الجمعة 10 يناير 2020 03:11 م

عندما تأسست دولة الإمارات في عام 1971، أراد الشيخ "زايد بن سلطان آل نهيان"، الذي كان رئيسها الأول وحاكم إمارة أبوظبي الأكثر أهمية والأكثر ثراءً، تبني سياسة خارجية محايدة غير لافتة للأنظار، ومدافعة عن الوحدة العربية و الوحدة الإسلامية.

لكن هذه الطريقة لم تنجح، حيث إن مجرد وجود الإمارات أغضب السعودية، التي تعتبر نفسها الزعيمة الفعلية للعرب السنة في الشرق الأوسط، ولهذا حاولت منعها من التأسيس، كما أحبطت أيضًا جهود أبوظبي لضم قطر والبحرين.

ظل الحكام الإماراتيون دائمًا يشكون في النوايا السعودية، حتى بعد إنشاء مجلس التعاون الخليجي، الذي يضم السعودية والإمارات والكويت وقطر والبحرين وسلطنة عمان.

لذلك؛ فقد سعى ولي عهد أبوظبي "محمد بن زايد"، منذ منتصف العقد الأول من الألفينات، لتحرير بلاده من السيطرة السعودية. لقد أصلح جيش بلاده دونما تقيد بتشدد الوهابية أو القومية، وسعى إلى تعزيز علاقة استراتيجية وثيقة مع الولايات المتحدة، ونجح نهجه جيدًا، مما أكسبه ثقة الولايات المتحدة كحليف موثوق به في الشرق الأوسط.

تزامن صعود الإمارات تحت قيادة "بن زايد"، مع انحسار النفوذ السعودي في واشنطن، خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول، حتى أن ولي العهد السعودي؛ "محمد بن سلمان"، استعان بـ"بن زايد" للضغط على واشنطن للحصول على الدعم، في خضم صراع على خلافة العرش السعودي، ويشاع أنه لم يتخذ خطوة سياسية دون استشارة "بن زايد" أولاً.

  • سياسة ثنائية القطب

لكن السياسات الخارجية السعودية والإماراتية بالكاد تعد موحدة، بل إن الإمارات تعد ثنائية القطب للغاية؛ فهي عدوانية في الشرق الأوسط لكنها خاضعة أمام الولايات المتحدة و(إسرائيل).

اشتبكت أبوظبي مع سلطنة عمان بسبب علاقاتها مع إيران، وأفسدت علاقاتها مع الكويت، كما أطلقت حملة إعلامية شرسة ضد تركيا، وحثت "بن سلمان" على حصار قطر، التي تراها الإمارات منافسًا طبيعيًا لها.

في الواقع، يرفض "بن زايد" قبول المنافسين في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا والقرن الأفريقي، لكنه لا يفوت فرصة أبدًا لإطلاع المسؤولين الأمريكيين على مدى تقديره للعمل معهم، وهنا تكمن المشكلة.

يعتقد "بن زايد" أنه أوجد دورًا فريدًا لنفسه في النظام العالمي الدولي، وبينما يتعامل مع الزعماء المؤثرين في البلدان القوية، ينسى أن اقتصاد بلده يعتمد على السلام والاستقرار العالميين. لذلك فإن الخطأ الرئيسي للسياسة الخارجية لأبوظبي هو التسلق إلى الصدارة الإقليمية.

  • وكيل مفيد

غير الغزو العراقي للكويت في عام 1990 التفكير الاستراتيجي لأبوظبي أكثر من أي شيء آخر. ففي تلك السنة، علمت أن عليها أن تخشى الدول العربية بقدر ما تخشى إيران.

أجبرت مخاوف هيمنة السعودية "بن زايد" على تحديث القوات المسلحة الإماراتية، ولا سيما القوات الجوية، فور تعيينه كنائب القائد الأعلى للقوات المسلحة عام 2005.

كان لدى أبوظبي إذن 3 أهداف للسياسة الخارجية: نشر نفوذها في جميع أنحاء الشرق الأوسط، إما بشكل مباشر أو من خلال التحالفات؛ وتدمير الإسلاميين الذين تهدد أيديولوجيتهم الملكية، أو على الأقل استبعادهم من الحياة العامة؛ وتشكيل تحالف دائم مع الولايات المتحدة و(إسرائيل).

وضعت هذه الأهداف دولة الإمارات في خلاف مباشر مع قطر وتركيا وجماعة "الإخوان المسلمين".

في أعقاب اندلاع الثورات العربية، أعادت أبوظبي هيكلة جهاز الأمن القومي لديها، داعيةً إلى اعتماد سياسة خارجية عدوانية وقائية تستخدم مزيجًا من القوة الناعمة والقاسية.

دعمت أبوظبي بشكل علني القوى المعادية للثورة في مصر وليبيا واليمن وتونس وتعاطفت مع النظام السوري. وعلى الرغم من تحالف الإمارات مع السعودية في اليمن، قتلت قواتها الجوية أكثر من 4 آلاف جندي من الحكومة التي تدعمها السعودية. (لعب بن زايد أيضًا دورًا مهمًا في الانقلاب العسكري الفاشل في تركيا في يوليو/تموز 2016).

وأدت إستراتيجية الإمارات إلى التوسع في القرن الأفريقي وما حوله؛ فقد أنشأت قواعد عسكرية في اليمن، وواحدة في إريتريا وأخرى في صوماليلاند، كما تدير قاعدتين جويتين في ليبيا.

لكن من المثير للاهتمام أن دولة الإمارات تعتمد على القواعد العسكرية الأمريكية والفرنسية والبريطانية والإيطالية، بالإضافة إلى الوحدات الكورية الجنوبية، لحمايتها.

