السبت 28 ديسمبر 2019 06:32 م

فريضة التنوع الاقتصادي في الخليج

استمرار تراجع أسعار النفط دون 50 دولاراً للبرميل يخلق مشاكل اقتصادية ومالية وربما سياسية لبعض دول الخليج.

عجز الموازنات العامة وزيادة الإنفاق العام، ومعه زيادة الدين العام، قد يدفع الحكومات إلى اتخاذ قرارات تقشفية.

الرؤى المعتمدة قبل سنوات من قبل الحكومات تنص على تنوع الإيرادات العامة وعدم الاعتماد على النفط والغاز.

وجّهت أزمة الخليج ضربة اقتصاديّة وسياسية واجتماعية قويّة للتنوّع المنشود خاصة القائم على مبدأ التكامل والمصلحة.

مطلوب تحقيق التنوع قبل تبخر الأموال المتوافرة واستغناء العالم عن النفط إلى طاقة نظيفة حينها لن ينفع الندم.

*     *     *

تحتاج دول الخليج أكثر من أي وقت مضى إلى التنوع الاقتصادي لأسباب عدة من أبرزها استمرار تراجع أسعار النفط، المصدر الرئيسي للموازنات الخليجية، رغم المحاولات التي بذلتها منظمة "أوبك" والمتحالفون معها، مثل روسيا، لوقف التراجع وآخرها قرار خفض الإنتاج بنحو 1.7 مليون برميل يوميا.

وفي حال إذا ما استمر تراجع أسعار النفط، أو قل سعر البرميل عن 50 دولاراً، فإن هذا قد يخلق مشاكل اقتصادية ومالية وربما سياسية لبعض دول الخليج.

فعجز الموازنات العامة وزيادة الإنفاق العام، ومعه زيادة الدين العام، قد يدفع الحكومات إلى اتخاذ قرارات تقشفية، منها زيادة أسعار السلع والخدمات كالكهرباء والمياه وغيرها، وخفض الدعم الحكومي المقدم لسلع أساسية مثل الأغذية والوقود، وفرض الضرائب والرسوم على الخدمات الحكومية، والإسراع في الخصخصة وبيع الشركات العامة.

وقد يمتد التقشف الحكومي إلى فرض ضرائب على دخول الأفراد، وربما ينتهي الأمر إلى نهاية الدولة الأبوية في منطقة الخليج وهي الحاضن، الراعي للمواطن، المنتج، الصانع، المستورد، الموفر لفرص العمل.

كما أن هذا العجز المالي قد يشل يد الحكومات في ضخ أموال في المشروعات الاستثمارية والانتاجية، وبالتالي التوقف عن تعيين الخريجين الجدد في الوظائف الحكومية كما هو الحال في بعض الدول العربية الأخرى، وبالتالي انتشار البطالة خاصة بين الشباب.

ومن هنا تأتي أهمية التنوع الاقتصادي في منطقة الخليج وتحويل الرؤى المعتمدة قبل سنوات من قبل الحكومات، والتي تنص على تنوع الإيرادات العامة وعدم الاعتماد على إيرادات النفط والغاز، إلى واقع.

ورغم قطع دول الخليج خطوات مهمة في هذا الشأن، إلا أن الأزمة الخليجية وحصار قطر منذ 5 يونيو 2017 ضربا هذه المحاولات الجادة في مقتل، وأجهضا أفكاراً ومشروعات غاية في الأهمية.

لقد وجّهت أزمة الخليج ضربة اقتصاديّة وسياسية واجتماعية قويّة إلى ذلك التنوّع المنشود، خاصة القائم على مبدأ التكامل والمصلحة عبر تأسيس مشروعات استثمارية مشتركة في قطاعات النقل والسياحة والطيران والخدمات المصرفية والبنوك، والربط الكهربائي، وخطوط السكك الحديد، والبتروكيماويات، ونهاية بتأسيس بنك مركزي موحد وعملة خليجية موحدة تكون نواة لعملة عربية في سنوات لاحقة.

رغم هذه التحديات السياسية وزيادة المخاطر الجيوسياسية الناجمة عن توتر العلاقة بين إيران ودول خليجية، إلا أن منطقة الخليج مرشحة للتنوع الاقتصادي سواء الجماعي أو الفردي، وإن شئنا الدقة هي مجبرة على ذلك التنوع لأسباب اقتصادية تتعلق بسعر النفط وتوقعات بعدم عودة الأسعار لما قبل العام 2013.

والظرف الحالي يساعد دول الخليج على ذلك التنوع الفردي على الاقل، فهناك سيولة مالية ضخمة متوافرة لدى دوله عبر احتياطيات أجنبية وصناديق سيادية تزيد فوائضها عن تريليوني دولار، أي ألفي مليار دولار، وهناك أموال رخيصة متاحة للمستثمرين من القطاع المصرفي وبسعر فائدة متدن ومدد طويلة.

اضافة إلى سعر صرف مستقر للعملات الخليجية مقابل الدولار، وبنية تحتية قوية في معظم دول الخليج، ومناخ سياسي مستقر إلى حد ما، وتوافر الطاقة من نفط وغاز واللازمة لقطاع الصناعة، والأهم فرص استثمارية واعدة في كل القطاعات الاقتصادية.

دول الخليج مطالبة بالتحرك لتحقيق ذلك التنوع الاقتصادي قبل أن يأتي اليوم الذي تتبخر فيه الأموال المتوافرة لديها، ويستغني العالم عن النفط ويتجه إلى الطاقة النظيفة مثل الرياح والطاقة الشمسية، وهنا لن ينفع الندم.

* مصطفى عبد السلام كاتب ومحرر صحفي اقتصادي

المصدر | العربي الجديد