الأحد 5 يناير 2020 02:37 م

يدفع مقتل الجنرال "قاسم سليماني" الولايات المتحدة نحو حافة صراع كبير مع إيران، لكن في التصعيد نحو الحرب، وفي أي حرب نفسها، قد يكون لطهران اليد العليا بالفعل.

ولفهم الكيفية، انظر إلى الاستفزاز الرئيسي الأخير في الشرق الأوسط: هجوم إيران المفاجئ في سبتمبر/أيلول الماضي على منشأة النفط السعودية في بقيق، فعلى عكس العجز الأمريكي الواضح في الرد على تلك الضربة، من المرجح أن طهران تشعر بالتجرؤ للرد الآن.

ثالوث إيران التهديدي

ذلك لأن إيران ووكلاءها يمكنهم الآن أن يهددوا بتنفيذ ضربات تعطيلية وربما كارثية على الأهداف الاستراتيجية الحيوية لخصومهم في جميع أنحاء المنطقة، وهم قادرون تمامًا على تنفيذ تلك التهديدات، باستخدام أسراب من الذخائر الدقيقة والحديثة بعيدة المدى.

ينبني هذا الثالوث على 3 عوامل رئيسية: أسلحة إيران المطورة، وتوسعها الإقليمي، وافتقار أعدائها إلى العمق الاستراتيجي.

ومن المثير للدهشة، أن إيران تُراكم هذه القدرات على الرغم من العقوبات المفروضة عليها، والقوات العسكرية التقليدية العتيقة، وميزانية الدفاع الصغيرة، وعدم وجود أسلحة نووية، فبدلاً من ذلك، تعمل إيران على إنشاء مزايا هجومية واضحة من خلال تحسين دقة ومدى الصواريخ الباليستية والطائرات بدون طيار.

على الرغم من أن هذه التقنيات لا تحظى بنفس أهمية وفتك الرؤوس النووية، لكن التقدم في المدى والفتك والدقة في الصواريخ الباليستية التقليدية قصيرة المدى في إيران يبعث على القلق، علاوة على أنها تنتج صواريخ باليستية مضادة للسفن مع توجيهات محسنة وقدرة على المناورة.

صواريخ "كروز" هي سلاح يتم تجاهله في المعتاد، ولكن يمكن القول إنه من الأسلحة شديدة الأهمية والفتك، وإيران تمتلك بالفعل نسخا للهجمات البرية متزايدة الدقة كتلك التي استخدمتها ضد بقيق، وبعض تلك الصواريخ له مدى يمكن أن يشمل منطقة الشرق الأوسط بأكملها.

كما أنها تنتج صواريخ "كروز" الأطول مدى المضادة للسفن والقابلة للإطلاق من البطاريات البرية المتنقلة أو من القوارب الحربية، وتقوم إيران أيضًا بتطوير صواريخ كروز الأطول مدى المضادة للسفن التي يمكن إطلاقها من الغواصات.

وتشكل الطائرات بدون طيار المحطة الثالثة من ثالوث طهران، في كثير من الأحيان تسمى "ذخيرة الرجل الفقير"، وتستخدمها إيران ووكلاؤها في هجمات على نمط الهجمات الجوية الانتحارية، حيث يمكن أن تعمل المركبة أيضًا كرؤوس حربية.

وقامت إيران مؤخرًا بتحسين دقة هذه الأسلحة، جزئيًا من خلال الهندسة العكسية للمركبات العسكرية الغربية التي تم اسقاطها والإمساك بها.

بفضل هذه التطورات، أصبحت الطائرات الإيرانية بدون طيار والصواريخ "أسلحة ذات فاعلية جماعية" عند استخدامها في أسراب لتطويق أكثر الدفاعات تطورًا.

كما تصدّر طهران هذه الأسلحة في جميع أنحاء المنطقة، حيث يمتلك "حزب الله" في لبنان و"الحوثيون" في اليمن ترسانات ملحوظة من الأسلحة النارية ذات الدقة العالية التي توفرها إيران، من الصواريخ الباليستية قصيرة المدى، وصواريخ "كروز" الأطول مدى المضادة للسفن، والطائرات المسيرة.

