الثلاثاء 14 يناير 2020 03:17 م

يبدو أن التوترات الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران بسبب اغتيال الأولى لـ"قاسم سليماني" تتلاشى الآن. لكن المشهد الذي ساعدت هذه العملية في بنائه لا يزال يمثل مشكلة بالنسبة للولايات المتحدة.

ومنذ اغتياله في غارة أمريكية بطائرات بدون طيار، الأسبوع الماضي، سارع الخبراء إلى شرح السبب الذي جعل "سليماني" ذي أهمية كبيرة لطموحات إيران، وما هي عواقب مقتله على المنطقة. وكانت إحدى التفسيرات البسيطة لهذا الأمر أن "سليماني" كان الرجل الوحيد الذي أتقن المشهد الجديد في الشرق الأوسط.

كانت مهارة "سليماني" الخاصة هي التحكم في ما يُعرف باسم "الجهات الفاعلة غير الحكومية" في الشرق الأوسط، وهو اسم فضفاض يغطي المجموعة المتنوعة والمختلفة من الميليشيات والجماعات الدينية والقوات القبلية التي تمارس بالفعل السلطة في معظم أنحاء المنطقة.

وازدادت أهمية هذه الجماعات بشكل كبير في الأعوام الـ20 الماضية؛ حيث أربكت الدبلوماسيين التقليديين والعالمين بأمور الحكم. ولم يستغلهم "سليماني" فحسب، بل مكّن لهم وعزز قدراتهم لصالح إيران.

وقد يساعد غياب "سليماني" الولايات المتحدة على المدى القصير، لكنه يُظهر أيضا مدى عمق التحدي الذي ستشكله المنطقة في المستقبل القريب، ولماذا لا يزال خصوم أمريكا، سواء إيران أو روسيا، يتمتعون بميزة كبيرة لا يمكن التنبؤ بها في إطار ممارسة القوة.

وبالنسبة للأشخاص الذين يفكرون عادة في العلاقات الخارجية في شكل حكومات ورؤساء دول، إيران مقابل الولايات المتحدة، أو "فلاديمير بوتين" مقابل "شي جين بينج"، قد يكون من الصعب فهم مدى أهمية الحكومات الصغيرة في أجزاء من الشرق الأوسط. وعلى مدار العقود الـ4 الماضية، تم تحويل كل مؤسسة في المنطقة تقريبا بطرق تضعف النظام التقليدي لسلطة الدولة.

وفي ثمانينيات القرن العشرين، تشعب المسلمون، شيعة وسنة، على أسس تقليدية وثورية. فقد حفزت ثورة 1979 في إيران الإسلاميين في جميع أنحاء المنطقة. وعززت الحروب الأهلية في لبنان وسوريا، وكذلك التمرد الإسلامي ضد السوفييت في أفغانستان، والحرب الإيرانية العراقية في الثمانينات، يد الجماعات المسلحة الخارجة عن سيطرة الحكومة.

وتسارعت هذه الاتجاهات التاريخية والأيديولوجية بعد الغزو الأمريكي لكل من أفغانستان والعراق، الذي كان سببا في انهيار هياكل الحكم في البلدين عامي 2001 و2003 على التوالي. وتأثرت هذه الاتجاهات أيضا بالانتفاضات الشعبية التي اجتاحت المنطقة عام 2011، والتي أسقطت حكومات أو أضعفتها في كثير من بلدان المنطقة.

وكان من الصعب السيطرة على نمو هذه القوى الجديدة بشكل مذهل. واليوم، يقدر العدد الإجمالي لعناصر الجماعات المسلحة المتشددة  من الُسنة بنحو 4 أضعاف ما كان عليه الأمر في 11 سبتمبر/أيلول 2001؛ حيث هناك ما بين 50 ألفا إلى 85 ألف مسلح في سوريا والعراق وحدهما. ولا يضم هذا الرقم العدد الكبير من الجماعات الشيعية والكردية وغيرها التي تهيمن على قطاعات بالعراق وسوريا.

نتيجة لذلك، فإن الشرق الأوسط الحديث هو عبارة عن توازن مستمر في التغيير بين الأنظمة الرسمية، في عواصم مثل طهران ودمشق والرياض، وجماعات الميليشيات والقوات المحلية التي تسيطر فعليا على جزء كبير من الأرض.

وفي بعض الأحيان، كان "حزب الله"، الميليشيا الشيعية المتحالفة مع إيران، أكثر نفوذا من الحكومة الرسمية في لبنان. وجمع تنظيم "الدولة" في بعض الأحيان الضرائب في سوريا والعراق. ويدير الأكراد منطقة تتمتع بالحكم الذاتي إلى حد كبير في شمال العراق وسوريا.

وبالنسبة للدبلوماسي أو الاستراتيجي التقليدي، قد يبدو له هذا المشهد المعقد فوضويا ولا يمكن التحكم فيه. أما بالنسبة لـ"سليماني"، فقد مثل له هذا فرصة.

