الثلاثاء 14 يناير 2020 05:24 ص

منذ اندلاع الحرب الأهلية الليبية عام 2014، لم يكن تورط الجهات الفاعلة الخارجية في الحرب سرا، ومع ذلك، في أواخر عام 2019 وأوائل عام 2020، تحول الصراع إلى مزيد من التدويل الإقليمي بشكل خطير.

وفي 2 يناير/كانون الثاني، صوت البرلمان التركي على نشر قوات عسكرية تركية في ليبيا لمساعدة حكومة الوفاق الوطني الضعيفة على البقاء، في مواجهة حملة "خليفة حفتر" للإطاحة بها والاستيلاء على طرابلس.

وبعد 3 أيام، في 5 يناير/كانون الثاني، أعلن الرئيس التركي "رجب طيب أردوغان" أن عملية النشر قد بدأت، وقال: "سيكون هناك مركز عمليات في ليبيا، وسيكون هناك قائد تركي يدير الوضع هناك، يتحرك الجنود الأتراك تدريجيا إلى هناك الآن، وليس الهدف من إرسال القوات المسلحة التركية القتال، بل ضمان وقف إطلاق النار في ليبيا".

وتحسبا لوصول الجيش التركي، ألقى "حفتر" خطابا قال فيه: "نحن نقبل التحدي، وأعلن الجهاد والنفير". ودعا "حفتر" "جميع الليبيين" إلى تسليح أنفسهم من أجل "الدفاع عن موقعنا في بنغازي وأجزاء أخرى من شرق ليبيا، حيث يوجد مقر مجلس النواب المتحالف مع "حفتر"، وخرج أنصار "حفتر" إلى الشوارع للاحتجاج على ما أسموه "غزو" أنقرة لليبيا.

ومن خلال اتهام تركيا بالسعي إلى "استعادة السيطرة على ليبيا"، يثير خطاب "حفتر" ناقوس الخطر العربي بشأن الأجندة "العثمانية الجديدة" المزعومة لأنقرة في المغرب العربي، وفي المنطقة العربية، لم يعد "حفتر" وأنصاره في ليبيا وحدهم من ينظرون إلى سياسة تركيا الخارجية على أنها تهديد خطير.

وساهم هذا العامل بشكل كبير في الدعم القوي الذي تلقاه "حفتر" من حكومات مصر والسعودية والإمارات، وترى هذه القوى العربية أن أجندة أنقرة، التي لا تقتصر على ليبيا، بل تظهر أيضا في العراق وسوريا وقطر، كدليل على خطط التوسع التركية.

وخلصت جميع الدول الثلاث إلى أن القوات الموالية لـ"حفتر"، تحت مسمى "الجيش الوطني الليبي"، هي الحصن الواقعي الوحيد في ليبيا ضد الإسلام السياسي و"العثمانية الجديدة".

فهل يمكن اعتبار سياسة تركيا الخارجية "عثمانية جديدة" حقا؟ حسنا، لا شك أن الإمبراطورية العثمانية لن تعود إلى الوجود، فتخيل قيام الجمهورية التركية بتوسيع حدودها إلى البلقان والمشرق العربي والمغرب العربي والجزيرة العربية، حتى تتمكن أنقرة من السيطرة على الأرض التي كانت تحكمها في السابق الدولة العثمانية، هو أمر غير واقعي بكل بساطة.

ومع ذلك، ليس هناك شك في أن العديد من الأتراك، من "المواطنين العاديين" إلى كبار المسؤولين الحكوميين، يعتقدون أن لديهم نفوذا طبيعيا يجب إحياؤه في المدن والأراضي التي كانت ذات يوم تابعة للإمبراطورية العثمانية.

ويدور السرد الشعبي في تركيا حول أنه، في غزة وسوريا واليمن وما إلى ذلك، كان الأمر ليكون أقل بؤسا مما هو الحال عليه اليوم إذا كانت الإمبراطورية العثمانية لا تزال موجودة لحكم هذه الأراضي العربية.

