الأحد 19 يناير 2020 02:42 م

لإنقاذ الاتفاق النووي الإيراني، يتعين على الاتحاد الأوروبي والدول الـ3 الأوروبية الكبرى، بريطانيا وفرنسا وألمانيا، تمديد الزمن وجعل فترة الوساطة التي قد تستمر 30 يوما فقط لتصبح عدة أسابيع أو شهور، أو كل الوقت اللازم لتهدئة الغضب بين الولايات المتحدة وإيران، ثم التوسط في صفقة جديدة.

ويتطلب القيام بذلك موافقة بالإجماع بين روسيا والصين وإيران؛ حيث يمكن لأي منها إعلان وفاة عملية الوساطة ومنع المزيد من المماطلة.

وسوف يتطلب الأمر مواجهة وابل محتمل من التهديدات الوقحة من قبل الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب"، وكذلك الحفاظ على دعم رئيس الوزراء البريطاني "بوريس جونسون" في الوقت الذي يقود فيه بلاده إلى خارج الاتحاد الأوروبي ويبدأ في التفاوض على اتفاقات تجارية جديدة، بما في ذلك مع الولايات المتحدة.

وسيتطلب الأمر إقناع "ترامب" والقادة الإيرانيين بالتوقيع على اتفاق جديد، ربما يكون أحد الاتفاقات التي اقترحها الرئيس الفرنسي "إيمانويل ماكرون" من قبل دون نجاح، في وقت لا يملك فيه الأوروبيون حوافز فعلية لإقناع واشنطن أو طهران.

وينظر المسؤولون الأوروبيون إلى الخيارات طويلة المدى باعتبارها وسيلة للحفاظ على الوضع الراهن لفترة طويلة بما يكفي للناخبين الأمريكيين لطرد "ترامب" من منصبه في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، أو الأمر الذي يبدو أقل احتمالا، أن تخرج الاحتجاجات إلى الشوارع الإيرانية أو غيرها من الأحداث غير المتوقعة لدفع المرشد الأعلى، "علي خامنئي"، خارج السلطة.

باختصار، لا يمكن إنقاذ الصفقة، المعروفة باسم "خطة العمل الشاملة المشتركة"، عبر شيء أقل من معجزة سياسية أو تمديد الزمن بشكل سحري، لكن دول الاتحاد الأوروبي ترى أن ذلك أمر بالغ الأهمية للحفاظ على نفسها في اللعبة، ومنع المواجهة المباشرة بين طهران وواشنطن.

نتيجة لذلك، قام "جوزيف بوريل"، رئيس السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي، وفريقه، المكلف بتنسيق هذا الجهد، بالتلويح بعصاهم السحرية لخلق سحابة من الالتباس حول ما إذا كان العد التنازلي قد بدأ حتى في أول 15 يوما من الموعد النهائي في عملية الوساطة المعروفة رسميا باسم "آلية حل النزاع".

ووفقا للمادة 36 من خطة العمل الشاملة المشتركة، يمكن لإيران أو أي من الضامنين الآخرين للاتفاق أن تعلن أن الطرف الآخر قد خرق الاتفاق، وأن تبدأ عملية مراجعة مدتها 15 يوما، ويجب اتباعها في حالة عدم وجود قرار بـ15 يوما أخرى من المراجعة على مستوى وزراء الخارجية.

ويمكن أيضا إنشاء مجلس استشاري مكون من 3 أعضاء لإصدار رأي غير ملزم بشأن النزاع، يعمل بالتوازي مع مراجعة وزراء الخارجية لمدة 15 يوما أو بديلا عنه.

ويمكن تمديد الـ15 يوما الأولى، أو الثانية، لفترة زمنية غير محدودة، طالما اتفق جميع الموقعين على الاتفاق، الدول الأوروبية الـ3 الكبرى وإيران وروسيا والصين.

ومن الناحية النظرية، في نهاية الـ30 يوما، يمكن إحالة الأمر إلى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، الذي سيحتاج إلى اعتماد قرار لمنع عودة العقوبات الاقتصادية المفروضة على إيران وإنهاء الاتفاق النووي.

وعمليا، إذا وصل النزاع إلى مجلس الأمن، فإن الاتفاق النووي الإيراني يكون قد انتهى، لأن الولايات المتحدة ستستخدم حق النقض لمنع أي قرار من شأنه أن ينقذ الاتفاق، ويقول الأوروبيون إنهم سيبذلون قصارى جهدهم لتجنب ذلك.

ويوم الثلاثاء، عندما أعلنت الدول الأوروبية الـ3 الكبرى، بعد أشهر من المداولات، أنها بدأت أخيرا في تشغيل "آلية حل النزاع"، قال بعض المسؤولين الأوروبيين إن العد التنازلي قد بدأ، لكن الاتحاد الأوروبي قال إن هذا ليس هو الحال بالضرورة، وأن "بوريل" وفريقه لا يزالون في مشاورات لتحديد كيفية المضي قدما في العملية.