كما تحاول إيران تزويد "حزب الله" بالمعدات لتحويل آلاف الصواريخ غير الموجهة والقذائف المدفعية من العيار الكبير إلى ذخائر دقيقة، وتقوم إيران أيضًا بإمدادات الصواريخ الباليستية قصيرة المدى والطائرات المسيرة لوكلائها السوريين والعراقيين.

إلى جانب المجموعة المتنامية من ذخائرها الدقيقة، يحاصر هذا الانتشار خصوم إيران بحقول متداخلة من قذائف دقيقة بعيدة المدى، أو كما يطلق عليها الإسرائيليون "حلقة نار"، وعلى نحو متزايد؛ يمكن استهداف دول الخليج من إيران والعراق واليمن.

ويجب على (إسرائيل) أن تستعد لضربات من لبنان وسوريا والعراق واليمن في نهاية المطاف أيضًا، كما يمكن لجميع القواعد الأمامية لإيران أن تضرب القوات الأمريكية.

هذا التطويق يعزز القوة الكلية التي يمكن لطهران استخدامها ضد خصومها، حتى على مسافات بعيدة. بالإضافة إلى ذلك، لديها مبادرة للهجوم من الاتجاه الذي تختاره، أو عدة اتجاهات في وقت واحد، في حين يواجه المدافعون مهمة مستعصية بتوفير حماية 360 درجة.

هذا التهديد متعدد الاتجاهات يجبر أعداء إيران على نشر جهودهم المضادة بشكل أدق.

السعوديون والإماراتيون متورطون في وحل اليمن، منذ سنوات، وإن أي صراع كبير قريب المدى سوف يطرح مشاكل مشابهة للولايات المتحدة ولجميع حلفائها، وإن كان أكثر حدة من الناحية التشغيلية.

أهداف حيوية في خطر

من خلال تقوية عمقها الإستراتيجي الخاص بها، تعمد إيران إلى مزيد من التآكل لعمق خصومها، والذي يقتصر بالفعل على أعداد صغيرة جدًا من الأهداف المهمة جدًا، وبفضل الأسلحة الجديدة والتوسع الإقليمي، يمكن لطهران أن تمارس نفوذًا استراتيجيًا كبيرًا من خلال الاحتفاظ بهذه الأهداف الأساسية كرهينة.

يوجد حاليا حوالي 60 ألف جندي أمريكي في الشرق الأوسط، ويتركز معظمهم في القواعد الكبيرة في العراق، وبعض القواعد الجوية والبحرية في الخليج العربي، وعلى السفن الحربية، كما يعمل حلفاء أمريكا الإقليميون من خلال مجموعة من القواعد الجوية والبحرية أيضًا.

وبالمثل، تعتمد كل من السعودية والإمارات و(إسرائيل) على بضعة موانئ فقط، وعلى الناقلات العملاقة بطيئة الخُطى وسفن الحاويات التي تعمل معها، وذلك من أجل بقائهم الاقتصادي.

محطات توليد الكهرباء والمعالجة الكيميائية ومعالجة المياه قليلة بالمثل؛ لهذا فإن مهاجمة موقع تحلية المياه الأساسي في السعودية يمكن أن يؤدي بشكل فعال إلى انقطاع إمدادات المياه في البلاد لعام، أيضًا، تركز المشروعات الخليجية الكبرى مثل ناطحات السحاب والمطارات الأصول القيمة في أهداف مفردة كبيرة.

لسنوات، ضرب الحوثيون نقاط الضعف هذه بالضبط، مستخدمين صواريخ وطائرات مسيرة دقيقة ضد المباني الحكومية السعودية والقواعد العسكرية والمطارات وخطوط الأنابيب ومحطات الضخ، بالإضافة إلى السفن التجارية وناقلات النفط والقوات البحرية الأمريكية حول مضيق باب المندب الحيوي، وقامت إيران مؤخرًا باستهداف مدارج ومحطات في المطارات السعودية.

في الواقع، فإن سعي إيران لإطلاق صواريخ وطائرات مسيرة دقيقة بعيدة المدى يعني أنها لا تهدد أهداف المنطقة مثل المدن أو القواعد المترامية الأطراف فحسب، بل الأهم من ذلك هو الأهداف الدقيقة للبنية التحتية الحيوية مثل مراكز القيادة العسكرية، وحظائر الطائرات، وأرصفة الموانئ، وتقاطعات الطرق السريعة، وأبراج التبريد والقصور والسفارات.