وعلى الرغم من أن الإمبراطورية العثمانية ليست على وشك إعادة إنشاء نفسها، يسهم استخدام القيادة التركية للرمزية والخطابة في تصورات العرب حول هذا التهديد "العثماني الجديد" المزعوم.

وعند التحدث إلى الجمهور التركي حول الأزمة الليبية، ذكر "أردوغان" أن "كمال مصطفى أتاتورك" قد قاتل في الدولة الواقعة شمال أفريقيا قبل وقت قصير من سقوط الإمبراطورية العثمانية، بالإضافة إلى ذلك، اتخذت بعض الميليشيات الإسلامية الجهادية السنية في شمال سوريا، التي رعتها أنقرة طوال النزاع السوري، أسماء السلاطين العثمانيين السابقين.

علاوة على ذلك، أطلقت تركيا عملية "درع الفرات" في سوريا مع دخول ذكرى مرور 500 عام على دخول "سليم الأول" إلى حلب في أغسطس/آب 1516، وهي حقيقة كان الكثيرون يحرصون على ذكرها في ذلك الوقت.

وأخيرا وليس آخرا، من خلال إعطاء الدوحة سببا أكبر للوقوف بقوة ضد الحصار المفروض عليها من قبل جيرانها في مجلس التعاون الخليجي عام 2017، أحدثت القوات التركية في قطر فرقا كبيرا في نتيجة "أزمة الخليج"، ما زاد من المخاوف في أبوظبي والرياض من الطموحات "العثمانية الجديدة" المزعومة في شبه الجزيرة العربية.

وفي الوقت الذي ينمو فيه خوف محور القاهرة-أبوظبي-الرياض من السياسة الخارجية الطموحة لتركيا، أصبحت ليبيا سريعا أحدث حلقة في مسلسل جهودها لمواجهة خطة أنقرة "العثمانية الجديدة" المزعومة للمنطقة العربية.

وقد جاءت الفرصة لمصر والسعودية والإمارات لتوحيد الحكومات العربية ضد السياسة التركية في ليبيا بشكل كامل في القاهرة، في 31 ديسمبر/كانون الأول.

وكانت جامعة الدول العربية قد عقدت اجتماعا في العاصمة المصرية في ذلك اليوم، أسفر عن اعتماد المنظمة العربية لقرار مؤكد بضرورة الوقوف ضد التدخل الأجنبي في ليبيا، والتركي على وجه الخصوص، وأشار القرار إلى أن "حفتر" قد حظي بدعم قوي من عدد كبير من الحكومات العربية، بما في ذلك القادة العسكريون للأردن والسودان.

الانقسامات العربية

ومع ذلك، لم تكن كل الدول العربية متحالفة مع مصر والسعودية والإمارات ضد تركيا، أو على الأقل ليس بشكل كامل.

وكانت الجزائر عضوا مهما في الأحداث الحالية، فكما لاحظ خبراء مثل "جليل هرشاوي"، كان مؤيدو "حفتر" قلقين من دعم الجزائر لحكومة الوفاق الوطني، ولم تكن مثل هذه المخاوف من فراغ، بالنظر إلى معارضة الجزائر لحملة "عملية تحرير طرابلس" التي قام بها "حفتر" وبدأت في أبريل/نيسان 2019، ومعارضتها كذلك للتدخل العسكري الإماراتي المباشر في ليبيا، الذي بدأ قبل 5 أعوام تقريبا.

ولا يعني هذا أن الجزائر تدعم التدخل العسكري التركي في ليبيا، وفي الواقع، العكس هو الصحيح، لكن الجزائر ترى العمليات العسكرية الإماراتية في ليبيا أكثر خطورة من التدخل التركي.

وفي 6 يناير/كانون الثاني، عقد الرئيس الجزائري الجديد، "عبدالمجيد تبون"، اجتماعا مع "فايز السراج"، رئيس حكومة الوفاق الوطني، وأكد أن طرابلس "خط أحمر لا ينبغي لأحد عبوره".

كما دعا الرئيس الجزائري مجلس الأمن الدولي والمجتمع الدولي الأكبر للعمل من أجل السلام في ليبيا، مع التشديد على مبدأ الجزائر المتمثل في "إيجاد حل سياسي لحماية وحدة الشعب الليبي والسلامة الإقليمية للبلد دون تدخل أجنبي".