جعلت العسكرة والتدخل في ظل حكم "بن زايد" الإمارات وكيلًا طبيعيًا للولايات المتحدة (وصف وزير الدفاع الأمريكي السابق "جيمس ماتيس" الإمارات بأنها "إسبرطة الصغيرة").

في إطار هذا الدور، عملت أبوظبي كقوة شرطة أمريكية في المنطقة، وأيدت بحماس صفقة القرن المشؤومة بين (إسرائيل) والسلطة الفلسطينية.

ولكن على الرغم من فائدتها، فإن المفارقة أن دولة الإمارات ليست مفيدة للولايات المتحدة لمواجهة لإيران، فعلى الرغم من بعض النزاعات السابقة، خاصة حول الجزر المتنازع عليها، فقد وجدت إيران والإمارات طرقًا للعمل معًا.

تعتبر دبي من الأمور الحيوية للتجارة الإيرانية، خاصة في وقت مثل هذه العقوبات الأمريكية المشددة، وهناك الكثير من المستثمرين الإيرانيين من القطاع الخاص في دبي. حوالي 8% من السكان من أصل إيراني، وحوالي نصف مليون إيراني يعيشون في البلاد. قد يكره المسؤولون الإماراتيون إيران، لكن القرب الجغرافي والديموغرافي يجبرهم على استيعاب جارتهم التي تفوقهم حجمًا.

بلد رائد؟

بدأت جهود "بن زايد" في السياسة الخارجية تلطخ صورة دولة الإمارات واقتصادها كواحة من الاستقرار والحداثة في الشرق الأوسط المضطرب، كما أحدثت توترات بين الإمارات وبعضها، وخاصة دبي، التي ستدمرها أي أعمال انتقامية من هذا الموقف العدواني، بما أنها معتمدة على الخدمات والاستثمارات الأجنبية.

على سبيل المثال؛ إذا أطلقت إيران صاروخًا على دبي، فقد تؤدي إلى ركود تام لاقتصادها، وإخراج العمال الآسيويين الذين تعد في أمس الحاجة إليهم.

تدير شركة "موانئ دبي العالمية" أكثر من 70 ميناء بحريًا حول العالم، في دول مثل باكستان وفرنسا وكندا والسنغال وأستراليا والأرجنتين والمملكة المتحدة ومصر وموزمبيق، وأعرب حاكم دبي، الشيخ "محمد بن راشد آل مكتوم"، عن قلقه من أن المغامرة العسكرية الطويلة يمكن أن تلحق الضرر بالنشاط التجاري في نهاية المطاف – وهو ما تسببت به بالفعل. ألغت جيبوتي وصوماليلاند اتفاقات مع موانئ دبي العالمي لإدارة محطة حاويات دوراله وميناء بربرة.

اجتمع الحكام السبعة في الإمارات في اجتماع طارئ بعد أن أسقطت إيران طائرة أمريكية مسيرة وقرر "دونالد ترامب" التراجع عن شن ضربات انتقامية.

خلال الاجتماع، قال "بن راشد" لـ "بن زايد" إن الوقت قد حان بالنسبة للإمارات لإعادة النظر في سياستها الخارجية، معتبرا أن تدخلهم يكلفهم الكثير من دون الحصول على أي مكسب من التدخل في شؤون البلدان الأخرى.

يعتبر "بن راشد" أن الاستثمار في دعم "خليفة حفتر" في ليبيا ضد الحكومة المعترف بها دوليًا هو مسعى فاشل، وأن تغيير النظام في ليبيا والسودان لن يضر أو يفيد الإمارات.

معظم القتلى الإماراتيين في اليمن، الذين يتجاوز عددهم 100 جندي، هم من الإمارات الفقيرة الخمسة، وخاصة الفجيرة. لعبت شكاوى حكامها دورًا حاسمًا في قرار "بن زايد" بسحب معظم الجنود من اليمن وإعادة نشر الباقين.

حكام الإمارات الفقيرة غير راضين عن الفارق الكبير بين نوعية الحياة بين أبوظبي ودبي من جهة والإمارات الشمالية الخمس من جهة أخرى، وعلى سبيل المثال، فإن دخل الفرد في أبوظبي أعلى بستة أضعاف من دخل عجمان. ويختلف جميع حكام الإمارات مع سياسة "بن زايد" في المنطقة العربية.

إن العقد الاجتماعي الذي يضمن نوعية حياة جيدة في مقابل الولاء غير المشروط لم يعد يرضي غالبية الإماراتيين، الذين يرغبون في تمثيل سياسي أكبر.

إن إعلان أبوظبي لمتحف اللوفر الخاص بها كنافذة على الإنسانية في ضوء جديد ينسجم بشكل جيد مع طرح الحكومة لمشروع عام التسامح. وبالتالي، من السهل خلق انطباع بأن دولة الإمارات في ظل حكم "بن زايد" هي دولة عربية رائدة، في ظل كون ثلث مجلسها الوطني مكونًا من النساء.

لكن حقيقة أن أبوظبي تدير 18 سجنا سريا في اليمن، حيث يعد التعذيب أمرًا معتادًا، يعتّم على الظاهر الليبرالي لها. ويبدو "بن زايد" آمنًا في المستقبل القريب، لكنه يخاطر بتآكل قوته ما لم يعدل سياساته الإقليمية لجعلها متوافقة مع تطلعات شعب الإمارات.

المصدر | هلال خاشان/جيوبولوتيكال فيوتشرز - ترجمة وتحرير الخليج الجديد