الثلاثاء 17 ديسمبر 2019 07:44 م

تقترب الحرب اليمنية، التي توشك على إتمام عامها الخامس على التوالي، من نهايتها، في ظل تغيير قواعدها ووجود العديد من المؤشرات والشواهد الإيجابية لتسويتها سياسيا على خلفية مأساة إنسانية هي الأشد في العالم.

فالحرب التي وصفتها الأمم المتحدة بـ"العبثية"، انطلقت إثر استيلاء الحوثيين في مارس/آذار 2015 على العاصمة صنعاء ودخولهم لمدينة عدن، التي كان الرئيس "عبدربه منصور هادي" يتخذها عاصمة مؤقتة.

وعلى إثر ذلك طلب الرئيس اليمني من الدول الخليجية التدخل لحمايته فأجابوه بسرعة لافتة، وفزعت كل من السعودية والإمارات للقيام بدور المنقذ في خضم تفاؤل بنتائج مرتقبة على عجل للحملة العسكرية على اليمن.

ففي 26 مارس من ذاك العام، قادت السعودية تحالفا عسكريا عربيا للتدخل في اليمن، أطلقت عليه اسم "عاصفة الحزم" وضم رسميا إلى جانب المملكة مشاركات رئيسية من كل الإمارات والكويت وقطر والبحرين والسودان ومشاركات رمزية محدودة من كل من الأردن والمغرب ومصر، وبعد عدة أسابيع أطلقت السعودية على العملية اسم "إعادة الأمل".

وكان من المفترض أن يشي تغيير اسم العملية بالانتصار الكامل أو شبه الكامل، لكن التحالف العربي الذي بدا موسعا في بداية العمليات أخذ في التآكل بفعل تتابع العثرات وانعدام الأفق، رغم أن ميزان القوة في البداية كان يرجح كفته، لكن الواقع مضى في اتجاه آخر.

ومع طول أمد الحرب، دون وجود أفق سياسي للحل، وتصاعد الشكوى بسبب خسائرها في صفوف المدنيين وفى دول التحالف ذاتها، واجهت السعودية اتهامات وضغوطا أممية ودولية بالإفراط في ضرباتها الجوية التي طالت مدنيين.

وتم توثيق ارتكاب الإمارات لجرائم تعذيب وانتهاكات بشعة بحق اليمنيين، لدرجة أنهم باتوا يوصفون من قبل السكان المحليين بالمحتلين والغزاة، كما أتُهم الاماراتيون أيضا من قبل مسؤولين بحكومة الرئيس "هادي" بأن لهم مآربا وأطماعا شخصية على رأسها السيطرة على الموانئ ودعم تقسيم البلاد.

  • انقلاب عدن

ومع تجاوز الحملة العسكرية للتحالف مداها الزمني وتضييع أهدافها المعلنة وقع بعد منتصف العام الجاري انقلاب عدن؛ ليزيد من الوضع تعقيدا، ويسبب شقوقا في التحالف بقيادة السعوديو خاصة أن حكومة "هادي" حملت مسؤوليته رسميا للإمارات.

إذ اندلعت، في أغسطس/آب الماضي، معارك عسكرية بين قوات الحكومة الشرعية وقوات المجلس الانتقالي الجنوبي، أفضت إلى سيطرة الأخير على عدن وبعض المحافظات القريبة منها.

وعلى أثر ذلك هدد التحالف بتحرك عسكري لوقف القتال في عدن وأمر الانفصاليين بالانسحاب من معسكرات الجيش التابعة للحكومة. ودعت الرياض إلى عقد قمة طارئة لاستعادة النظام.

وفى مقابل ذلك، طلبت الإمارات من مبعوث الأمم المتحدة الخاص إلى اليمن "مارتن جريفيث" ممارسة ضغوط على الجانبين، وهو الطلب الذي قالت "إليزابيث كيندال" من جامعة أوكسفورد، عنه: "من المثير للدهشة أن تقول الإمارات إن مبعوث الأمم المتحدة الخاص هو الذي يتعين عليه حل المشكلة".

