الاثنين 6 يناير 2020 09:19 ص

"عندما تبدأ نعوش الجنود الأمريكيين في العودة إلى الولايات المتحدة سيدرك الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أنه خسر المنطقة والانتخابات".. هكذا قدم الأمين العام لحزب الله اللبناني "حسن نصر الله" خلاصة للرد الإيراني المحتمل على اغتيال قائد فيلق القدس بالحرس الثوري "قاسم سليماني" في قصف جوي أمريكي قرب مطار بغداد ليلة الجمعة الماضية.

وبقدر ما جاء خطاب "نصر الله"، التأبيني، مساء الأحد، مؤكدا اتجاه إيراني نحو "استهداف عسكري" للقوات الأمريكية بالمنطقة، بقدر ما كشف عن تفاصيل تشي بدور للحزب اللبناني، الموالي لطهران، في هكذا استهداف.

ظهر ذلك جليا عندما قال "نصر الله" في خطابه إن "القصاص العادل من قتلة سليماني سيكون مسؤولية المقاومين على امتداد العالم"، مذكرا بما اعتبره "فضل إيران" على "محور المقاومة" بالمنطقة، في رسالة مفادها ضرورة "رد الجميل" من جانب الحركات التي تتلقى دعما عسكريا من طهران.

ويؤشر التصور إلى أن التصعيد على جبهة فلسطين المحتلة قد يكون احتمالا إيرانيا قائما ردا على مقتل "سليماني"، باعتبار أن طهران ستستخدم "محورها" في المنطقة لاستهداف "حلفاء" الولايات المتحدة، وليس جنود القوات الأمريكية فقط.

هذا ما ذكره  القائد السابق بالحرس الثوري الإيراني "محسن رضائي"، نصا الأحد، عندما صرح بأن رد طهران "سيشمل مدينة حيفا ومراكز عسكرية إسرائيلية".

وذكر "رضائي" في كلمة بثها التليفزيون أمام تجمع للمشيعين في طهران: "انتقام إيران من أمريكا على اغتيال سليماني سيكون قاسيا... ستكون حيفا ومراكز عسكرية إسرائيلية ضمن الرد".

وفي حال حدوث هذا السيناريو، فإن حزب الله اللبناني سيكون في قلب التنفيذ، كما أن حركات المقاومة الفلسطينية ستكون مطالبة بدور مساند في قطاع غزة، وهو ما اعتبره مراقبون المستهدف الرئيس من تذكير "نصر الله" بـ "فضل" إيران على محور المقاومة الذي يجب أن يتم رده.

وفي هذا الإطار أيضا وجه "نصر الله" رسالة إلى حركات "محور المقاومة" بالمنطقة قائلا: "إيران لن تطلب منكم شيئاً وهي ستقرر، لكن عليكم القرار عما تنوون القيام به من قصاص، علينا تحديد قرارنا بالرد، لأن المسألة هي استهدافكم وليس استهداف إيران فقط".

لكن استجابة حركة حماس تحديدا لهذا السيناريو لا تبدو مؤكدة، خاصة في ظل موقف سابق للحركة من رفض الاصطفاف مع نظام "بشار الأسد" (حليف إيران) في سوريا، رغم اعترافها بتلقي دعم إيراني عسكري.

عادت المياه إلى مجاريها بين حماس وإيران بعد الانقلاب العسكري في مصر (3 يوليو/تموز 2013) وتصاعد مد الثورة المضادة بالمنطقة العربية، ما يعني أن قرارا لقيادة حركة المقاومة الفلسطينية بعدم المشاركة في تصعيد محتمل مع جيش الاحتلال الإسرائيلي لن يكون سهلا في المقابل.

وفي السياق، جاء تأكيد أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني "علي شمخاني" على أن رد بلاده على مقتل "سليماني" لن يقتصر على العمل العسكري المباشر ضد القوات الأمريكية في المنطقة، كما توعد بيان للمجلس الولايات المتحدة بـ"رد ثقيل ومؤلم يشمل المنطقة بأسرها".