ومن خلال قيادته لوحدة الحرب غير التقليدية القوية المعروفة باسم "فيلق القدس"، وعلاقاته مع شبكة من قادة الميليشيات، أصبح "سليماني" الشخص الأكثر نجاحا في المنطقة في إدارة المزيج المعقد من الدول والقوى غير الحكومية التي تحكم الشرق الأوسط اليوم. وكانت سيطرته تلك تعني أن إيران كانت ناجحة حيث فشل منافسيها الإقليميين والخارجيين.

وقبل صعوده إلى الساحة كرئيس لـ"فيلق القدس" في أواخر التسعينيات، ظهر تفوق إيران في ساحة الحرب بالوكالة أولا بسبب الضرورة. ودفعت الحرب بين إيران والعراق النظام الجديد في طهران إلى إنشاء ذراع للإشراف على عملياته الخارجية. وبحلول التسعينيات، كان لإيران موارد وشبكات واسعة في المنطقة، وكان "حزب الله"، التي نشأ خلال الحرب الأهلية اللبنانية، دليلا على هذا المفهوم.

وكل ما كان على "سليماني" القيام به هو تكرار نموذج "حزب الله" على نطاق إقليمي، لكن المهارات والوقت لم يكونا كافيين لتحقيق ذلك. لقد احتاج إلى فرصة، وهو ما حصل عليه عام 2003.

لقد أدت حرب العراق، عبر الإطاحة بـ"صدام حسين"، إلى إزالة طاغية من السلطة، لكن مع تفكيك مؤسساته المسيطرة على البلاد، أتاح ذلك المجال أيضا للجماعات والأحزاب المسلحة للاستيلاء على مفاصل البلاد ببطء. كما تشكلت العديد من الميليشيات الشيعية في العراق، الذين تربطهم صلات بإيران منذ الحرب العراقية الإيرانية. وأعطى أتباعهم إيران نفوذا على الأرض، واحتفظ قادتهم بسلطة رسمية أو شبه رسمية في الحكومة العراقية.

وأصبحت وزارة الداخلية العراقية قلعة لمنظمة "بدر" بقيادة "هادي العامري". وقاد "أبو مهدي المهندس" قوات "الحشد الشعبي"، وهي هيئة تم إنشاؤها بعد ظهور تنظيم "الدولة" لتنظيم جميع الجماعات المسلحة العراقية تحت قيادة واحدة، والتي أصبحت فيما بعد جزءا من القوات المسلحة العراقية.

وليس هناك شك في مدى تعاون "سليماني" مع هؤلاء الزعماء؛ حيث كان "المهندس" أحد الأشخاص الذين لقوا حتفهم إلى جانب "سليماني" في مطار بغداد الجمعة الماضي.

وخلقت سيطرة تنظيم "الدولة" على ثلث العراق عام 2014 فرصة أخرى لـ"سليماني" لمساعدة وكلاء إيران على تعزيز سيطرتهم في جميع أنحاء العراق، بما في ذلك المناطق الكردية والسنية.

وفي سوريا، استخدم "سليماني" الصراع الذي بدأ عام 2011، وعلاقة إيران الوثيقة مع النظام، لحشد جحافل من المقاتلين الأجانب داخل الحدود السورية لإنشاء ميليشيات لعبت دورا حاسما في الدفاع عن نظام "بشار الأسد" في مواجهة التمرد الهائل. وربما تتعطل هذه العملية بسبب مقتله، ويبقى أن نرى ما إذا كان خليفته سيكون قادرا على ترسيخ وجود الوكلاء الإيرانيين في سوريا.

وبينما بنت إيران نفوذها من خلال مجموعات غير حكومية، كافحت دول أخرى لمضاهاة نجاحها. ومن هذا المنظور، يمكن القول إن تركيا، البلد الأقوى على الورق، كانت لها الفرصة نفسها في سوريا في عام 2011 التي كانت لإيران في العراق عام 2003، لملء الفراغ الذي خلفته الحرب الأهلية الفوضوية في جارتها، لكنها فشلت في تحقيق نتائج مماثلة.

كانت تركيا أكثر جارة لسوريا لديها موارد عسكرية واقتصادية هائلة، وكانت تتمتع بدعم معظم حلفائها الإقليميين والدوليين في إضعاف النظام العلوي في دمشق. ودعمت تركيا المليشيات ذات الأغلبية السنية في سوريا، لكنها، مع استثناءات بسيطة، فشلت في خلق قوة دائمة على الأرض، أو إقامة تحالفات عميقة غير حكومية. وفي 2016، تخلت تركيا عن هذا الجهد بشكل أساسي؛ حيث انضمت إلى موسكو في سوريا، لصالح النظام بشكل غير مباشر.

وفشلت السعودية أيضا في تحقيق نتائج مماثلة؛ لأنها لم يكن لديها الاستراتيجيون أو التكتيكيون الضروريون لتنمية العلاقات بصبر للمنافسة ضد إيران. وكان لدى إيران عملية استخبارات معقدة للغاية موجهة نحو إنتاج الوكلاء وتشغيلهم. ودعم السعوديون السلفيين والجهاديين في الثمانينيات، لكنهم افتقروا إلى السمات التقليدية اللازمة لبناء علاقات طويلة الأمد مع الجهات الفاعلة غير الحكومية.

