات الأمن فيما يُعرف باسم "مذبحة رابعة".

ولم يتم إلقاء القبض على أي شخص، ناهيك عن إجراء تحقيق لمعرفة سبب هذا العدد من القتلى. وبدلا من ذلك، تم القبض على مئات المحتجين وأعضاء أحزاب المعارضة، وشمل هذا عددا من الصحفيين.

وتم تقديم هؤلاء إلى محاكمة جماعية في مشهد "ستاليني" بشع جرى خلاله محاكمة الضحايا بدلا من الجناة. وفي قرار شمل 612 شخصا، أصدرت المحكمة 47 حكما بالسجن المؤبد، و490 عقوبة تتراوح بين السجن لـ 5 أعوام و15 عاما، إضافة إلى 75 حكما بالإعدام.

صمت مخزٍ

وحتى الآن، في عهد "السيسي"، تم إصدار نحو 2500 حكم بالإعدام، وفي الأعوام الـ 5 الماضية، تم تنفيذ 179 عملية إعدام. ولم يكن هناك رد يذكر من الحكومة البريطانية على هذا السحق الفظيع لحقوق الشعب المصري الأساسية.

وبدلا من ذلك، في سبتمبر/أيلول، التقى رئيس الوزراء "بوريس جونسون" بالرئيس المصري في اجتماع ثنائي على هامش اجتماعات الجمعية للعامة للأمم المتحدة، حيث "أكد السيسي وجونسون من جديد التزامهما بالعمل معا من أجل البناء على التقدم الإيجابي في العلاقة الثنائية".

ووفقا لمكتب رئيس الوزراء البريطاني في "داونينج ستريت" فقد تم أيضا "مناقشة الروابط الاقتصادية بين البلدين، وسبل تعزيزها في أعقاب مغادرة المملكة المتحدة للاتحاد الأوروبي". ومن جانبها، قالت مصر إن "جونسون" كان "حريصا على الثناء على الأداء الاقتصادي لمصر".

ولم يرد أي ذكر في المناقشات لموت الرئيس السابق، أو المحاكمات الجماعية، أو عقوبات الإعدام الصادرة، أو عشرات الآلاف من سجناء الرأي، أو إسكات الأصوات الناقدة، أو ظروف السجن المروعة.

لقد ظل "بوريس جونسون" صامتا بشكلٍ مخزٍ عن كل ذلك. لكن لا يجب أن يصمت البريطانيون على ذلك.

المصدر | بيل لو - ميدل إيست آي/ ترجمة الخليج الجديد