الاثنين 13 يناير 2020 04:07 م

استجابت الأسواق العالمية بطريقة خفيفة للتوترات المثيرة خلال الأسابيع الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران، عقب تصاعد التوتر بين البلدين بسبب الغارة الجوية الأمريكية التي قتلت اللواء "قاسم سليماني"، قائد قوة الحرس الثوري الإسلامي الإيراني، والهجوم الانتقامي الإيراني على قاعدتين في العراق تضمان القوات الأمريكية.

في أعقاب كل من الهجومين، قفزت أسعار النفط والذهب بينما انخفضت قيمة الأسهم، ومع ذلك، تراجعت أسعار النفط والأصول الآمنة، مثل الذهب، بسرعة بعد قفزتها السريعة، واستقرت الأسهم العالمية والخليجية إلى حد كبير وانتعشت.

ساهم بشكل أساسي انعدام وجود أي انقطاع في التدفق الحر للنفط والتجارة في جميع أنحاء المنطقة في تعزيز الأسواق وإعطائها فرصة لتجاهل المخاوف من أن تتطور الهجمات على الفور إلى صراع أكبر.

لم تشكل جولة الهجمات هذه تهديدًا اقتصاديًا وجوديًا لدول الخليج العربي، ويبدو أن لهجة تخفيف التصعيد لبيان الرئيس "دونالد ترامب" الصادر في 8 يناير/كانون الثاني حدّ من التقلب في الأسواق العالمية والإقليمية.

ومع ذلك، فإن هذه الهجمات غير المسبوقة كانت بمثابة اختبار لمدى تحمل الاقتصادات العربية الخليجية؛ فحالة العلاقات الأمريكية - الإيرانية تزيد من تعقيد التحديات المستمرة التي تواجه واضعي السياسات الاقتصادية في المنطقة، الذين يتعرضون لضغوط متزايدة لتنويع الاقتصادات بعيدًا عن النفط والغاز، وخلق فرص عمل للمواطنين، وتشجيع النمو، وجذب الاستثمار الأجنبي المباشر.

رد فعل خفيف

ارتفعت أسعار النفط بنسبة 5% بعد هجوم 3 يناير/كانون الثاني الذي قتل "سليماني" في العراق، حيث تجاوزت العقود الآجلة لخام "برنت" 70 دولارًا للبرميل في 6 يناير/كاننون الثاني لفترة وجيزة، وهو حد أقصى للسعر لم يتم بلوغه منذ 16 سبتمبر/أيلول 2019.

في أعقاب الهجوم الإيراني في 8 يناير/كانون الثاني، وصل سعر خام "برنت" إلى 71.75 دولار للبرميل، لكن العقود الآجلة انخفضت إلى 65.65 دولار للبرميل بعد ذلك بفترة قصيرة.

يمكن لارتفاع أسعار النفط أن يساعد في ملء خزائن حكومات الخليج العربية على المدى القصير، وستتمتع الحكومات التي وضعت في اعتبارها تقديرات محافظة لأسعار النفط في حسابات موازنة عام 2020 - مثل توقعات سلطنة عمان بمبلغ 58 دولارًا للبرميل- بتخفف مالي مؤقت.

يؤدي ارتفاع أسعار النفط بسبب عوامل خارجية إلى تعقيد قدرة السعودية على تطبيق تخفيضات مستدامة في الإنتاج من قبل "أوبك" وحلف أوبك، أو مجموعة "أوبك+"، حيث توافقت المجموعة على الاستجابة لأي طارئ في الإمداد من خلال التراجع عن تخفيضات الإنتاج.

تؤدي القفزة في تكاليف شحنات النفط الخام عبر مياه الخليج إلى زيادة الضغط على سلاسل إمدادات النفط العالمية، وقد علّقت شركة "بحري" المدعومة من السعودية الشحنات عبر مضيق هرمز بعد الهجمات الصاروخية الإيرانية.

أي هجمات جديدة على منشآت النفط والغاز الإقليمية أو تعطيلات للنشاط التجاري في مضيق هرمز يمكن أن توسع نطاق المخاوف الاقتصادية إلى ما يتجاوز مشكلة الأسعار.

