الجمعة 20 ديسمبر 2019 02:08 م

"الدين في البلدان الأفريقية استراتيجية فعالة لممارسة التأثير، تستغلها تركيا والسعودية وإيران".. هكذا وصف تحليل "بكاري سامبي"، مدير معهد أبحاث تيمبوكتو، في عاصمة السنغال (دكار)، تسابق الدول الثلاث في تشييد المساجد بالقارة السوداء.

ويشير الباحث في الراديكالية والنزاعات الدينية بأفريقيا إلى أن الدول الإسلامية ذات النفوذ الإقليمي تنظر للمساجد باعتبارها "معيار للقوة بين بلدان الشرق الأوسط تجاه بعضها"، ومساحة للتنافس على مدى امتداد قوتها الناعمة، وفقا لما نقله موقع "دويتشه فيله" عربي، الجمعة.

ففي كثير من دول أفريقيا، ليس هناك في الغالب حاجة إلى أكثر من المال لبناء مسجد، وهو ما يشير إليه خبير الإثنيات بمركز لايبنيتس للمشرق الحديث في برلين "عبد الله سوناي" في حالة النيجر، التي يعيش فيها أكثر من 21 مليون نسمة 99% منهم مسلمون.

ويضيف: "قبل فترة وجيزة كان بإمكان كل شخص يتوفر على الوسائل أن يبني مسجدا في النيجر. لم يكن هناك تنظيم".

لكن كل دولة تنشر أفكارها ونموذجها من خلال تلك المساجد، ولذا ما إن بدأت إيران الشيعية بتشييد المساجد في الدول الأفريقية الغربية (السنغال وساحل العاج وغينيا ونيجيريا)، حتى تبنت السعودية استراتيجية مضادة لبناء المساجد بالدول ذاتها بشكل متزايد "للحفاظ على الناس (المتدينين) هناك في كنف السلفيين"، كما يقول "سامبي".

وينتج عن ذلك أحيانا مواجهات طائفية واعتداءات متبادلة، كما يجري في نيجيريا التي "تشعر الأقلية الشيعية فيها بأنها مضطهدة، وتحصل مواجهات عنيفة بين المؤسسات الشيعية والسنية" بحسب الباحث السنغالي.

ومنذ 1990 تحولت المساجد في دول أفريقية كثيرة إلى أماكن لتنازع النفوذ الإقليمي بحسب "سوناي"، الذي أشار إلى "السلفية المتنامية" برعاية سعودية، كأحد أهم الأسباب لذلك.

ويضيف: "العربية السعودية تدعم التوجه الراديكالي في الإسلام (..) التوجه السلفي القوي في أفريقيا أدى إلى مشاكل كبيرة، فمنذ التسعينات، أي منذ أن بدأت السعودية تدعم السلفية يوجد نزاعات أكثر".

وفي نيجيريا ساهم التوجه الراديكالي في نشأة ميليشيا "بوكوحرام"، وقد استغل زعيمها السابق "محمد يوسف" مسجده لنشر أيدولوجية جهادية، وكان مدعوما من السعودية، حسب "سوناي".

وعانت الزوايا الصوفية من هذا التوجه الراديكالي، حسبما يرى "سامبي"، الذين يصف الصوفيين في غرب أفريقيا بأنهم "متسامحين، بينما يهدف السلفيون (المدعومين سعوديا) إلى تدميرهم".

ورغم العدد المتفوق للصوفيين وتجذرهم التقليدي بالغرب الأفريقي، إلا أن السلفية تكتسب الهيمنة بسبب أموال الدعم السعودي، وفق الباحث السنغالي.

ورغم أن المملكة تدعي منذ سنوات أنها لا تتعاون مع السلفيين في أفريقيا، إلا أن "سامبي" يتحدث عن "دبلوماسية سعودية مزدوجة" لا تقدم فيها "الدولة" أي أموال للسلفيين، بينما تقوم منظمات خاصة بهذا الأمر.

لكن الأمر بالنسبة لتركيا لا يعتمد على نشر أيدولوجيا معينة بالأساس، وإنما يعود إلى "تطلعها إلى الظهور كقوة اسلامية بديلة للسعودية" حسبما يرى "سوناي".

وفي هذا الإطار، افتتحت في جيبوتي، في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، أكبر مساجدها "عبدالحميد الثاني"، بمساحة 13.000 متر مربع وسعة 6000 شخص و منارتين شاهقتين يصل ارتفاعهما إلى 46 مترا، وجدران تزينت بمخطوطات عثمانية كلاسيكية.

وشيدت مؤسسة "ديانات" التركية الحكومية المسجد كعلامة على ارتباط أقوى بين جيبوتي وأنقرة، وجلبت الجزء الأكبر لمواد بنائه من تركيا.

 ونشأت فكرة المسجد عام 2015، حين قال رئيس جيبوتي "إسماعيل عمر غيلي"، أثناء زيارة الرئيس التركي "رجب طيب أردوغان"، إنه يتمنى مسجدا بفن معماري عثماني في بلاده.

ومولت تركيا بناء أكثر من 100 مسجد ومؤسسة تعليمية في 25 بلدا أفريقيا، بينها جيبوتي وغانا وبوركينا فاسو ومالي وتشاد، وشاركت في ترميم مساجد في جنوب أفريقيا وبناء "مسجد نظامية" الذي يُعد أكبر مسجد في النصف الجنوبي من القارة الأفريقية.

وحتى في ترميم "مسجد التضامن الإسلامي" بعاصمة الصومال (مقديشو) قدمت تركيا المساعدة، وهو أكبر مسجد في القرن الأفريقي، ويتسع لأكثر من 10 آلاف مصل.

ويعد هذا المسجد رمزا دالا على ساحة السباق بين تركيا والسعودية، إذ تم تشييده في الأصل عام 1987 بأموال من مؤسسة "فهد بن عبدالعزيز آل سعود".

المصدر | الخليج الجديد