لماذا تعثر الاتفاق النووي؟.. ملف الضمانات وتحقيقات الوكالة الذرية السبب

الاثنين 5 سبتمبر 2022 08:59 ص

"الغموض الأمريكي بشأن الضمانات، وادعاءات الوكالة الدولية وتحقيقاتها".. سببان كشفهما مصدر إيراني حول أسباب تعثر التوصل لإعادة الاتفاق النووي من جديد، وفق ما أفادت مؤخرا وكالة "نور نيوز" المقربة من المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني.

وعلى الرغم من كشف تقارير إعلامية غربية أن المبعوث الأمريكي الخاص إلى إيران "روبرت مالي" وعد شفهيا خلال الجولة التفاوضية الأخيرة بأن تدفع واشنطن في اجتماع مجلس محافظي الوكالة باتجاه إغلاق ملف قضايا الضمانات والتحقيقات.

إلا ان إيران تطالب بـ"شفافية أكثر بشأن الملفين، وترجمة الوعود الأمريكية بشانهما إلى نص مكتوب" بالاتفاق، خاصة أن النص الأوروبي يقترح جدولا زمنيا للتعاون بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية لحل هذه الإشكالية.

وتهدف المفاوضات حول الملف النووي الإيراني التي بدأت قبل 16 شهرا، لكن تم تعليقها ثم استئنافها في أوائل أغسطس/آب الماضي، إلى إحياء الاتفاق الذي أبرم في 2015 بين طهران والدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي (الصين والولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وروسيا) بالإضافة إلى ألمانيا.

ووعد الرئيس الأمريكي "جو بايدن" منذ فترة طويلة بإعادة العمل بالاتفاق، معتبرا أنه أفضل طريقة للحد من برنامج إيران النووي، وأن الانسحاب الأمريكي (تم في عهد الرئيس السابق دونالد ترامب) لم يؤد سوى إلى دفع طهران إلى تسريع مشروعها.

في هذا التقرير، نستعرض قضية الضمانات والتحقيقات وماهية التوصل لحل حولهما.

طالبت إيران في ردها على المسودة الأوروبية لإحياء الاتفاق النووي، التي تم تقديمها الشهر الماضي، بتقديم تطمينات بعدم استخدام قضية "الضمانات" المتعلقة بمنع الانتشار النووي ضدها "سياسيا"، إلا أن الطلب الإيراني قد يعرقل التوصل لاتفاق بين طهران والقوى الكبرى.

وتندرج هذه الضمانات ضمن تحقيقات الوكالة الدولية للطاقة الذرية بشأن ما إذا كانت طهران قد أوفت بالتزاماتها بموجب معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية، بعد عثور الوكالة على آثار يورانيوم في 3 مواقع غير معلنة.

وفي وقت سابق، قال رئيس منظمة الطاقة الذرية الإيرانية "محمد إسلامي" إن "أسئلة الوكالة ليس لها أساس أمني، وإذا لم يتم إغلاقها فلا يوجد يوم لإعادة التنفيذ"، وذلك في إشارة إلى تنفيذ طهران التزاماتها في حال إحياء الاتفاق النووي.

ويعود اتفاق "الضمانات" إلى 15 مايو/أيار 1974، حين دخل حيَّز النفاذ اتفاق بين الوكالة الدولية للطاقة الذرية وإيران، وهي وثيقة تتيح للوكالة الأممية التحقُّق من وفاء طهران بالتزاماتها، وعدم تحريف استخدامات الطاقة النووية لأهداف عسكرية.

وتأتي هذه الوثيقة ضمن إطار معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي تضم 191 دولة حائزة وغير حائزة للسلاح النووي، بما فيها إيران، 176 دولة منها نفذت ضماناتها حتى عام 2020، وفقاً للوكالة الذرية.

بالإضافة للضمانات، تضع الوكالة اتفاقات أخرى تعرف بالبروتوكولات الإضافية للضمانات، وتشمل تدابير للشفافية بشأن طبيعة البرامج النووية السلمية.