ومن بين حلفاء أمريكا، فإن الجهة الوحيدة وثيقة الشبه بإيران في هذا الصدد هي قطر، التي سعت إلى تعزيز العلاقات مع الجهات الفاعلة غير الحكومية بين مجموعة واسعة من الميول السياسية والدينية في جميع أنحاء المنطقة، كجزء من سياستها المعلنة لتوسيع نطاق القواعد الشعبية والحركات المحلية. لكن حتى في هذا المثال، يبدو أن الدوحة مهتمة بالتأثير و"القوة الناعمة" بدلا من الحرب الفعالة بالوكالة.

أما الحلفاء الآخرون فهم خارج الصورة؛ فقد كانت مصر تتطلع إلى الداخل منذ الانتفاضة المؤيدة للديمقراطية عام 2011، ويُنظر إلى (إسرائيل) على نطاق واسع في جوارها على أنها عدو، مع عدم وجود حلفاء محتملين من غير الدول خارج حدودها.

لذلك، في السوق المتنامية والمربحة من الجهات الفاعلة غير الحكومية، كانت إيران صاحبة مشروع ذكي لا يوجد لها فيه منافسون حقيقيون. وتحرم وفاة "سليماني" النظام الإيراني من رجل ماهر تمكن من اغتنام الفرص والاتجاهات التاريخية. ويعد مقتله بالتأكيد ضربة لطموحات طهران في ترسيخ نفسها في المنطقة، على الأقل في المستقبل القريب. لكن لا تزال إيران تتمتع بأسبقية طويلة في هذا المجال، ولا تزال هناك إمكانية لاستغلالها، خاصة في غياب المنافسين.

ومع استمرار نضال الحكومات المركزية، من المتوقع أن تظل الجهات الفاعلة غير الحكومية سمة بارزة في المشهد الإقليمي في المستقبل البعيد، ويمكنها في بعض البلدان السيطرة على سياسات القوة والنفوذ لبعض الوقت، خاصة في البلدان التي مرت بتحولات سياسية كبيرة، مثل ليبيا وأفغانستان واليمن.

وبالنسبة للولايات المتحدة، لن يستقر أي قدر من الدعم العسكري والاقتصادي في المنطقة دون الاعتراف أولا بالدروس المستفادة من صعود "سليماني". فإلى حد ما، بنت قرارات السياسة الأمريكية ودهاء "سليماني" معا هذا العالم؛ حيث خلقت واشنطن الفراغات، وكان لدى "سليماني" الموارد اللازمة لملئها.

ولا يزال هناك مجال للولايات المتحدة لتحسين هذا الموقف وتدعيم شكل إيجابي أكثر من النفوذ. وعلى الرغم من الانتقادات، فقد خصصت الولايات المتحدة الكثير من الموارد الكافية لإعادة بناء الدول، في أماكن مثل أفغانستان والعراق. لكن ما تفتقر إليه هو القدرة على إدارة الأمور بالطريقة التي اتبعها "سليماني"، أي الانتقال من التحدث بلغة المتمردين إلى الإمساك بزمام السيطرة على الأرض.

وبالنسبة للولايات المتحدة وغيرها من الجهات المخولة بأمن المنطقة يجب أن تكون الاتجاهات واضحة. ويجب السير في طريق دعم الحكومات المستقرة والشرعية، وبناء المؤسسات تدريجيا في البلدان المنهارة؛ بحيث يكون من الممكن دمجها في نهاية المطاف في تلك الحكومات بعد الاستقرار. وبدلا من دفع الأشرار لمحاربة الأشرار الآخرين، سيكون الدور البناء هو تقوية الجهات الفاعلة المحلية المعتدلة لملء الفراغ المتزايد في أجزاء كبيرة من الشرق الأوسط.

وتعد إحدى المشكلات التي تواجه الولايات المتحدة هي أن خصومها لديهم كل الحوافز للحفاظ على عدم الاستقرار قائما؛ حيث تستثمر القوى المنافسة، مثل إيران وروسيا، بعمق في الميليشيات المحلية التخريبية التي تمنحها نفوذا.

وهناك مشكلة أخرى تواجهها الولايات المتحدة وهي مشكلة ذاتية أكثر؛ حيث تميل سياسات واشنطن إلى تجاهل الاتجاهات الأساسية التي قد تساعدها على تحقيق أهدافها.

ففي أكتوبر/تشرين الأول 2019، على سبيل المثال، سحب "ترامب" البساط من تحت الجماعات الكردية التي طردت تنظيم "الدولة" من ثلث سوريا، بإعلان الانسحاب الأمريكي المفاجئ من سوريا والسماح لتركيا بالسيطرة على المنطقة. وعلى الرغم من أنه عكس قراره في وقت لاحق، فإن الرسالة قللت من مصداقية أمريكا كحليف لتحقيق الاستقرار.

ولا تتطلب المشاركة في حل المشكلة القدرة على الاستثمار وامتلاك البصيرة فقط، ولكن الاتساق مع الذات أيضا.

المصدر | حسن حسن/بوليتيكو - ترجمة وتحرير الخليج الجديد