الثلاثاء 28 يناير 2020 01:04 م

"للأسف هناك حالة من الفتور، وربما القطيعة فرضها الإخوة في السعودية"..

كشف هذا التصريح الصادر عن عضو المكتب السياسي لحركة "حماس"، "خليل الحية" منتصف يناير/كانون الثاني الجاري، عن مدى تأزم الموقف بين الحركة والرياض، وسط توقعات باستمرار القطيعة، حتى إشعار آخر.

وتعود الأزمة المتفاقمة إلى استمرار السلطات السعودية في إخفاء 60 فلسطينيا قسريا، بينهم طلبة وأكاديميون ورجال أعمال وحجاج سابقون، دون لوائح اتهام محددة أو عرض على جهة الاختصاص (النيابة)، ودون السماح لهم الاتصال مع ذويهم أو التواصل مع محاميهم، ناهيك عن قيام السلطات بمصادرة أموالهم، وإغلاق شركاتهم.

وكانت الرياض تحتفظ بعلاقة وثيقة مع الحركة، وشهدت السنوات الأولى من تأسيس "حماس" عام 1987 ذروة هذه العلاقة، حين التقى مدير المخابرات السعودية آنذاك، بالقيادي في "حماس" "موسى أبومرزوق" عام 1988، وافتتحت الحركة مكتبا لها (غير مُعلن) في الرياض.

"الخضري" ونجله

 فجر 4 أبريل/نيسان 2019، أقدمت السلطات السعودية على اعتقال القيادي بالحركة "محمد الخضري" (81 عاما)، ونجله "هاني"، من منزله في مدينة جدة (غربي المملكة)، دون تقديم مذكرة توقيف، وجرى إخفاؤهما قسرا لمدة شهر بعد اعتقالهما.

ووفق خطاب وجهته منظمة العفو الدولية إلى العاهل السعودي الملك "سلمان بن عبدالعزيز"، فإن "الخضري" المريض بالسرطان، ونجله "تعرضا للتعذيب وغيره من ضروب سوء المعاملة خلال فترة احتجازهما".

ويعد "الخضري" (يحمل صفة دبلوماسية) هو كلمة السر وراء تدهور العلاقات بين الجانبين، حيث كان الرجل الثمانيني مسؤولا عن إدارة العلاقة مع المملكة على مدى عقدين من الزمان، كما تقلّد مواقع قيادية عليا في الحركة.

وشارك "الخضري" في المقابلة التي جمعت بين الملك الراحل، "عبدالله بن عبدالعزيز"، حين كان وليا للعهد، وزعيم الحركة آنذاك، الشيخ "أحمد ياسين"، عام 1998.

وخلال فترة صمت دامت 5 شهور، سعت "حماس" لإطلاق سراح "الخضري" عبر دبلوماسية هادئة، دون أن تنجح في ذلك، وهو ما دفعها للتذمر علنا من قيام المملكة باعتقال عشرات الفلسطينيين من بينهم قيادات بالحركة.

وفي سبتمبر/أيلول الماضي، قال القيادي في "حماس"، "أسامة حمدان" إن صمت حركته عدة شهور كان يهدف لإيجاد حل سياسي لهذه المشكلة، مضيفا: "وصلنا للأسف إلى نقطة لم نستطع فيها البقاء صامتين".

مقابل ذلك، انتهجت الرياض سياسة الصمت، أو التجاهل إن صح التوصيف، رافضة الكشف عن مصير معتقلي الحركة، أو التهم الموجهة إليهم، الأمر الذي اعتبر إشارة نحو تدهور العلاقات بين الطرفين بما يقترب من القطيعة الكاملة.

تحول استراتيجي

وفق مراقبين، فإن تحولات كبرى طرأت على السياسة السعودية، ليست متعلقة بـ"حماس" فقط، ولكن يموقفها من جميع التيارات الإسلامية في المنطقة، لاسيما بعد الربيع العربي، ووصول "الإخوان المسلمون" للحكم في مصر وتونس، وما تبع ذلك من تحالف السعودية مع الإمارات والبحرين لدعم الانقلاب العسكري الذي أطاح بالرئيس المصري الراحل "محمد مرسي" يوليو/تموز 2013.