وبناءً على هذه الاتفاقيات، أقرَّ مجلس محافظي الوكالة في 21 نوفمبر/تشرين الثاني 2003 بروتوكولاً إضافياً بموجب معاهدة عدم الانتشار النووي، يشمل تدابير لضمان التزام إيران بمقتضيات المعاهدة.

وقد نفَّذته إيران طوعا بعد شهر من إقراره حتى مطلع 2006، عندما توقفت عن التنفيذ تزامنا مع إعلانها رفع القيود على تخصيب اليورانيوم.

لكن طهران عادت في يناير/كانون الثاني 2016 لتطبيق هذا البروتوكول الإضافي بشكل مؤقت، عقب تفعيل "خطة العمل الشاملة المشتركة"، الاسم الرسمي للاتفاق النووي.

إلا أنه بعد الانسحاب الأمريكي من الاتفاق في أواخر 2018، بدأت إيران بالتخلي عن التزاماتها النووية.

وتقول الوكالة، في تقارير مديرها العام، إنه "في 23 فبراير/شباط 2021، أوقفت طهران تنفيذ التزاماتها النووية بموجب الاتفاق النووي، بما في ذلك البروتوكول الإضافي بقانونه المعدل لـ"اتفاقية الضمانات الإيرانية".

وحسب الإعلان الإيراني للوكالة، فقد أوقفت إيران استخدام التقنيات الحديثة، والوجود طويل الأمد للوكالة الدولية للطاقة الذرية، فضلا عن تدابير الشفافية المتعلقة بتركيز خام اليورانيوم والتخصيب.

كذلك تعذر الوصول والمراقبة والتحقق من تنفيذ الإجراءات الطوعية، وتدابير الشفافية المتعلقة بتصنيع مكونات أجهزة الطرد المركزي.

وكانت الوكالة طلبت من إيران في يوليو/تموز 2019، الإجابة عن عدد من الأسئلة المتعلقة بالمواد النووية المحتملة في 4 مواقع غير معلنة، عملا بالاتفاقيات المعقودة.

أحد هذه المواقع هو المعروف بالموقع (2) "لافيزان شيان" (شمال شرقي إيران)؛ إذ تقول الوكالة الدولية إنَّ لديها مؤشرات على وجود محتمل لليورانيوم الطبيعي، في شكل قرص معدني في موقع غير معروف في إيران عام 2003.

وعقب ردود إيرانية واستفسارات وتقييم للوكالة في مختبرات "جابر بن حيان" في مركز طهران البحثي النووي، أبلغت الوكالة إيران أنه ليس لديها أسئلة إضافية بشأن الموقع (2)، وأنَّ هذه المسألة لم تعد عالقة في المرحلة الحالية.

لكن تبقَّت 3 مواقع أخرى هي: 1 و3 و4 (فيركزاد، فارامين، وماريفان)؛ حيث وُجدت فيها جزيئات يورانيوم متعددة.

ورداً على التساؤلات بشأن هذه المواقع، قدمت إيران في 19 مارس/آذار الماضي تفسيرات مكتوبة للوكالة، بما في ذلك الوثائق الداعمة ذات الصلة، استجابة للأسئلة التي أثارتها الوكالة بشأن القضايا التي لم يتم علاجها في هذه المواقع.

وعلى الرغم من الرد الإيراني على استفسارات الوكالة، إلا أن الأخيرة ترى أن "إيران لم تقدم تفسيرات ذات مصداقية تقنيا، فيما يتعلق بنتائج الوكالة في تلك المواقع".

وتضيف الوكالة في تقرير مديرها العام الأخير في مايو/أيار الماضي، أنه "ما لم تقدم إيران تفسيرات موثوقة تقنيا لوجود جزيئات اليورانيوم في هذه المواقع، وتكشف عن الموقع الحالي للمواد النووية أو المعدات الملوثة، فإنه لا يمكن للوكالة تأكيد صحة الإعلانات الإيرانية بموجب اتفاقية الضمانات الشاملة، وبالتالي فإنَّ قضايا الضمانات المتعلقة بهذه المواقع الثلاثة لا تزال معلقة".

