الأربعاء 11 ديسمبر 2019 06:04 م

قد توحي دعوة أمير قطر لحضور قمة مجلس التعاون الخليجي في 10 ديسمبر/كانون الأول، من بين مؤشرات أخرى على التقارب، بأن التوترات في مجلس التعاون الخليجي كانت في طريقها للحل. ومع ذلك، لا تزال مواقف الدول المتورطة في الأزمة تشكل تهديدا للمصالحة داخل مجلس التعاون الخليجي.

وأفادت صحيفة "وول ستريت جورنال" أن وزير الخارجية القطري، الشيخ "محمد بن عبدالرحمن آل ثاني"، قد زار الرياض في شهر أكتوبر/تشرين الأول، حيث ذكرت وسائل الإعلام أن قطر عرضت إعادة النظر في سياستها الخارجية، بما في ذلك قطع العلاقات مع جماعة الإخوان المسلمين. وعلى ما يبدو، يوجد تواصل مستمر بين السعودية والدوحة عبر القنوات الخلفية من أجل البحث عن حلٍ وسط.

وتقدم قطر نفسها على أنها مؤيدة لحل أزمة مجلس التعاون الخليجي وتحترم رغبات جيرانها.

وقال مسؤول قطري رفيع لـ"المونيتور": "منذ بداية الحصار غير الشرعي على قطر، كنا واضحين أن قطر مستعدة للعمل في إطار مجلس التعاون الخليجي لإيجاد حل ورحبنا بكل فرصة لحل الحصار المستمر من خلال الحوار المفتوح والاحترام المتبادل لسيادة كل دولة".

ولدى السعودية الآن الكثير من الدوافع لتغيير موقفها. ففي البداية، بدعم من 3 حلفاء مقربين وهم الإمارات العربية المتحدة ومصر والبحرين، شعرت السعودية بثقة كبيرة لإطلاق الحصار ضد قطر وعزل البلاد. وقد فرضت هذه الدول معا حظرا على السفر ضد قطر، وقاموا بوقف الصادرات إليها، وقطعوا العلاقات الدبلوماسية معها، سعيا للضغط على الدوحة لاتباع مواقفهم السياسية.

وكانت قناة "الجزيرة" القطرية قد قدمت تغطية إيجابية لثورات الربيع العربي، التي استفادت منها جماعة "الإخوان المسلمون" بسبب هياكلها التنظيمية المتماسكة وقدرتها على الحشد. ونظرا لأن الرياض وأبوظبي ينظران إلى جماعة "الإخوان" على أنها تهديد لبقاء أنظمتهما، فقد انتقد السعوديون والإماراتيون السياسة الخارجية لقطر.

تغير المياه

لكن الكثير من الأمور تغيرت منذ بداية الحصار، حيث تعرضت السعودية للمشكلات على جبهات متعددة. وعلى الرغم من إنفاقها الكبير على حرب اليمن، التي بدأت في مارس/آذار 2015، واجهت المملكة انتكاسات كبيرة، حيث يشكل الحوثيون في اليمن الآن تهديدا أمنيا متزايدا للمملكة.

علاوة على ذلك، فإن الهجوم على منشآت المملكة النفطية في سبتمبر/أيلول، قد أثار صدمة للمملكة، ليس فقط بسبب آثاره الاقتصادية، ولكن لأنه كشف مدى ضعف المملكة على المستوى الدفاعي. وقد تم ربط هذا الحادث بسياسة السعودية الخارجية العدوانية. وفي الوقت نفسه، صمدت قطر اقتصاديا أمام الحصار، وزادت من علاقاتها مع إيران وتركيا، وحققتمزيدا من الاكتفاء الذاتي.

وقد منحت هذه التحولات السعودية المزيد من الحوافز لإصلاح العلاقات مع قطر.

وقال "أندرياس كريج"، الباحث في كلية الدراسات الأمنية بجامعة "كينجز كوليدج": "لقد انخرطت السعودية في حوار مع الحوثيين، وأبدت مزيدا من الانفتاح على التعامل مع إيران، ويسعى بن سلمان للحفاظ على دعم واشنطن ليس بوصفه الرجل الذي أمر بقتل "خاشقجي"، وبدأ الحرب في اليمن، وفرض حصارا على جارته قطر، ولكن كرجل يمكن أن يحقق الاستقرار في المنطقة".

وفي أزمة خليجية سابقة، استدعت السعودية والإمارات ومصر والبحرين سفراءها من قطر في مارس/آذار 2014، مما أشار إلى وجود توترات عميقة. وعلى الرغم من أن الأزمة قد تم حلها مؤقتا في نوفمبر/تشرين الثاني من ذلك العام، إلا أن هذه البلدان سعت إلى إجبار الدوحة على التماشي مع سياسات ومواقف بقية دول مجلس التعاون الخليجي.