وقالت "أنييس فون دير مول"، المتحدثة باسم وزارة الخارجية الفرنسية، الخميس: "الأمر متروك للممثل السامي للاتحاد الأوروبي، بصفته منسق اللجنة المشتركة لخطة العمل، لتحديد التفاصيل والجدول الزمني للإجراءات".

ومساء الجمعة، قال متحدث باسم "بوريل" إن المشاورات لا تزال جارية.

مخاطرة تستحق المجازفة

وأقر المسؤولون والدبلوماسيون الأوروبيون بأن إطلاق "آلية حل النزاع" يمثل مخاطرة، لكنهم فعلوا ذلك في محاولة حقيقية لإنقاذ الصفقة، وأشاروا إلى أن قادة الدول الأوروبية الـ3 الكبرى، "ماكرون" و"جونسون" والمستشارة الألمانية "أنجيلا ميركل"، رفضوا دعوة "ترامب" بشكل واضح للتخلي عن الاتفاق.

وقال الأوروبيون إنهم تجاهلوا أيضا تهديدا، نقله مسؤول في وزارة الخارجية الأمريكية، بأن "ترامب" سيفرض رسوما بنسبة 25% على السيارات أوروبية الصنع إذا لم يقوموا بتشغيل "آلية حل النزاع"، وهو تهديد قام به "ترامب" من قبل، لكن المسؤولين الأوروبيين قالوا إن قرارهم قد تم بالفعل.

وعلى أي حال، يوجد دافع جاد لإنقاذ الصفقة؛ حيث يمكن للأوروبيين من خلال الحفاظ على الاتفاق الإيراني الاحتفاظ لأنفسهم بدور مباشر في أخطر صراعات الشرق الأوسط، وفي حالة انهيار خطة العمل الشاملة المشتركة، ستكون واشنطن وطهران في مواجهة مباشرة، مع ترك الأوروبيين كمتفرج.

وقالت "فون دير مول": "قررنا استخدام جميع أحكام خطة العمل، بما في ذلك آلية حل النزاع، ليس للتخلي عن الاتفاق، ولكن لإفساح المجال للحوار السياسي مع إيران ضمن الاتفاق".

وإذا كان هناك عمل سحري جاري، فإن إصرار الأوروبيين في الأشهر الأخيرة على أن خطة العمل الشاملة المشتركة لا تزال على قيد الحياة، على الرغم من الكثير من الأدلة على عكس ذلك، يعد مجرد وهم لدى الكثيرين.

ومنذ أن أعاد "ترامب" فرض العقوبات، فقد فشلت جهود الاتحاد الأوروبي لمواصلة تقديم الفوائد الاقتصادية لإيران، بما في ذلك عن طريق إنشاء شركة خاصة باسم "إنستكس".

حتى إن "ماكرون"، صاحب دور البطولة في الاتفاق الإيراني، كان قد اقترب كثيرا من الإعلان عن وفاة الاتفاق في نوفمبر/تشرين الثاني.

وقال "ماكرون"، في مؤتمر صحفي في بكين يوم 6 نوفمبر/تشرين الثاني: "أعتقد أنه للمرة الأولى، قررت إيران بشكل واضح وصريح التخلي عن اتفاق خطة العمل الشاملة المشتركة، الأمر الذي يمثل تحولا عميقا".

وتزايد الإحباط من الانتهاكات الإيرانية المستمرة للاتفاق النووي بين "مجموعة الـ3" خلال الأشهر القليلة الماضية، سواء بسبب الخطر السياسي الذي تواجهه خطة العمل، أو بسبب الخطر الحقيقي المتمثل في أن تهتم إيران مرة أخرى بتطوير سلاح نووي.

وفي ديسمبر/كانون الأول، بعد 4 إعلانات من إيران بأنها بصدد نقض أو إنهاء كافة الالتزامات بموجب خطة العمل الشاملة المشتركة، قال الأوروبيون إن إطلاق "آلية حل النزاع" سيكون ضروريا إذا مضت طهران خطوة أخرى إلى الأمام.

وبدأ المسؤولون والدبلوماسيون الأوروبيون في إجراء مشاورات مع روسيا والصين لوضع الأسس لهذه الخطوة، الأمر الذي عارضته كل من موسكو وبكين.

