الثلاثاء 21 يناير 2020 10:08 ص

في ديسمبر/كانون الأول 2019، بدأت المملكة العربية السعودية الاكتتاب العام في "أرامكو"، أكبر شركة نفط في العالم، وبالتالي اضطرت إلى مشاركة جزء من ثروتها مع الآخرين.

و"أرامكو" هي شركة النفط الوطنية السعودية، وتتخصص الشركة في التنقيب عن النفط والغاز الطبيعي وإنتاج النفط وتكريره، وكذلك في صناعة البتروكيماويات، وتعد "أرامكو" جوهرة التاج السعودي، وهي أكبر شركة نفط في العالم، وتمتلك بعضا من أكبر حقول النفط في العالم.

وتشير التقارير المالية للشركة لعام 2018 إلى 356 مليار دولار من إيرادات المبيعات، و213 مليار دولار من الأرباح قبل الضرائب، ونحو 111 مليار دولار من صافي الأرباح بعد خصم الضرائب.

وفي الأشهر الـ9 الأولى من عام 2019، سجلت "أرامكو" أرباحا صافية بلغت 68 مليار دولار، ما يعني أن أرباحها لعام 2019 قد تراجعت.

وتعد نسبة ديون الشركة إلى حقوق الملكية أقل منها في شركات النفط الرائدة الأخرى في العالم، وتستمد المملكة إيراداتها من الشركة من خلال الضرائب وجزء من الأرباح.

وفي عام 2018، دفعت "أرامكو" للدولة 102 مليار دولار من الضرائب، وفي مارس/آذار 2019، دفعت الشركة أرباح الأسهم الحكومية بما بلغ 33 مليار دولار.

وتعتمد المملكة على النفط الذي تنتجه "أرامكو" اعتمادا شبه مطلق، بالنظر إلى أن النفط يمثل نحو ثلثي عائدات الدولة، وتتيح هذه الإيرادات للحكومة دعم الخدمات الأساسية عالية الجودة، مثل التعليم والصحة، والحفاظ على الإنفاق الدفاعي العالي.

وتبلغ ميزانية الدفاع السعودية لعام 2020 ما قيمته 182 مليار ريال، أي نحو 49 مليار دولار، بتراجع قدره نحو 4.7% مقارنة بميزانية 2019، وتمثل ميزانية الدفاع السعودية نحو 17.8% من ميزانية المملكة، وهي من بين أعلى ميزانيات الدفاع على مستوى العالم، وبالتالي فإن عائدات "أرامكو" حيوية لأمن المملكة وازدهارها.

وبصفتها أكبر شركة نفط في العالم، تتمتع "أرامكو" أيضا بأهمية كبيرة لتوازن الطاقة العالمي، ووفقا لبيانات "أوبك"، أنتجت المملكة عام 2018 متوسط ​​يومي من النفط يبلغ 10.3 مليون برميل، وهو ما يمثل 13.4% من الإنتاج العالمي للنفط، وتملك المملكة 267 مليار برميل من احتياطي النفط المؤكد، وهو ما يمثل 17.8% من احتياطيات النفط المؤكدة عالميا.

ويرتبط الاكتتاب العام في "أرامكو" ارتباطا مباشرا بـ"رؤية 2030" في المملكة، التي تم إطلاقها عام 2016، وتشمل الرؤية هدفا رئيسيا يتمثل في تقليل الاعتماد على عائدات النفط، من خلال تحويل رأس المال من قطاع النفط إلى الاستثمار في القطاعات الأخرى.

ويأتي هذا التحول المقترح استجابةً للتهديدات التي يواجهها قطاع النفط، بسبب عدم استقرار الأسعار وزيادة اكتشافات النفط والغاز خارج المملكة، وتطوير بدائل النفط ووسائل الحفاظ على الطاقة.

ونظرا لأن المملكة لم تجد طريقة لتمويل الخطة من خلال الإيرادات العادية وسندات الديون وحدها، فقد اضطرت إلى النظر إلى الاكتتاب العام في "أرامكو" كمصدر للتمويل.

وكان الهدف الأصلي في عام 2016 بيع 5% من أسهم أرامكو بتقييم للشركة لا يقل عن 2 تريليون دولار، أو بعبارة أخرى، جمع ما لا يقل عن 100 مليار دولار.

لكن تم تأخير طرح الاكتتاب العام، الذي كان مقررا في عام 2018، لعدة أسباب على ما يبدو، مثل أسعار النفط التي كانت أقل مما توقعه السعوديون، والشكوك السعودية حول مستوى الشفافية المطلوبة، والبيئة المشحونة بالنظر إلى الشكوك ضد ولي العهد السعودي الأمير "محمد بن سلمان"، الذي ارتبط اسمه بالاكتتاب العام، بشأن تورطه في اغتيال الصحفي "جمال خاشقجي" في أكتوبر/تشرين الأول 2018.

وفي أبريل/نيسان 2019، اشترت "أرامكو" 70% من أسهم الشركة السعودية للبتروكيماويات "سابك" مقابل 68 مليار دولار، وذهبت الأموال لصالح صندوق الاستثمارات العامة، صندوق الثروة السيادي بالمملكة.

وللمساعدة في تمويل عملية الشراء، جمعت "أرامكو" نحو 10 مليارات دولار عن طريق إصدار سندات بالدولار، وتحقيقا لهذه الغاية، نشرت "أرامكو" تنبؤا يتضمن تفاصيل عن الشركة ووضعها المالي، حتى قبل نشر توقعات الاكتتاب العام.