وسلحت الإمارات ودربت عشرات الآلاف من الانفصاليين الساعين لإحياء جمهورية اليمن الجنوبي التي اندمجت مع الشمال عام 1990.

وقالت "كيندال" إن "الاستعانة بجماعات مسلحة انفصالية من أنحاء الجنوب... كان دوما ضربا من اللعب بالنار".

  • انسحاب الإمارات

وعلى وقع تصاعد الاتهامات الرسمية للإمارات من قبل الحكومة اليمنية المدعومة من السعودية، وضغوط مكثفة دولية على الإمارات، كبدتها الكثير من سمعتها، بجانب تغييرات استراتيجية جرت لعل أبرزها وصول الإمارات لقناعة بأن الولايات المتحدة لن تقدم الدعم اللازم لحمايتها من إيران -اتخذت أبوظبي قرارها بالانسحاب التدريجي من اليمن (دون تنسيق مسبق مع السلطات اليمنية في بعض الأحيان).

وفي هذا الصدد، عزت صحيفة "وول ستريت جورنال" الأمريكية التحركات الإماراتية لخشيتها من تصاعد الرفض الأمريكي للحرب اليمنية، وأن تصبح الإمارات هدفا لأي رد إيراني إذا أمر الرئيس الأمريكي بشن حرب على طهران.

ورأى مراقبون أن الإمارات قررت الانسحاب التدريجي، بعدما رضيت بما صنعته من قوى انفصال وميليشيات مسلحة (الحزام الأمني) موازية للقوات الحكومية المدعومة من السعودية التي يمكن تحريكها فيما بعد لحماية مصالح أبوظبي في اليمن.

وبخلاف الانسحاب الإماراتي، جاء سحب السودان لثلثي تعداد قواته في اليمن؛ ليمثل ملمحا رئيسيا على انفراط عقد التحالف العربي، وعلى المأزق الذي تواجهه المملكة هناك؛ حيث تزداد وحدتها يوما بعد الآخرين. 

  • استنزاف السعودية  

وخلال مشاركتها بحرب اليمن، أنفقت السعودية مليارات الدولارات في هذه الحرب، وتجد حاليا مدنها ومطاراتها مستهدفة من جانب طائرات الحوثي بدون طيار.

وفي سبتمبر/أيلول الماضي، تعرضت منشأتين حيويتين لشركة "أرامكو" النفطية لهجوم بطائرات مسيرة أعلنت جماعة الحوثي اليمنية مسؤوليتها عن تنفيذه، وبلغت تقديرات الخسائر  ملياري ريال (533 مليون دولار).

وفي هذا الصدد، يعتقد "مايكل ستيفنز"، خبير شؤون الخليج في مركز الخدمات المتحدة الملكي في لندن، أن الحرب كانت مضرة للسعوديين ولليمن أيضا.

وقال: "الحرب لم تحقق فائدة تذكر للسعودية ومن الناحية الاستراتيجية يمكنك القول إن الرياض في وضع أضعف مما كانت عليه في عام 2015".

وبجانب ذلك ورطت السعودية حكومات حلفائها مثل بريطانيا والولايات المتحدة وحكومات غربية أخرى في مشاكل داخلية؛ بسبب تزويدهم الرياض بالأسلحة التي تستخدمها في تلك الحرب وبعضها وقع في أيدي الميليشيات.

ووفق تقارير سابقة، تضطر المملكة لتجديد ترسانتها من الصواريخ الاعتراضية أو تغييرها بمبالغ طائلة، وقد اتفقت مؤخرا على شراء صواريخ "إس-400" من روسيا ومنظومة "ثاد" من الولايات المتحدة.

كما أن صواريخ الباتريوت المنشورة على نطاق واسع بمواقع عديدة من المملكة تكلف عمليات صيانتها مئات الملايين من الدولارات.

وتشير تقارير سعودية إلى أن تكلفة الطائرات المشاركة بالحرب تصل إلى نحو 230 مليون دولار شهريا، تشمل التشغيل والذخائر والصيانة؛ أي أكثر من 8 مليارات دولار في 3 سنوات.