وقال دبلوماسي فرنسي رفيع المستوى: "كان من الممكن أن نشغل آلية حل النزاع بعد المرحلة الرابعة. لقد أجرينا مناقشات متعمقة ومفيدة للغاية مع الروس والصينيين، وكان هناك أمل ضئيل في أننا سنكون قادرين على إقناع الإيرانيين بعكس مسارهم، ولهذا السبب انتظرنا الموعد النهائي للمرحلة الخامسة، فلقد أردنا حقا استخدام كل فرصة ممكنة، لكننا لاحظنا في 5 يناير/كانون الثاني أن إيران لم تنقض مسارها فحسب، بل قالت أيضا إنها سترفع آخر القيود التشغيلية على برنامجها بموجب خطة العمل الشاملة المشتركة".

وقال الدبلوماسي البارز: "كنا ننتظر التأكيد على أنهم لم ينقضوا المسار. لقد أردنا التصرف قبل أن يزداد الأمر سوءا مع تنفيذ المرحلة 5".

وفي السابق، كانت "مجموعة الـ3"، أو الدول الأوروبية الـ3 الكبرى، تنتظر تقريرا رسميا من قبل مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، لكنهم في هذه الحالة لم ينتظروا. وعلى الرغم من المشاورات الوثيقة، انتقد المسؤولون الروس خطوة مجموعة الـ3.

وقال "ميخائيل أوليانوف"، سفير روسيا لدى المنظمات الدولية في فيينا، بما في ذلك الوكالة الدولية للطاقة الذرية: "إن هذا الإجراء مرتبط بمخاطر غير ضرورية قد تجبرنا في مرحلة لاحقة على تذكر أن الطريق إلى الجحيم مفروش بالنوايا الحسنة"، وأضاف أن الدول الأوروبية الـ3 الكبرى وروسيا والصين "تختلف بشكل كبير حول الطريق إلى الأمام".

بقاء الاتفاق هدفا

وبينما يعتقد الأوروبيون أن روسيا والصين وإيران يريدون إنقاذ الاتفاق، فإنهم قلقون أيضا من أن الأحداث السياسية قد تخرج بسهولة عن نطاق السيطرة، أو أن يتخذ "ترامب" بعض الخطوات الاستفزازية التي تقود للتخلي عن العملية.

لكن ما دامت الساعة تدق، كما يقول المسؤولون، فسوف يبقى الاتفاق على قيد الحياة، ولا يزال من الممكن التوصل إلى حل دبلوماسي من الناحية النظرية.

وقال الدبلوماسي الفرنسي البارز: "ليست آلية حل النزاع في حد ذاتها هي التي ستجعل الحل ممكنا. لكنها تضمن بقاء الحل السياسي والدبلوماسي ممكنا، لأننا نبقى في إطار خطة العمل المشتركة الشاملة".

وقد أوضح المسؤولون الأوروبيون، الذين تحدثوا شريطة عدم الكشف عن هويتهم نظرا لحساسية القضية، أنهم لا يتوقعون أن تسفر الآلية عن نتائج سريعة، على كل حال.

وبينما حاول الأوروبيون الحفاظ على رسائلهم متسقة، حدث بعض الاختلاف الملحوظ.

وعبر العديد من المسؤولين الأوروبيين بشكل خاص عن استيائهم من بيان رئيس الوزراء البريطاني "بوريس جونسون"، الذي دعا فيه إلى "صفقة جديدة من ترامب" لتحل محل خطة العمل الشاملة المشتركة، ورفض القادة الإيرانيون هذه الفكرة على الفور.

وكانت صياغة "آلية حل النزاع" المعقدة قد اعتمدت اعتمادا كبيرا على خبرة وزير الخارجية الروسي "سيرجي لافروف"، الذي قضى أعواما سفيرا لروسيا لدى الأمم المتحدة، ولديه معرفة عميقة بعمل مجلس الأمن الدولي.

وكان الغرض من هذه العملية هو معالجة مزاعم الانتهاكات التقنية المحددة للاتفاقية، والتي يمكن التحقق منها أو دحضها من قبل الخبراء في فترة زمنية قصيرة نسبيا، وليس التعامل مع التآكل السياسي الأوسع للصفقة، لأن الولايات المتحدة تخلت عنها ببساطة دون دليل على أي انتهاك محدد من قبل الإيرانيين.

وإذا رفض أحد الضامنين، لسبب ما، الاستمرار في تمديد الجدول الزمني لتسوية النزاع، فإن المواعيد النهائية المكتوبة في الاتفاق تكون سارية، وبعد انقضاء الـ 30 يوما، تُحال المسألة برمتها إلى مجلس الأمن.

وإذا حدث ذلك، يتوقع الكثير من المسؤولين أن تضغط الولايات المتحدة من أجل تحرك سريع لقتل الاتفاق نهائيا. ولكن يوجد أيضا نص على إعادة العقوبات تلقائيا إذا مرت الـ30 يوما دون أن يتصرف مجلس الأمن.

المصدر | جاكوبو باريجازي | بوليتيكو - ترجمة وتحرير الخليج الجديد