ما بعد «بريكست».. صراعات بريطانية مستمرة

أين ذهبت دراسات توقّعت ركودا وانكماشاً اقتصاديا؟

لا تزال قائمة مع استمرار الصراع حول «بريكست» بأشكال وأهداف أخرى.

تمحور اجتذاب الناخبين على خفض الضرائب وتعزيز نظامي الصحّة والتعليم والخدمات التي يريد العمال معاودة تأميمها.

هل سيمكّن برنامجا المحافظين والعمال الناخبين من الاختيار وفقاً لاقتناع ناجز وعميق؟ أم أن الاصطفاف التقليدي سيلعب دوراً حاسماً؟

*     *     *

مصيرية، تاريخية، مقلقة، مثيرة للمخاوف، إرهاص للركود، للازدهار الاقتصادي، حاسمة أم مكرّسة للانقسام العمودي الذي هيمن على الحياة السياسية البريطانية حيال الخروج من الاتحاد الأوروبي «بريكست»، هكذا تطرح انتخابات 12 ديسمبر الشيء ونقيضه، الآمال والإحباطات، واليمينية الترمبية الفجّة إلى جانب اليسارية العائدة من الانقراض.

البريطانيون متعبون من عدم اليقين الذي خيّم على برلمانهم المنتهية ولايته، ويتطلّعون إلى برلمان يتخطّى الجدل اللا منتهي حول «بريكست»، حتى لو كانت التداعيات المتوقعة غامضة، ذاك أن شلّ البلاد غداة استفتاء الانفصال عن أوروبا عام 2016 شكّل جموداً للمستقبل، ولم يسبق لبريطانيا أن مرّت بحالٍ كهذه إلا في الحربين العالميتين.

هل سيمكّن برنامجا حزبَي المحافظين والعمال الرئيسيَين، الناخبين من الاختيار وفقاً لاقتناع ناجز وعميق؟ أم أن الاصطفاف التقليدي هو الذي سيلعب دوراً حاسماً؟

يخوض رئيس الوزراء معركة حياته السياسية بتفاؤل بيّن، تبرّره استطلاعات الرأي التي أظهرت تفوقاً مريحاً للمحافظين بعشر نقاط على منافسه العمالي.

وبالتالي فإن بوريس جونسون سيتمتع بأغلبية، ولن يحتاج إلى البحث عن حلفاء لاستكمالها، ما يمنح حكومته المقبلة دينامية المبادرة، خصوصاً أن لديه مشروع اتفاق مع الاتحاد الأوروبي، يريد أن يمرّره في مجلس العموم ليبدأ العمل.

لكنه يتطلّع أيضاً إلى إلحاق هزيمة ساحقة بحزب العمال وزعيمه جيمس كوربن، ولذلك فقد أتخم حملته الانتخابية وقبلها حملته لنيل الترشيح لزعامة المحافظين، بحمولة أيديولوجية استمدّها من العقائدية الراسخة في فكر كوربن ونهجه، اللذين أعادا حزب العمال إلى أصوله اليسارية، وأبعداه عن الوسط اليميني الذي جنح إليه توني بلير، وكانت الحصيلة انقسامات حادة داخل الحزب.

المفارقة أن الرجلين - جونسون وكوربن- ليسا مختلفين مبدئياً على الخروج من الاتحاد الأوروبي. على العكس كان كوربن أكثر جذرية وثباتاً طوال مسيرته السياسية في معارضة الانضمام إلى السوق الأوروبية في استفتاء عام 1974، وصولاً إلى الطلاق مع أوروبا في استفتاء 2016!

لكن موقفه لم يكن مؤثّراً داخل حزبه قبل خمسة وأربعين عاماً، أما الآن فهو زعيمه وليس مرجّحًا أن يتبوّأ رئاسة الوزراء، كذلك كان جونسون أظهر منذ مقالاته وكتاباته المبكرة عداء واضحاً لتولّي بروكسيل - مقر الاتحاد الأوروبي- إدارة شؤون الدول ولا سيما بريطانيا.

لكن موقفه مرّ بمراحل متقلّبة قبل حملة «بريكست» وبعدها، إلى أن اقتنع بأن هذا هو سبيله للوصول إلى المنصب وبدفعٍ من لوبي الأثرياء الذين تبنّوا الانفصال عن أوروبا، كوسيلة وحيدة لتطوير أعمالهم، هنا يفترق الزعيمان، إذ إن العمالي اعتبر أساساً أن الاتحاد الأوروبي مؤسسة رأسمالية معادية لحقوق العمال ومتساهلة عموماً في احترام حقوق الإنسان.

هذا الفارق بين التوجّهين انعكس على برنامجَي الحزبين لمرحلة ما بعد «بريكست»، فكلاهما اعتمد في تنفيذ وعوده الانتخابية على الأموال التي ستتوفّر داخلياً بعد وقف المشاركة في الميزانية الأوروبية، علماً بأن هذه لم تكن إنفاقاً بلا مقابل!

بل كانت تعود بفوائد لقطاعات زراعية وصناعية عدّة، لذلك تمحور اجتذاب الناخبين على خفض الضرائب وتعزيز النظامين الصحّي والتعليمي والخدمات العامة، التي يريد العمال معاودة تأميمها، والقدرات الأمنية والمشاريع الكبرى وفرص العمل، يكاد الحزبان يروّجان لإنجازات متماثلة لكن من منظورَين متعارضَي الأولويات لبريطانيا بعد الانفصال.

أين ذهبت كل الدراسات والتقارير التي توقّعت ركوداً وانكماشاً اقتصاديَين؟ لا تزال تحذيراتها قائمة، مع إضافة أن الصراع حول «بريكست» سيستمر بأشكال وأهداف أخرى.

* عبد الوهاب بدرخان كاتب صحفي لبناني

المصدر | العرب القطرية