الخميس 9 يناير 2020 07:10 م

مشهد تطبيعي آخر بامتياز

أدخل ذلك المسؤول رابطته في لعبة صهيونية وأقحم نفسه وأعضاء رابطته في لعبة بكائية الهولوكوست الشهيرة.

الذين يخلطون أوراق التطبيع مع الكيان الصهيوني بأوراق صراعات سياسية ومذهبية طائفية وقبلية ستحرقهم نارها أيضا.

لا يستطيع الإنسان تصديق أن علماء وشعوب ودول ينتمون لرابطة العالم الإسلامي سيرضون برؤية ذلك المشهد الحزين وتداعياته.

أليس التوقيع على وثيقة تعاون وتفاهم مع منظمة يهودية قبول ضمني بأهدافها ومواقفها المناقضة لحقوق الشعب الفلسطيني؟

*     *     *

في مشهد غامض محير تناقلته وسائل التواصل الاجتماعي، ونرجو أنه مفبرك ومدسوس، جلس مسؤول تابع لرابطة العالم الإسلامي، في مقابل مسؤول تابع لها يعرف بمنظمة المناصرة اليهودية العالمية (global Jewish advocacy ) ليوقعا على ما يبدو أنها وثيقة اتفاقية تفاهم واعتراف متبادل وتعاون في ما بين المنظمتين.

لنحلل المشهد: أهداف المنظمة اليهودية الكبرى معروفة ومعلنة، وهي الدفاع عن حقوق ومصالح كل فرد يهودي في العالم كله، والدفاع عن وحماية وجود ومصالح ومكاسب الكيان الصهيوني المغتصبة في فلسطين المحتلة، ودفع كل حكومات العالم، وعلى الأخص الغربية منها، نحو إصدار قوانين تحرم التعامل مع المنظمة الحقوقية الفلسطينية العالمية ( B.D.S) التي تواجه ظاهرة وممارسات الفصل العنصري الصهيوني تجاه الشعب الفلسطيني الأعزل المحاصر.

إذن نحن أمام منظمة صهيونية حتى النخاع، حتى لو لبست زورا وبهتانا ألبسة كل ملائكة هذا الكون. ومهما ادعت، فإنها مثلا، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، تبارك استيلاء الصهاينة على خمس وثمانين في المئة من أرض فلسطين التاريخية، ليسكن عليها ستة ملايين يهودي، مقابل أن يحشر اثنا عشر مليون فلسطيني عربي، مسلم ومسيحي، في الخمسة عشر في المئة الباقية.

وهي بالطبع تبارك طرح حوالي مليونين من الفلسطينيين من الكيان اليهودي حتى تقام دولة عنصرية نقية دينية يهودية، لليهود فقط، وهي أيضا تبارك القتل اليومي الممنهج لأطفال ونساء وشيوخ وشباب فلسطين، والاقتلاع الإجرامي لأشجار زيتونهم، وسرقة مياههم، وزج كل من يقاوم الاحتلال في السجون بدون محاكمات عادلة.

لنعد إلى ذلك المسؤول الذي يلبس لباس العرب، ويتكلم بلغتهم وينطق باسم دين الإسلام، ولنسأل: أليس التوقيع على وثيقة التعاون والتفاهم مع المنظمة اليهودية تلك هو قبول ضمني من قبل الرابطة الإسلامية لكل ما ذكرناه عن أهدافها ومواقفها المتناقضة تماما مع حقوق الشعب الفلسطيني القومية والدينية والإنسانية؟

ما يوحي بأن ذلك المسؤول أدخل رابطته في اللعبة الصهيونية الشهيرة، بقصد أو بدون قصد، وإقحام نفسه وأعضاء رابطته في لعبة بكائية الهولوكوست الشهيرة.

فحال توقيعه على الوثيقة ومصافحة المسؤول اليهودي بحرارة، جلس على كرسيه ليؤكد بكلمات منتقاة بأن أعضاء الرابطة، التي تمثل مليار ونصف المليار مسلم، يدينون ويشجبون الهولوكوست الألماني النازي بحق يهود أوروبا، الذي مورس منذ حوالي ثمانين سنة.

إلا أن المسؤول اكتفي بذكر الهولوكوست النازي بحق الأموات اليهود. وتجاهل بصورة مفجعة ذكر الهولوكوست الصهيوني الهمجي الحالي بحق الأحياء من عرب فلسطين.

لقد كان باستطاعة ذلك المسؤول أن يشجب الممارستين ويذكُر العالم كله بأن أبناء وأحفاد ضحايا الهولوكوست النازي انقلبوا إلى نازيين محترفين يمارسون الإجرام والفصل والاجتثاث العنصري نفسه، والقتل والحجز في المعتقلات والسجون نفسه، والاحتقار والكره نفسه لمواطني فلسطين العرب الأصليين من قبل المهاجرين الأغراب الجدد.

وهكذا، نقولها بصدق وإشفاق وحسرة، عرف ممثل المنظمة اليهودية، ذات الأهداف الصهيونية، كيف يحيل مناسبة التفاهم تلك إلى مكاسب للصهيونية العالمية، بينما أحال مسؤول الرابطة المناسبة إلى تجاهل تام للصراع العربي الصهيوني الوجودي، وعذابات وأحزان شعب فلسطين العربي الشقيق.

دعنا نطرح السؤال التالي: هل ما قام به ذلك المسؤول في الرابطة هو تنفيذ لقرار اتخذته الجمعية العمومية للرابطة، وعلمت به الجهات الرسمية العربية والإسلامية التي تدعم تلك الرابطة؟

وبالتالي هل يبارك الأعضاء ذلك المشهد بكل تفاصيله وملابساته وحركاته الرمزية وأقواله المتجاهلة لأحد أهم أهداف الرابطة القائل «خدمة قضايا العالم الإسلامي»؟ هل محنة شعب وأرض ومقدسات فلسطين قضية من قضايا العالم الإسلامي؟

سؤال صريح آخر: هل نفهم من ذلك المشهد السيريالي أنه جزء من خطوات التهيئة المجنونة للتطبيع العلني غير الخجول مع الكيان الصهيوني، والانتقال لتوقيع معاهدات سلام مع الكيان، الذي بدأ عتاة منظريه مؤخرا يجاهرون ويدعون بأن مكة والمدينة المحيطة بها هي أرض يهودية في الأصل، تماما مثل الأرض الفلسطينية، وبالتالي يجب أن تعود إلى حضن أمها الصهيونية؟

الذين يخلطون أوراق التطبيع مع الكيان الصهيوني بأوراق الصراعات السياسية والمذهبية الطائفية والقبلية، التي ستحرق الأخضر واليابس في وطن العرب، وفيما يسمى الشرق الأوسط، هؤلاء يجب أن يعرفوا أن النار ستحرقهم أيضا.

وسيعضون على أصابع الندم، يوم لا ينفع البكاء والندم. لا يستطيع الإنسان أن يصدق بأن جميع علماء وشعوب ودول العالم الإسلامي، الذين ينتمون لتلك الرابطة، سيرضون على رؤية ذلك المشهد الحزين وتداعياته.

* د. علي محمد فخرو كاتب ومفكر من البحرين.

المصدر | الشروق المصرية