وحدث الاكتتاب العام الأولي في "أرامكو" في أوائل ديسمبر/كانون الأول 2019، في بورصة الرياض المحلية "تداول"، حيث تتمتع المملكة بمزيد من السيطرة، على عكس البورصات الرائدة في العالم التي يفضلها المستثمرون الأجانب.

وكان الاكتتاب العام لـ1.5% من أسهم الشركة فقط، بسعر 32 ريالا سعوديا (8.53 دولار) للسهم الواحد، وفقا لتقييم للشركة بلغ 1.7 مليار دولار، وهو أقل من التوقعات السعودية الأولية، وحقق عائدات للدولة السعودية بقيمة 25.6 مليار دولار.

وفي 12 يناير/كانون الثاني 2020، قالت "أرامكو" إنها مارست خيارها لبيع 450 مليون سهم إضافي، ما رفع حجم الاكتتاب إلى 29.4 مليار دولار، أي 1.75% من الشركة، وفي نفس اليوم، كان سعر السهم قد وصل 34.8 ريال، ليمنح الشركة تقييما عند نحو 1.85 تريليون دولار، بزيادة حوالي 9% عن سعر بداية الاكتتاب العام.

ومن وجهة نظر سوق رأس المال العالمي، على الرغم من أنه لم يتم تقديم سوى جزء صغير من أسهم الشركة، لكن الاكتتاب يعتبر الأكبر في العالم، حيث تعد "أرامكو" الآن الشركة الأكثر قيمة المطروحة للتداول العام في العالم.

وقد تم تصميم الاكتتاب العام لزيادة رأس المال ذي العائد المرتفع من الاستثمارات الأخرى، بما في ذلك المجالات التي تحقق استجابة أكبر لاحتياجات سوق العمل، أو الاستثمارات الإضافية في الخارج التي من شأنها تنويع مصادر إيرادات المملكة.

ومع ذلك، لا يتماشى هذا المنطق مع النطاق المحدود للاكتتاب العام، حيث أنه يتناول جزءا صغيرا من احتياجات المملكة بشكل عام، والاحتياجات الاستثمارية لخطة "رؤية 2030" بشكل خاص.

وفي أوائل عام 2019، في إطار "رؤية 2030"، قدم السعوديون خطة استثمارية تصل إلى 450 مليار دولار على مدى الأعوام الـ11 المقبلة، تهدف إلى تقليل الاعتماد على النفط، وخلق 1.6 مليون وظيفة.

وخلال عام 2019، حذر صندوق النقد الدولي المملكة من أنه يتعين عليها توفير مليون فرصة عمل جديدة على مدار الأعوام الـ5 القادمة، حيث يبلغ معدل البطالة بين المواطنين السعوديين الآن أكثر من 12%.

بالإضافة إلى ذلك، في ديسمبر/كانون الأول 2019، كان عجز الموازنة المقررة يساوي 6.4% من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنة بنسبة 4.7% نسبة العجز الفعلي في الموازنة إلى الناتج المحلي الإجمالي في عام 2019.

ومن الواضح أن الحاجة إلى إيجاد مصادر للإيرادات كبدائل للنفط تستلزم إعادة توجيه كبيرة للموارد ورأس المال الناتج عن الاكتتاب العام.

لذلك، يبدو أن حجم الاكتتاب العام كان عبارة عن حل وسط، حيث كان الاكتتاب ذاته بمثابة دليل على التشبث بالاستراتيجية الاقتصادية السعودية بقيادة "بن سلمان"، بطريقة أو بأخرى، فقد فتح الاكتتاب العام طريقا لجمع الأموال من خلال عروض أخرى لأسهم الشركة.

ولا يعتبر قرار المملكة بمشاركة ثروتها النفطية أمرا مفروغا منه، لأن عرض الأسهم يقلل من النفوذ النسبي للمملكة على شركة "أرامكو"، ويتطلب درجة عالية من الشفافية.

وسيتم قياس نجاح الاكتتاب العام من خلال كيفية استخدام القيادة السعودية للأموال التي تم جمعها، وسيكون النجاح مرتبطا باستثمار أموال الاكتتاب العام في آفاق خارج قطاع النفط المحلي بما يسهم في التوظيف ودر أرباح أكبر من الربح المتوقع من عرض الأسهم. وسوف يعني الفشل إهدار الأموال في النفقات الروتينية.

وكان معظم المشترين للأسهم من داخل السعودية ودول الخليج الأخرى، التي حثها "آل سعود" على شراء الأسهم؛ حيث تم شراء جزء صغير فقط من أسهم "أرامكو" من قبل المستثمرين خارج المنطقة.

وجاء ذلك بعد إحجام مديري الاستثمار الغربيين عن التوصية بشراء أسهم الشركة، على ما يبدو لأن الاكتتاب العام تم إجراؤه في بورصة محلية، ونظرا للمخاطر التي تواجه الشركة والمملكة في أعقاب هجوم إيران على منشآت "أرامكو" في 14 سبتمبر/أيلول 2019.

وقد أدى الهجوم إلى خفض إنتاج الشركةمؤقتا بأكثر من النصف، وبعد هذا الحادث، خفضت "فيتش" التصنيف الائتماني للملكة و"أرامكو" من A + إلى A.

وإذا استمرت هذه الهجمات، فستكون هناك عواقب وخيمة على الشركة ورغبة المستثمرين الأجانب في الاستثمار في المملكة على الإطلاق، مع تزايد مخاطر عدم الاستقرار، ما يدفع المملكة للاهتمام بتهدئة التوترات مع إيران ووضع نهاية للحرب في اليمن.

المصدر | معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي - ترجمة وتحرير الخليج الجديد