ومما عزز تلك التحولات، صعود الأمير "محمد بن سلمان" إلى منصب ولاية العهد، وتحالفه مع ولي عهد أبوظبي "محمد بن زايد"، ما دفع بالعلاقات مع الحركات الإسلامية إلى نفق مظلم.

وفي 2017، بدا هذا التحول جليا في اتهام صحيفة "الرياض" (حكومية)، لحركة "حماس" بأنها "إرهابية"، تعليقا على حضور وفد من قياداتها مراسم تنصيب الرئيس الإيراني الحالي، "حسن روحاني".

ولم تقتصر الحملة السعودية على اعتقالات عدد من قيادات الحركة، بل تجاوزت ذلك إلى فرض حالة حصار سياسي ومالي، وفق سياسة "تجفيف المنابع"، وذلك لقطع الإمدادات والمساعدات التي تمثّل العصب الرئيسي لبقاء الحركة.

ويرى المحلل السياسي، "تيسير محيسن" في حديثه لـ"الأناضول" أن العداء السعودي للحركة، يعود إلى موجة العداء للتيار الإسلامي العام في المنطقة باعتبار "حماس" جزءا منه، إلى جانب حالة التقارب الواضح بين "حماس" وإيران، وهو ما ترفضه الرياض.

صفقة القرن

وتعود القطيعة بين الحركة والرياض، إلى سبب آخر، يتعلق وفق الباحث السياسي "حمزة أبوشنب"، بالسياسة الأمريكية التي تطالب بالانفتاح على (إسرائيل) وتجفيف منابع الدعم للمقاومة، وتسريع وتيرة التطبيع الخليجي الإسرائيلي.

ويضيف "أبوشنب" في مقابلة مع "الجزيرة" أن الخطوة السعودية تأتي في سياق رغبة المملكة في تمرير خطة السلام الأمريكية في الشرق الأوسط، المعروفة إعلاميا بـ"صفقة القرن"، والتي ترفضها "حماس" بشدة.

وفي مايو/أيار 2017، عقدت القمة العربية الإسلامية الأمريكية في الرياض، ووصف الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" حركة "حماس" بـ"الإرهابية".

وفي 22 فبراير/شباط 2018، وصف وزير الخارجية السعودي آنذاك "عادل الجبير" في خطاب أمام لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان الأوروبي في بروكسل، الحركة بأنها "إرهابية"، وهو ما اعتبر سابقة خطيرة في تاريخ العلاقة بين الجانبين.

وعلى الرغم من طلب "حماس" التواصل المباشر مع المملكة، وتدخل مسؤولين وشخصيات عربية وإسلامية للوساطة بين الطرفين للهدف ذاته، فإن جميع المحاولات باءت بالفشل، كما أن الرياض رفضت استقبال أي من مسؤولي الحركة لبحث نقاط الخلاف بين الطرفين.

خيارات "حماس"

وفق "حمدان"، فإن حركته لم ترد على الإساءات، "ليس ضعفا ولا عجزا"، مؤكدا حرص "حماس" على علاقاتها مع السعودية، قائلا: "نحسن تقدير الأمور، ومعركتنا كانت وما زالت ضد الكيان الصهيوني".

وربما تتجه الحركة إلى طلب وساطة من جهات إقليمية ودولية، أو وسيط عربي (الأردن مثلا)، أو دولي له ثقله (روسيا)، من أجل حلحلة الموقف، ونزع فتيل التوتر بين الجانبين.

ويعتقد المحلل السياسي الفلسطيني "محمد العيلة"، إمكانية تصعيد "حماس" للموقف عبر نقل الأزمة للمستوى الإعلامي والحقوقي، وإبراز معاناة معتقليها في السجون السعودية، وهو ما يزيد الضغط على المملكة، التي تواجه انتقادات حقوقية بسبب سجلها في مجال حقوق الإنسان.

وربما تنجح "حماس" مستقبلا، في إدراج معتقليها لدى المملكة، حال استمر تجمد الموقف، في أية صفقة محتملة لتبادل الأسرى مع الاحتلال الإسرائيلي، الذي ينعم حاليا بعلاقات دافئة مع الرياض، وتنسيق عال المستوى في مجالات عدة.

المصدر | الخليج الجديد