وينسجم اعتبار المجلس "الهجوم الأمريكي الإجرامي ضد سليماني أكبر خطأ استراتيجي أمريكي في منطقة غرب آسيا"، مع تحديد "نصر الله"، في خطابه، لـ "خروج القوات الأمريكية من المنطقة" كهدف نهائي للرد على مقتل "سليماني"، بما يعني أن إيران ستسعى لتوظيف نفوذها في العراق أيضا بالتزامن مع تكبيد القوات الأمريكية خسائر بشرية مؤثرة.

من هنا جاء تأكيد "نصر الله" على أن اغتيال أي جنرال أو مسؤول أمريكي لن يكون ردا مكافئا لمقتل "سليماني"، باعتبار أن حذاء الأخير "برأس ترامب" حسب تعبيره، في ذات اليوم الذي صدق فيه مجلس النواب العراقي على قرار يلزم الحكومة بالعمل على إنهاء الوجود العسكري الأجنبي في البلاد.

ثمة إشارة إيرانية أخرى في خطاب "نصرالله" وضعت حدودا واضحة للرد المحتمل على مقتل "سليماني"، حيث أكد الأمين العام لحزب الله اللبناني أن "المدنيين الأمريكيين لن يتم المساس بهم".

برر "نصر الله" تأكيده بأن هذا الرد "يخدم سياسة ترامب"، بينما اعتبرها مراقبون أقرب إلى صيغة لعرض صفقة على الأمريكيين من رسالتين، الأولى مفادها أن "خروج قواتكم من المنطقة هدفنا، فيما سبتقى مصالحكم المدنية مؤمنة"، والثانية مفادها أن عدم خروج القوات الأمريكية من المنطقة يعني توالي إرسال نعوش جنودها إلى واشنطن.

ولا يستبعد أصحاب هذا الترجيح هكذا تحليل في ظل سوابق إيرانية لتنسيق غير مباشر جرى مع الولايات المتحدة، سواء في غزو الجيش الأمريكي لأفغانستان (2001)، أو في إسقاط نظام "صدام حسين" في العراق (2003).

الهدف السياسي من الرد الإيراني على مقتل "سليماني" إذن هو ضمان انتقال العراق إلى ساحة نفوذ أحادية لطهران بعد خروج القوات الأمريكية من المنطقة، وإلا فإن قرار استهداف القوات الأمريكية قد صدر من طهران لأذرعها في المنطقة بالفعل.

وفي المقابل، جاء رد "ترامب" على التهديدات الإيرانية بتهديد مقابل مفاده أن الجيش الأمريكي سيقوم باستهداف إيران في مواقعها الداخلية، في حال حاولت الرد على مقتل "سليماني" باستهداف أي شخصيات أو أصول أمريكية، مشيرا إلى أن "إيران لم تنتصر في أي حرب، لكنها لم تخسر أي مفاوضات".

قرأ مراقبون الرسالة باعتبارها "تهديدا مقابلا"، بينما قرأها آخرون باعتبارها "عرضا للتفاوض"، في إطار سوابق  التنسيق الأمريكي الإيراني سالفة الذكر من جانب، وفي ظل تحذير عسكريين أمريكيين من أن الولايات المتحدة ربما تكون على وشك الدخول في صراع كبير بالشرق الأوسط، من جانب آخر.

وبينما ترجح التعزيزات الأمريكية لقواعد الولايات المتحدة العسكرية في المنطقة بآلاف الجنود القراءة الأولى، تمثل استراتيجية "ترامب" المعلنة في التخفف من أعباء الشرق الأوسط ترجيحا للقراءة الثانية.

يأتي ذلك وسط مخاوف دولية من بوادر مواجهة محتملة بين أمريكا وإيران وأذرعها في المنطقة، تنعكس على العالم بأكمله، خاصة بعد توعد المرشد الأعلى الإيراني "علي خامنئي" بـ"انتقام مؤلم" لمقتل "سليماني".

فهل يمضي "ترامب" باستراتيجية الخروج من المنطقة وتسوقها إيران باعتبارها نصرا استراتيجيا كما جاء في تحديد خطاب "نصر الله" لتعريف "القصاص العادل" لـ "سليماني"؟ أم تمثل التعزيزات العسكرية بالقواعد الأمريكية تراجعا عن هكذا توجه؟ ربما تحمل الأيام القليلة المقبلة الإجابة.

المصدر | الخليج الجديد