في هذا السياق الأكبر، تتجاوز أهمية هجوم بقيق، ففي 17 دقيقة فقط، تسببت 18 طائرة مسيرة و7 صواريخ "كروز" قطعت 400 ميل من الشمال الشرقي في مسارات مناورة منخفضة التحليق، في إلحاق أضرار جسيمة بمباني متعددة في أكبر منشأة لمعالجة النفط في العالم.

وفي الوقت نفسه، كانت الدفاعات السعودية مواجهة للجنوب الغربي ناحية اليمن، وبحسب ما ورد فكرت إيران في مهاجمة ميناء بحري أو مطار أو قاعدة عسكرية أمريكية قبل اختيار بقيق.

الأهم من ذلك أن الرياض لم ترد، بينما أصدرت واشنطن المزيد من العقوبات، وهذا يبرز كيف أن تطور إيران وانتشار الذخائر الدقيقة بعيدة المدى يترجم إلى مزايا استراتيجية حقيقية.

رغبة تهدئة خليجية

قبل وقت من بقيق، تحوطت الإمارات تجاه طهران، بما في ذلك إنهاء العمليات ضد الحوثيين، كما بدؤوا مناقشة الأمن البحري مع إيران، حتى أثناء مشاهدة القوات الإيرانية وهي تهاجم حرية الملاحة في الخليج.

ومنذ بقيق، بدأت الرياض بهدوء تتبع دولة الإمارات، ومن غير المرجح أن يرحب أي منهما بالتصعيد العسكري في أعقاب مقتل "سليماني".

(إسرائيل) بالتأكيد أكثر حركية واستباقية، ومع ذلك، فإن قوات "حزب الله" القائمة تقيد حرية حركة (إسرائيل)، وتتسامح (إسرائيل) بشكل أساسي مع إطلاق الصواريخ بشكل منتظم من غزة كتشتيت عن الجبهة الشمالية، كما يهدد "حزب الله" بالانتقام الشامل إزاء عمل عسكري إسرائيلي أقوى، وربما أمريكي، ضد إيران.

على الرغم من الهجمات المتكررة في المنطقة منذ مايو/أيار الماضي، فإن إيران أطلقت أكبر تهديداتها دون تنفيذ، لكن طهران ووكلاءها يمكن أن يلحقوا أضرارا أكبر بكثير من هجوم بقيق، إذا اختاروا ذلك.

حتى قبل مقتل "سليماني"، حذر المسؤولون الأمريكيون والإسرائيليون من أن طهران لم تردع، وأن هناك توقعات بالمزيد من الهجمات.

استراتيجيات التدارك

إذا لم يتحول الاغتيال إلى صراع فوري، فهذا هو الوقت المناسب أكثر من أي وقت مضى لاستراتيجية "الضغط الأقصى"، هذا من شأنه أن يتجاوز العقوبات، لردع ودحض مشروع الذخائر الإيرانية الدقيقة.

تستطيع دفاعات صاروخ "كروز"، بما في ذلك أنظمة الأسلحة المقربة، اكتشاف ترسانات إيران وإلحاق الهزيمة بها بشكل أفضل من التعزيزات الأخيرة لدفاعات الصواريخ الباليستية الخليجية، كما يتعين على الولايات المتحدة وحلفائها أيضًا تنسيق دفاعاتهم الجوية الصاروخية، على الرغم من صعوبة ذلك.

هذا يستغرق بعض الوقت، لهذا فالإجراء الأكثر فورية، هو أنه يجب على الولايات المتحدة التأكد من أن (إسرائيل) لديها المنصات والذخيرة للتعامل مع ما سيأتي بعد ذلك.

منذ شهور، أكد المسؤولون الأمريكيون بشكل صائب على أهمية استعادة الردع ضد إيران، وإن الوصول لذلك يتطلب من الولايات المتحدة أن تعالج، بطريقة أو بأخرى، الأسباب الجذرية لكون إيران تمتلك اليد العليا في الشرق الأوسط.

المصدر | ناشيونال إنترست - ترجمة الخليج الجديد