الثلاثاء 21 يناير 2020 10:29 ص

علامات استفهام عديدة أثارها الاتفاق المبرم في 2 يناير/كانون الثاني الجاري بين (إسرائيل) واليونان وقبرص حول تصدير الغاز المستخرج من منطقة شرق المتوسط إلى أوروبا، وبالأخص حول مدى تأثير الاتفاق على طموح مصر للتحول إلى مركز إقليمي تصدير الغاز إلى أوروبا في ظل استبعاد القاهرة من الاتفاق الجديد.

وتتركز التكهنات حول حدوث تضارب مصالح بين حلفاء القاهرة وبين حلفائها الافتراضيين في اليونان وقبرص و(إسرائيل) على أثره تم استبعاد مصر من مشروع تصدير الغاز لأوروبا عبر خط أنابيب "إيست ميد" المزمع إنشاؤه بطول 1900 كم، وبتكلفة تبلغ 6 مليارات يورو.

ومن المقرر أن ينقل الجديد الخط الغاز الطبيعي بداية من عام 2025 من (إسرائيل) وقبرص إلى اليونان وإيطاليا وأسواق أوروبية أخرى، بحسب الاتفاق الذي سعى رئيس الوزراء الإسرائيلي "بنيامين نتنياهو" لتسريع توقيعه بهدف مواجهة الإجراءات التركية في شرق البحر المتوسط، بعد توقيعها اتفاقية لترسيم الحدود البحرية مع حكومة الوفاق الوطني الليبية في 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2019، تنص على تقاسم مناطق النفوذ البحري.

في المقابل، يستند الطموح المصري في مجال الغاز على فكرة تحويل محطات إسالة الغاز في إدكو ودمياط (شمالي البلاد) إلى مركز لتجميع الغاز الطبيعي في المنطقة وإسالته وتصديره إلى أوروبا.

وبناء على ذلك، قامت مصر بإبرام عدد من الصفقات لاستيراد الغاز، منها اتفاقية مع (إسرائيل) دخلت حيز التنفيذ فعليا في 15 يناير/كانون الثاني الجاري.

ويعد المشروع المصري أكثر واقعية من خط الأنابيب الضخم بالنظر إلى تقديرات التكلفة، والصعوبات التقنية المرتبطة بطول المسافة وعمق قاع البحر.

ورغم ذلك، تفضل (إسرائيل) على ما يبدو خيار إنشاء خط أنابيب شرق المتوسط على الخيار المصري، بهدف حصد أكبر قدر من المكاسب السياسية والاقتصادية أهمها الحصول على اتصال مادي فعلي مع أوروبا، لذا فإنها سرعت إلى عقد الاتفاق مع قبرص واليونان، بدعمٍ مالي من الاتحاد الأوروبي مع مؤشرات تأييد أمريكي.

في هذا السياق، تتباين آراء المحللين بين من يرجح غلبة منطقة الاقتصاد في النهاية، بما يعني العودة إلى المشروع المصري لإسالة الغاز، وبين من يرجح غلبة الاعتبارات السياسية، بما يعني تمرير خط أنابيب "إيست ميد" بمعزل عن مصر.

العامل التركي

يعد المحاضر بجامعة صقاريا التركية "محمد الزواوي" من محللي الاتجاه الأول، إذ يرى أن الاتفاق الإسرائيلي اليوناني القبرصي ليس سوى "حرب دعائية" تشنها الدول الثلاث ضد تركيا، وفقا لما نقله موقع "عربي21".

وبحسب "الزواوي" فإن "إيست ميد" طالما استُخدم كفزاعة لأنقرة، بالرغم من أنه حتى الآن غير قابل للتنفيذ؛ لعدم موافقة إيطاليا على المشروع منذ بداية الحديث عنه في أبريل/نيسان 2019.

ويعود الرفض الإيطالي لسببين رئيسيين، أولهما أنها تفضل نقل الغاز عبر خط الأنابيب الأدرياتيكي القادم من أذربيجان عبر تركيا ثم اليونان وصولا إلى الأراضي الإيطالية، وثانيهما هو أن إيطاليا تريد تقليل الاعتماد على الطاقة الهيدروكربونية، وتعمل على خطة للاكتفاء ذاتيا من الطاقة المتجددة بحلول عام 2050.

وبذلك تكون إيطاليا هي العقبة الرئيسية دون استكمال المشروع، وهو ما صرح به وزير الخارجية الإيطالي "لويجي دي مايو" قائلا إن "إيست ميد لا يعد خيارا على المديين المتوسط والبعيد من حيث التكلفة والتشييد".

وذكر"دي مايو"، في مقابلة مع وكالة الأناضول، أنه من المتوقع أن يواجه المشروع عقبات أخرى بسبب الخلافات الحدودية بين شطري جزيرة قبرص (التركي واليوناني)، وهو تصريح يوضح صراحة طبيعة الموقف الإيطالي، ويحمل توجيهه عبر الوكالة التركية دلالة واضحة بحسب "الزواوي".

ضغط أمريكي

وفي المقابل، يرجح محللو الاتجاه الثاني، ومنهم خبير العلاقات الدولية "السيد أبوالخير"، أن يقود الدعم الأمريكي لمشروع خط تصدير الغاز بين (إسرائيل) واليونان وقبرص إلى تمرير المشروع، ولو بكلفة اقتصادية أكبر.