في التقارير المنشورة، تشير الوكالة الأممية إلى أنَّ لديها معلومات وصور تفيد بأن إيران ربما خططت "لاستخدام المواد النووية في الموقع الرابع (ماريفان)، حيث رصدت اختبارا في الهواء الطلق للأنظمة المتفجرة التقليدية".

بينما في الموقع الأول في فيركزاد (تركوزآباد)، أوضحت الوكالة أنه "من خلال تحليل صور الأقمار الاصطناعية المتاحة تجاريا، تم هدم المباني مباشرة بعدما أبلغت الوكالة إيران بنتائج العينات البيئية التي أخذتها من الموقع".

لكن إيران تقول في ردها على استفسارات الوكالة إنَّ "المباني كانت لدعم منجم، وكانت تحت إدارة منظمة من دولة أخرى، لكن المنطقة أصبحت غير مأهولة.. فيما تم بيع المنطقة الثانية المملوكة للحكومة إلى فرد قام بهدم المباني من أجل استرداد المعادن من الحطام".

أما في الموقع الثالث (فارامين)، تضيف الوكالة أنَّ لديها معلومات عن استخدام "محتمل" أو تخزين للمواد النووية، أو إجراء للأنشطة المتعلقة بالنووي، بما في ذلك أنشطة البحث والتطوير المتعلقة بدورة الوقود النووي، كما خضع الموقع أيضا لتغييرات كبيرة عام 2004، بما في ذلك هدم معظم المباني.

وخلال عامين من محاولاتها تقييم طبيعة تلك الإجراءات غير المعلنة في تلك المواقع، وعلى الرغم من الردود المقدَّمة من إيران، أقرّ مجلس محافظي وكالة الطاقة خلال اجتماعه في يونيو/حزيران الماضي قرارا يدين طهران لعدم تعاونها مع الوكالة الأممية، في ما يخص برنامجها النووي، بعد تصويت 30 عضوا لمصلحة القرار، واعتراض الصين وروسيا، وامتناع 3 دول أخرى عن التصويت.​

ومع قرب التوصل إلى اتفاق يعيد إحياء الاتفاق النووي، ومطالبة إيران بإغلاق قضية الضمانات مقابل حسم محادثات فيينا، يعتزم مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية تقديم تقريره المتعلق بالضمانات العالقة ضمن معاهدة عدم الانتشار الخاص بإيران، لمجلس محافظي الوكالة في منتصف سبتمبر/أيلول الجاري.

وكان مسؤول أوروبي رفيع قد قال مع انتهاء الجولة التاسعة من محادثات فيينا، معلقا على اتفاقية الضمانات بين الوكالة الدولية للطاقة الذرية وإيران: "لن نناقش مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية القضايا التي تخص إيران.. على إيران مناقشة هذه القضايا مع الوكالة.. هي خارجة عن محادثات فيينا".

الأمر ذاته، شدد عليه البيت الأبيض، حين قال إنه "ينبغي ألا يكون هناك ربط بين معاودة تنفيذ الاتفاق النووي الإيراني، والتحقق مما إذا كانت طهران قد أوفت بالتزاماتها بموجب معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية".

لكن الإصرار الإيراني على إغلاق تلك القضايا قبل تنفيذ إعادة إحياء الاتفاق النووي "بات واضحا"، من خلال تصريحات الرئيس الإيراني "إبراهيم رئيسي"، الذي قال في مؤتمر صحفي الأسبوع الماضي، إنَّ هناك 4 شروط تعتبر المكون الرئيسي للاتفاق، ومنها إغلاق المطالبات المتعلقة بالضمانات التي وصفها بـ"السياسية".

الموقف الإيراني يأتي مدعوما من روسيا، خاصة بعد تصريحات المندوب الروسي لدى الوكالة الدولية للطاقة الذرية "ميخائيل أوليانوف"؛ حيث قال إن هذا الملف "سلاح قوي في أيدي الدول الغربية".