وضعت التوترات الأمريكية الإيرانية ضغوطًا إضافية على أسهم "أرامكو"، التي تراجعت بنسبة 1.7% على الفور بعد هجوم 3 يناير/كانون الثاني لتستمر في الانحدار الذي بدأ منذ 16 ديسمبر/كانون الأول الماضي.

بعد أن بلغ سهم الشركة ذروته عند 38 ريالا سعوديا (10.13 دولار)، استقر التداول حول 35.40 ريال (9.44 دولار) في نهاية عام 2019، ومع ذلك، فقد انتهى المطاف بسعر سهم الشركة عند 34.20 ريال (9.12 دولار) في 8 يناير/كانون الثاني، وهي أدنى نقطة منذ بدء تداول سهم شركة الطاقة العملاقة في السوق في 11 ديسمبر/كانون الأول 2019.

دفع انحدار سعر أسهم "أرامكو" منذ ذروة التداول في ديسمبر/كانون الأول بقيمة تقرب من 200 مليار دولار، بعض المحللين إلى إعادة تأكيد النظرية بأن قيمة الأسهم مبالغ فيها.

يعمل مصرف "جولدمان ساكس" كمدير لدعم سعر الأسهم في "أرامكو"؛  الدور الذي سمح للبنك بشراء أسهم إضافية من الشركة حتى 9 يناير/كانون الثاني.

لكن قُرب مرافق "أرامكو" من إيران وهجمات إيران أو الحلفاء الإيرانيين على منشآت النفط السعودية والبنية التحتية السعودية سيجعل من الصعب على المسؤولين السعوديين إعادة توجيه سعر السهم في اتجاه إيجابي، هناك مخاطرة أخرى تتمثل في أن حدوث هبوط في أسعار النفط قد يؤدي إلى المزيد من الضغط على أسهم "أرامكو"، لأنه يقلل من ربحية الشركة.

على عكس الانحدار المستمر لسعر سهم "أرامكو"، ارتفعت أسهم شركات النفط العالمية الرائدة "إكسون موبيل"، و"بي بي"، و"توتال"، و"رويال داتش شل"، إلى حد كبير، خلال الشهر المنتهي في 6 يناير/كانون الثاني، عندما تراجعت أسعار الأسهم.

بلغ سعر سهم شركة "شيفرون" ذروته في وقت أبكر، في 2 يناير/كانون الثاني، وأعلنت الشركة عن إجلاء عمالها الأمريكيين في مجال النفط من العراق في 6 يناير/كانون الثاني.

وفي حين أن الهجمات تسببت في درجة من التقلب في أسعار أسهم شركات النفط العالمية هذه، لكن حركة سعر السهم كانت متواضعة واستقر معظمها بعد 8 يناير/كانون الثاني.

أثبتت أسواق الأسهم مرونة في أعقاب هذه الهجمات، حيث أدى التحسن في مؤشرات في "داو جونز الصناعي"، و"نازداك"، و S&P 500 إلى محو الخسائر إلى حد كبير مع طمأنة بيان "ترامب" للمستثمرين.

تراجعت البورصات الخليجية بشكل حاد في اليوم الأول من التداول بعد هجوم 3 يناير/كانون الثاني، فقد انخفضت البورصات الإقليمية 4.1% في الكويت، 3.1% في دبي، 2.4% في السعودية، 2.3% في البحرين، 2.1% في قطر، وبدرجة أقل في أسواق البورصة الأخرى.

لم تدخل أسواق الأسهم الخليجية في سقوط حر، وإنما استقرت نسبيًا في الأيام التالية، وقد أدى الهجوم الانتقامي الإيراني إلى خسائر أقل. على سبيل المثال، انخفضت البورصة السعودية أقل من 1% في 8 يناير/كانون الثاني.

مخاطر طويلة الأجل

إذا وضعنا التداول قصير الأجل جانبًا، فإن خطر نشوب صراع عنيف بين الولايات المتحدة وإيران يهدد قدرة الفعاليات الإقليمية البارزة على البقاء والنمو، مثل معرض دبي 2020 وقمة مجموعة العشرين في وقت لاحق من هذا العام في الرياض.

