الثلاثاء 17 ديسمبر 2019 06:02 ص

الجزائر.. «العصابة» والتغيير

المهمة أمام تبون معقدة لكنه اختار خوض الرهان فلا سبيل أمامه إلا مواجهة «العصابة» والإصغاء لمن قادوا التغيير.

لا التغيير الشامل ممكن بجرة قلم، ولا المنظومة الحاكمة المدججة بأنياب القوة ستسلم الأمور بسهولة.

تراكم للمنظومة الحاكمة خبرة تعلّمها كيف تُناور وتُرعب ولا تتورع عن إسالة أنهار من الدماء حفاظاً على سلطتها.

الجزائر تستحق الأفضل أكثر وأعمق مما تم ويتم، وهذا ينطبق على بلاد عربية أخرى ما زالت حناجر المحتجين تهدر بساحاتها.

*     *     *

يصعب التنبؤ إلى أين ستسير الجزائر بعد انتهاء الانتخابات الرئاسية فيها بفوز عبد المجيد تبون. من قاطعوا الانتخابات احتجاجاً كانوا الأكثرية، لكن الانتخابات تمت وجاءت برئيس جديد خلفاً للمستقيل عبد العزيز بوتفليقة، الذي كان الإعلان عن إعادة ترشحه لولاية جديدة السبب في اندلاع الاحتجاجات الشعبية المستمرة.

ما جرى ويجري في الجزائر، شأنه شأن كل الاحتجاجات العفوية التي نراها من حولنا، تُطلقه شرارة واحدة فقط، كرفع أسعار البنزين، أو فرض ضرائب جديدة، أو إعادة إعلان ترشح رئيس جديد أقعده المرض والعمر، وسرعان ما تتحول إلى طوفان لا يقبل من باتوا في لجّته بأقل من التغيير الشامل، ونبذ كامل المنظومة سبب كل تلك المآسي.

لا التغيير الشامل ممكن بجرة قلم، ولا المنظومة الحاكمة المدججة بأنياب القوة ستسلم الأمور بسهولة، خاصة أنه تراكم لها من الخبرة ما يعلّمها كيف تُناور وتُرعب، ولا تتورع عن إسالة أنهار من الدماء حفاظاً على سلطتها، لكن يحسب للجزائر أنه على مدار أشهر مستمرة من الاحتجاجات لم ترق نقطة دم واحدة في شوارعها.

أظهرت منظومة الحكم هناك صبراً وحكمة افتقدنا نظيرهما في بلدان عربية أخرى، فلم تدخل في صدام دموي مع المحتجين، وأظهر المحتجون وعياً ورقياً وتحضراً في احتجاجاتهم وحموا انتفاضتهم من مظاهر العنف وأبقوا عليها كما بدأت سلمية.

خلال أشهر أبعدت وجوه صارخ وسافر تورطها في الفساد والطغيان، بعضها أدخل السجن وقُدِّم للمحاكمة، وصدرت بحق بعضها أحكام، لكن المحتجين استمروا يطالبون بالمزيد.

هؤلاء على حق في قناعتهم بأن الجزائر تستحق الأفضل. تستحق أكثر وأعمق مما تم ويتم، وما يقال عنها ينطبق على بلدان عربية أخرى ما زالت حناجر المحتجين تهدر في ساحاتها.

انتخاب عبد المجيد تبون محطة في مسار الأحداث لا يصح تجاهلها. الرجل ليس من خارج بنية الدولة العميقة الحاكمة، لكنه لم يمش دائماً على هواها، لم يمكث في منصب رئيس الحكومة سوى ثلاثة أشهر؛ لأن ما سعى إليه من خطوات غير مسموح به، فاستقال أو حُمل على الاستقالة.

في تصريحاته الأولى بُعيد انتخابه وعد الرئيس المنتخب بوضع دستور جديد للبلاد وعرضه على استفتاء شعبي، ودعا إلى حوار مع الحراك الشعبي الذي وصفه بـ«قائد عملية التغيير»، وكرر مراراً مفردة «العصابة» التي قادت الجزائر إلى ما خرج المتظاهرون احتجاجاً عليه.

المهمة أمام تبون معقدة وشائكة، لكنه مادام اختار خوض الرهان فلا سبيل آخر أمامه إلا مواجهة «العصابة» والإصغاء لمن قادوا التغيير.

* د. حسن مدن كاتب صحفي من البحرين

المصدر | الخليج - الشارقة