ومع ذلك، يعتمد تحسين العلاقات الخليجية على قبول السعودية للمصالحة مع الدوحة أولا، وهو ما يبدو مرجحا بشكل متزايد في الاتصالات السرية التي برزت في الأشهر الأخيرة.

وقال "كريج": "أعتقد أن المحادثات عبر القنوات الخلفية في الأشهر الأخيرة، والزيارة الكبيرة التي قام بها وزير الخارجية القطري إلى الرياض، قد فتحت فرصة للتقارب. وبعد تجدد الضغط على السعودية من واشنطن، رأينا السعوديين يلعبون أدوارا أكثر اتزانا في المنطقة".

ومع ذلك، تسعى الرياض إلى تحقيق المصالحة للحفاظ على مصالحها وسمعتها، وليس رغبة في تعزيز العلاقات مع الدوحة. وبالتالي فإن العداوة تحت السطح باقية، خاصة وأن السعودية والإمارات اتهمتا قطر في 2 ديسمبر/كانون الأول بالفشل في تلبية مطالب الحصار.

عقبات

ونتيجة لذلك، فإن جهود التقارب الحالية ربما لن تؤدي إلا إلى فتح بعض قنوات الاتصال، وليس حل الخلافات الأساسية التي أدت إلى أزمات 2014 و2017.

وكدليل على ذلك، امتنع أمير قطر "تميم بن حمد آل ثاني" عن حضور القمة الخليجية في الرياض وأرسل رئيس الوزراء بدلا منه.

ومن المرجح أن تبقى قطر متشككة في دوافع دول الحصار، وسوف تتجنب العودة إلى الاعتماد على الصادرات السعودية. وقد يثير عدم رغبتها في قطع علاقاتها الجديدة مع إيران وتركيا غضب السعودية. ولكن بما أن الرياض تظهر حاليا موقفا إقليميا أكثر براغماتية، فقد تتغاضى عن هذه الاختلافات في الوقت الحالي على الأقل.

ومن الأهمية بمكان أن تلك المحاولات لرأب الصدع الخليجي مهددة أيضا بسبب عدم وجود رغبة لدى الإمارات لاستعادة العلاقات مع قطر.

وكما قال "كريج"، يبدو أن "محمد بن سلمان" أكثر مرونة في العودة إلى حالة "السلام البارد" مع قطر من "محمد بن زايد". وبالنسبة لأبوظبي على وجه الخصوص، فإن الطموح الإقليمي القطري وموقفها الاستراتيجي، وسياستها الخارجية المستقلة بشكل متزايد، تقوض سياسة الإمارات المتمثلة في دعم الاستقرار السلطوي والأنظمة الاستبدادية". وأضاف "كريج" أنه يعتقد أن "بن زايد أقل قدرة على التغاضي عن هذا من السعوديين".

ومع اتخاذ دولة الإمارات موقفا أكثر حزما على الصعيد الإقليمي، يقوض هذا استعدادها لتطبيع العلاقات مع قطر. وفي حين لا تواجه الإمارات التحديات الاقتصادية والأمنية ذاتها التي تواجهها الرياض، فإن لدى الإمارات حافزا أقل لتحسين العلاقات مع الدوحة.

وعلى غرار الخلافات بين السعودية والإمارات حول اليمن، فإن لدى البلدين مصالح متضاربة على ما يبدو بشأن استعادة العلاقات داخل مجلس التعاون الخليجي. وإذا كانت الرياض تحبذ التقارب مع قطر، وردت الدوحة بالمثل، فسوف تعرقل معارضة الإمارات هذه التطورات.

في السياق نفسه، جددت مصر، التي شنت حملة صارمة على جماعة "الإخوان المسلمون" منذ عام 2013 اتهامها لقطر مرة أخرى بدعم الإخوان في 3 ديسمبر/كانون الأول. ولا تزال القاهرة تتبنى نفس روايات أبوظبي، وتطالب الدوحة بأن تحظر الجماعة رسميا.

لذلك، فإن السعودية وحدها هي التي تدعم استعادة العلاقات مع الدوحة. وبينما تعارض أبوظبي الموقف السياسي المستقل لدولة قطر، فإنها ستؤيد الضغط المستمر واستمرار الحصار. وتتمتع الإمارات في نهاية المطاف بسلطة أكبر لتعطيل مبادرات السلام داخل مجلس التعاون الخليجي أكثر من قدرة السعودية أو قطر على إنفاذها.

المصدر | جوناثان هارفي - المونيتور