وفي مارس/آذار الماضي، أعلنت قوات التحالف بقيادة السعودية أن عدد الطلعات الجوية التي نفذها طيرانه في اليمن بلغت أكثر من 90 ألفا، وبالتالي تكون تكاليف الضربات الجوية قد بلغت خلال عامين ما بين 7 و9 مليارات دولار؛ إذ تتراوح تكلفة الطلعة بين 84 ألفا و104 آلاف، وهي تكلفة الطلعة بمقاييس القوات الجوية الأمريكية.

ووفق مجلة "فورين بوليسي" فإن نفقات قمرين اصطناعيين للأغراض العسكرية بلغت 1.8 مليار دولار في الأشهر الستة الأولى للحرب، بينما تبلغ تكلفة طائرة الإنذار المبكر "أواكس" 250 ألف دولار في الساعة، أي 1.08 مليار دولار سنويا.

وقدرت مجلة "تايمز" البريطانية تكلفة الحرب بنحو 200 مليون دولار يوميا،  أي 72 مليار دولار سنويا و216 مليار دولار في 3 سنوات، بينما تشير مصادر أخرى إلى أن المبلغ أكبر بكثير.

فيما تقدر "فورين بوليسي" تكلفة الحرب بنحو 725 مليار دولار في الأشهر الستة الأولى فقط منها الصفقات العسكرية للمملكة.

وبناءً على الواقع الميداني وتعرض معظم الشركات الصناعية والتجارية في المنطقة الجنوبية لهجمات الحوثيين توقفت هذه الشركات عن العمل.

كما دفعت المواجهات إلى إخلاء نحو 10 قرى ونقل أكثر من 7000 شخص من مناطق حدودية وإغلاق أكثر من 500 مدرسة، بما يعنيه ذلك من خسائر كبيرة.

كانت صحيفة "واشنطن بوست" قدرت الخسائر البشرية للمملكة في المناطق الجنوبية بنحو 2500 جندي، و60 ضابط.

 وأشارت إلى أنه تم تدمير نحو 650 دبابة سعودية بمناطق نجران وجازان وعسير، ومئات العربات الأخرى.

وتمثل المعارك في هذه المحافظات الحدودية نزيفا حقيقيا للجيش السعودي، وترفع تكلفة الحرب على اليمن بمئات ملايين الدولارات، إضافة إلى أن الخسائر البشرية الكبيرة فيها تحرج بشكل كبير ولي العهد "محمد بن سلمان"، باعتبار اليمن "حربه الخاصة" التي بدأها عندما تسلم منصبه وزيرا للدفاع.

وهذا الاستنزاف المستمر في الحد الجنوبي للسعودية أو في اليمن نفسه رفع بشكل كبير من موازنة التسلح السعودية وجعلها الزبون الأول عالميا؛ حيث أبرمت العام الماضي صفقة شراء أسلحة مع واشنطن بقيمة 100 مليار دولار وقد تصل إلى 350 مليار دولار خلال 10 سنوات، وصفقات أخرى مع فرنسا وألمانيا والصين وروسيا.

وتستنزف الخسائر العسكرية في اليمن احتياطي الدولة من النقد الأجنبي بشكل غير مسبوق؛ إذ انخفض إلى 487 مليارا في يوليو/تموز 2017 بعد أن كان 737 مليار دولار في الفترة نفسها من عام 2014، وزاد الإنفاق العسكري بنحو 22.6 مليار دولار في العام الأول من حرب اليمن، مقارنة بعام 2013.

واعتمدت المملكة على الاقتراض في خطوة نادرة، وعلى رفع الضرائب والأداءات والأسعار والرسوم على العمالة الوافدة؛ ما أدى إلى متغيرات غير مسبوقة في الحالة الاجتماعية التي ارتبطت أيضا بتحولات دينية وسياسية قادها ولي العهد.

المصدر | الخليج الجديد