أما السودان فهو ممزق بين "الدولة العميقة"، التي يديرها الجيش وتدعم "حفتر"، والقيادة المدنية في الخرطوم التي تدعم حكومة الوفاق الوطني.

وفي الواقع، دخل المقاتلون السودانيون ليبيا للقتال إلى جانب كل من الحكومة المعترف بها من قبل الأمم المتحدة في طرابلس والجيش الوطني الليبي الموالي لـ"حفتر"، ومنذ شن هجوم "حفتر" غربا العام الماضي، ساعده مرتزقة سودانيون في حملة الاستيلاء على طرابلس، وأحدثوا فرقا كبيرا على الأرض.

وتقف تونس، كما قال المحلل "سامي حمدي"، في المنتصف بشكل مثالي، وترفض الحكومة التونسية دعم "حفتر"، لكن بينما تعترف بالحكومة الوطنية الليبية كحكومة ليبية شرعية، فإنها ترفض السماح لأنقرة باستخدام الأراضي التونسية لإنزال قوات الجيش التركي القادمة للتدخل في ليبيا.

وحافظ المغرب في معظم الوقت على حياده خلال الحرب الأهلية الليبية، بينما يميل قليلا نحو حكومة الوفاق، وأدانت القيادة المغربية في الآونة الأخيرة التدخلات الأجنبية في ليبيا، وإن لم تكن حددت أي جهات على وجه الخصوص.

وحتما، من المقرر أن تزداد التوترات بين أنقرة والدول العربية، التي ترى تركيا كقوة توسعية ترعى "الإرهاب" في المنطقة، في عام 2020 مع تفاقم الأزمة الليبية.

وستواصل أنقرة الترويج لروايتها بأن دعم حكومة الوفاق الوطني يدور حول الدفاع عن حكومة دولة عربية معترف بها دوليا.

ووفقا لهذه الرواية، تساعد تركيا الليبيين على حماية بلادهم من "حفتر"، الذي يعتقد الكثيرون أنه عازم على تكرار نظام الرئيس المصري "عبدالفتاح السيسي" الاستبدادي في طرابلس.

ومع ذلك، فإن الرأي الذي تتبناه أبوظبي والقاهرة والرياض هو أن تركيا تستغل المشاكل بين العرب لتوسيع نفوذها الخاص على حساب وحدة العرب ومصالحهم.

وستكون الطريقة التي تقرر بها هذه الدول العربية الاستجابة لنشر تركيا لقواتها في ليبيا مهمة للغاية، وستؤثر بشدة على الحملة العسكرية لأنقرة في الدولة الواقعة في شمال أفريقيا.

ويمكن لنجاح الحملة التركية في ليبيا أن يضيف إلى المفاهيم الإقليمية حول تركيا كلاعب قوي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، مع إنشاء نظام سياسي طويل الأجل مؤيد لتركيا في طرابلس.

وبالتأكيد سوف تلعب الحكومات المصرية والإماراتية والسعودية أوراقها بأفضل شكل ممكن لمنع أن تكون تلك هي النتيجة، في حين تظل المخاطر الجيوسياسية كبيرة مع استمرار الحرب الأهلية في ليبيا منذ ما يقرب من 6 أعوام.

وللأسف، بالنظر إلى درجة تصاعد العنف في ليبيا منذ أبريل/نيسان 2019، من الطبيعي أن يفترض المرء أنه لا يوجد أمل في تحقيق تقدم دبلوماسي قد يعيد السلام إلى البلاد.

ومع ذلك، فإن الدعوات التركية - الروسية التي تم الإعلان عنها مؤخرا لوقف إطلاق النار بين الجانبين الليبيين قد تفتح الباب للوساطة والحلول الوسط من أجل إنهاء هذه الحرب الأهلية عبر حلٍ سياسي بدلا من الحل العسكري.

المصدر | جورجيو كافييرو | إنسايد أرابيا - ترجمة الخليج الجديد