وأضاف: "من المهم لإيران الحصول على ضمانات من جميع المشاركين في خطة العمل الشاملة المشتركة، بأنهم لن يحتفظوا بالقضية بشكل مصطنع في مجلس محافظي الوكالة إذا قدمت طهران التفسيرات التي طلبتها الوكالة، وقدم المدير العام رافاييل جروسي تقريرا مرضيا في هذا الصدد".

وبين الإصرار الأمريكي الأوروبي والدعم الروسي لإيران بشأن ملف الضمانات والتحقيقات، يبدو هناك 4 سيناريوهات محتملة على الأقل.

السيناريو الأول، هو أن توافق إيران على تبديد مخاوف وكالة الطاقة الذرية في الوقت المناسب، وبالتالي يتم إحياء اتفاق 2015.

أما الثاني، هو ألا تلبي إيران مطالب الوكالة وترفض اتخاذ الخطوات اللازمة لإتمام الاتفاق، وسترفض واشنطن رفع العقوبات التي تنص عليها المرحلة النهائية للاتفاق المقترح.

ومع ذلك، سيستمر سريان القيود النووية وإجراءات رفع العقوبات المنصوص عليها في المراحل السابقة من الاتفاق المقترح.

ونقلت "رويترز" عن مصدر مطلع قوله: "سيجمد الإيرانيون إنتاج اليورانيوم عالي التخصيب عند نسبتي 20% و60%، كما ستخفف الولايات المتحدة بعض العقوبات، وهي عقوبات قليلة جدا وليست على قدر كبير من الأهمية".

ورغم ذلك، قال مسؤولان أمريكي وإيراني إن هناك احتمالية لتمديد الجداول الزمنية للاتفاق النووي؛ مما يمنح إيران مزيدا من الوقت لتلبية مطالب وكالة الطاقة الذرية إذا قررت ذلك، وبالتالي سيتأخر إتمام الاتفاق.

وقال المسؤول الأمريكي إن هناك بندا في مسودة النص، لا علاقة له بقضية وكالة الطاقة الذرية، يسمح لإيران أو للولايات المتحدة بطلب تأجيل يوم إعادة تطبيق الاتفاق.

أما السيناريو الثالث، فهو أن تلتزم إيران ببنود الاتفاق، حتى إذا ظلت تحقيقات وكالة الطاقة الذرية مفتوحة، وهي خطوة للوراء، لكن قد يكون من الصعب على الزعماء الإيرانيين قبولها أو الترويج لمغزاها في الداخل.

ويدور السيناريو الرابع، حول تعرض وكالة الطاقة الذرية لضغوط سياسية، قد تجبرها على إغلاق التحقيقات حتى لو لم تكن راضية عن تفسيرات إيران، وذلك على الرغم من أن المسؤولين الأمريكيين يقولون إنهم لن يضغطوا على الوكالة.

ويقول "هنري روم" المحلل في مجموعة "أوراسيا" إنه حتى إذا تم التوصل إلى تسوية لإحياء الاتفاق النووي، فمن المرجح ألا يتم تنفيذه.

ويضيف: "لكن سيكون هناك قدر أكبر من الضبابية مما كان عليه الوضع في عام 2015".

المصدر | الخليج الجديد

  كلمات مفتاحية

الاتفاق النووي ضمانات تحقيقات إيران أمريكا الاتحاد الأوروبي

بوليتيكو: هل تنجح أوروبا في تحقيق المعجزة وتنقذ الاتفاق النووي؟

للتوصل إلى اتفاق نووي.. إيران تصر على إغلاق تحقيقات وكالة الطاقة

بوريل متشائم من التوصل لاتفاق سريع بشأن النووي الإيراني

معهد أمريكي: حقيقة 7 خرافات حول الاتفاق النووي نسجها مؤيدوه

الخارجية الأمريكية تعلق على رد إيران حول الاتفاق النووي: الفجوات لا تزال قائمة