ويستند "أبوالخير" إلى أن واشنطن حذرت أنقرة في مناسبات عدة من "القيام بمزيدٍ من الأعمال المُزعزِعة لاستقرار المنطقة" على حد وصفها، وتعطيل عمليات التنقيب عن الغاز في البحر المتوسط، مشيرا إلى أن الولايات المتحدة تفضل مشروع خط أنابيب شرق المتوسط على المشروع المصري لإسالة الغاز وتصديره، لأنَّ من شأنه توفير مصدرٍ بديل للطاقة إلى الاتحاد الأوروبي بعيدا عن الهيمنة الروسية.

وإزاء ذلك نددت تركيا باتفاق "إيست ميد" ووصفته بأنه خطوة لتهميشها، باعتبار أن المشروع الإسرائيلي يمثل بديلا لخط الغاز الذي يمر عبر أراضيها، الذي يعد أكثر جدوى من الناحية الاقتصادية.

وبينما شددت أنقرة على أن "أي مشروع لا يراعي حقوقها مصيره الفشل"، فإن "نتنياهو" في المقابل أكد أن "مشروع إيست ميد سيحول (إسرائيل) إلى قوة عظمى في مجال الطاقة".

وبحسب تحليل معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، فإن شعور أنقرة بالقلق إزاء اصطفاف مصر مع اليونان وقبرص، هو ما دفعها لإبرام الاتفاقية البحرية الجديدة مع طرابلس.

ويشير المعهد الأمريكي إلى أن الاتفاق الموقع في 28 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي شكل محوراً بحريا افتراضيا يمتد من دالامان الواقعة على الساحل الجنوبي الغربي لتركيا ودرنة الواقعة على الساحل الشمالي الشرقي لليبيا، بما يتيح لأنقرة اعتراض "إيست ميد" والتصدي في الوقت نفسه للضغط المصري على حكومة الوفاق الليبية.

لكن "إيست ميد" لا يعد الضربة الوحيدة لطموحات مصر في التحول إلى مركز إقليمي للغاز، حيث تبقى هناك عوامل أخرى اقتصادية وأخرى قانونية تفسر عدم واقعية الطموح المصري.

طموح زائد

في هذا السياق، تنظر الدول المنتجة للغاز إلى مصر كسوق مستهلكة بالأساس، رغم الاحتياطات الهائلة المكتشفة، وهو ما نوه إليه "الزواوي"، مشيرا إلى أن حصة شركة "إيني" الإيطالية من غاز حقل ظهر المصري تبلغ 70%، منها 40% تحصل عليها الشركة الإيطالية نظير تكلفة استخراج الغاز.

أما الـ30% المتبقية للدولة المصرية فإن معظمها يتم ضخه في السوق المحلية المتعطشة للغاز، ومن هنا جاء إبرام القاهرة لاتفاق استيراد الغاز من (إسرائيل)، وليس لأجل تسييل الغاز وإعادة تصديره، كما أعلنت الحكومة المصرية سابقا.

وجاء الاحتفاء الإسرائيلي ببدء تصدير إلى مصر ليؤكد أن القاهرة تستخدم الغاز المستورد للاستهلاك المحلي، حسبما ذكرت صفحة (إسرائيل بالعربية) التابعة لوزارة الخارجية على "تويتر".

 

 

بخلاف ذلك، تعد خطط مصر لتسييل الغاز بمحطتي إدكو ودمياط وتصديره لأوروبا مغرقة في الطموح؛ نظرا للتكلفة العالية المتوقعة لهذا الغاز مقارنة بالغاز القادم من أذربيجان لأوروبا عبر تركيا، والقادم من روسيا عبر تركيا لشرق أوروبا، وكذلك الغاز المحمول عبر خط أنابيب السيل الشمالي "Nord Stream" القادم من روسيا إلى ألمانيا، حسبما يرى "الزواوي".

في السياق ذاته، يشير "أبوالخير" إلى سبب قانوني يتعلق بـ"استبعاد مصر لنفسها من لعبة عاز المتوسط بعد تنازلها عن مناطق تملكها لصالح الخالصة لليونان وقبرص والاحتلال الإسرائيلي"، وذلك خلال اتفاق ترسيم الحدود البحرية الذي وقعته مؤخرا مع اليونان وقبرص.

فخط الغاز المزمع إقامته، وفقا للمشروع الإسرائيلي اليوناني القبرصي، ملك للدول الثلاث، وليس لمصر حق فيه، بحسب ترسيم الحدود المتفق عليه فيما بينها طبقا للقانون الدولي للبحار.

لكن "أبوالخير" يشير، في المقابل، إلى أن التنازل المصري عن مناطق نفوذ بالبحر المتوسط "غير شرعي وغير قانوني، حسب القانون الدولي"، معللا ذلك بأنه "تنازل عن حق لا يملكه من تنازل عنه" حسب تعبيره، ولذا فإن اتفاقيات مصر واليونان وقبرص، لم توضع نسخة منها بالأمم المتحدة، لمخالفتها الصريحة لاتفاقية قانون البحار (جامايكا 1982).

المصدر | الخليج الجديد + متابعات