يأمل المسؤولون في دبي أن يكون المعرض - أول معرض عالمي يقام في الشرق الأوسط - بمثابة حافز للاستثمار الأجنبي والإيرادات غير النفطية. لهذا السبب، تتوقع حكومة دبي زيادة نفقاتها السنوية بنسبة 17% خلال عام 2020.

كما طبقت دولة الإمارات تأشيرات دخول سياحية متعددة مع صلاحية لمدة 5 سنوات للترويج للبلاد كوجهة للزائرين الدوليين.

في نوفمبر/تشرين الثاني، ستستضيف السعودية قمة 2020 لمجموعة العشرين تحت شعار "تحقيق فرص القرن الحادي والعشرين للجميع". وباعتبارها العضو الوحيد في مجموعة العشرين بين دول الخليج؛ تهدف السعودية إلى إبراز تقدمها في الإصلاح الاقتصادي وجدارتها بأن تصبح مركزا للأعمال الدولية. ومع ذلك، فإن تعيين البنك الدولي للسعودية كأفضل مكان في العالم لممارسة الأعمال التجارية، لن يكون ذا قيمة كبيرة إذا اندلعت الحرب في إيران المجاورة.

كما أن التوترات الإقليمية تقلل من قيمة العروض التي يمكن لدول الخليج العربية تقديمها للمستثمرين المحتملين. خفض البنك الدولي توقعات نمو اقتصادات الخليج، بسبب التوترات الجيوسياسية وانخفاض الطلب على النفط، وأصدرت مؤسسة "موديز" توقعات سلبية للجدارة الائتمانية السيادية الخليجية.

إن تفاقم المخاطر الجيوسياسية في المنطقة مصحوب بالتوترات التجارية المتصاعدة على المستوى العالمي، وعلى الرغم من المبادرات الأخيرة في دول الخليج لتقليص الحواجز أمام الاستثمار الأجنبي المباشر، فإن الحكومات الإقليمية تكافح من أجل جذب المستويات المرغوبة من الاستثمار الأجنبي المباشر.

ركدت معظم التدفقات الصافية من الاستثمار الأجنبي المباشر أو تدهورت خلال العقد الماضي. وعلاوة على ذلك، فإن استثمارات النفط والغاز تمثل الجزء الأكبر من الاستثمار الأجنبي المباشر في المنطقة.

تشكل المخاوف بشأن النزاع المسلح في إيران - وفي البلدان الأخرى التي تستضيف الوكلاء الإيرانيين - مخاطر طويلة الأمد على صناعة السياحة في المنطقة.

تعمل السعودية بقوة على الترويج لجدارتها في مجال السياحة والضيافة من خلال تسليط الضوء على فعاليات التراث الثقافي والمواقع التاريخية ما قبل الإسلامية وحزم العطلات الفاخرة.

في سبتمبر/أيلول 2019، أدخلت السعودية برنامج التأشيرة الإلكترونية الذي يسمح لمواطني 49 دولة بالتقدم للحصول على تأشيرات سياحية لمدة 3 أشهر، كما تخطط الكويت لتحويل أراضيها الشمالية، والتي تضم مدينة الحرير وخمس من جزر البلاد، إلى منطقة اقتصادية متكاملة للسياحة والاستثمار، وتعتمد الإمارات والبحرين اعتمادًا كبيرًا على صناعاتهما السياحية، وقد صنفت عُمان السياحة باعتبارها واحدة من أهم 5 قطاعات.

كان رد فعل السوق العالمية على الهجمات الأمريكية والإيرانية في منطقة الخليج خافتًا، لكن من المرجح أن يكون لدى المستثمرين الذين تحتاجهم اقتصادات الخليج العربية ذاكرة أطول.
سوف يعيد بعض المسافرين من رجال الأعمال والسياح التفكير قبل زيارة المنطقة طالما ظلت التوترات عالية، كما أن اندلاع حرب فعلية بين الولايات المتحدة وإيران من شأنه أن يغير بالكامل ما يتعلق بالأعمال التجارية في دول الخليج العربية المجاورة.

المصدر | معهد الخليج العربي بواشنطن - ترجمة الخليج الجديد