الأربعاء 22 يناير 2020 11:37 ص

يجتذب مضيق هرمز، الذي يربط الخليج العربي بخليج عُمان وبحر العرب، أهمية كبيرة كونه أهم ممر عالمي للنفط، ما يجعله مركزا للسيطرة والنفوذ، تتصارع على التواجد فيه قوى إقليمية ودولية.

وجراء تصاعد التوتر الإيراني - الأمريكي، يبرز المضيق الذي يفصل بين إيران وسلطنة عُمان، كورقة ضغط بيد طهران، ترغب القوى العالمية في تحييدها وربما تحويلها إلى ورقة تهديد عسكري للنظام الإيراني.

ضمن هذا الإطار، يمكن رصد مجموعة من التحركات العسكرية لعدد من القوى العالمية التي تسعى لإثبات حضورها وحماية مصالحها في المضيق الحيوي الذي يعبره ما بين 20 و30 ناقلة نفط يوميا، وهو ما يشكل 40% من تجارة النفط العالمية، بخلاف ربع تجارة الغاز الطبيعي المسال.

زحام في المضيق

وسط مخاوف تتعلق بأمن الملاحة الدولية، تتجه 8 دول هي: ألمانيا وبلجيكا والدنمارك وفرنسا واليونان وإيطاليا وهولندا والبرتغال، لتشكيل بعثة أوروبية للمراقبة البحرية في مضيق هرمز.

كذلك أعلنت كوريا الجنوبية، توسيع مهام وحدة لمكافحة القرصنة تعمل حاليا قبالة السواحل الأفريقية لتشمل المنطقة المحيطة بمضيق هرمز.

وقررت اليابان، أكبر مستورد للنفط عبر مضيق هرمز، إرسال قواتها الخاصة إلى المضيق، دون الانضمام للتحالف الغربي لحماية السفن التجارية، خشية توتر علاقاتها الاقتصادية القوية مع إيران، أحد أكبر منتجي النفط في العالم.

وتقف الولايات المتحدة، وراء الحشد الأوروبي لحماية مضيقي هرمز، ومضيق باب المندب على البحر الأحمر، على أن تتولى دول الخليج دفع فواتير الممرات الملاحية، التي تمر 90% من النفط الخليجي عبرها

وتحمل الخطة الأمريكية اسم "الحارس"، ويعتمد تنفيذها على تشكيل قوة بحرية أوروبية، بتمويل خليجي، وسط توقعات بتمدد نفوذ ومهام تلك القوة مستقبلا.

هيئة أركان

وفق المعلن، سوف يتم تشكيل هيئة أركان لتلك القوة، متعددة الجنسيات، في نهاية يناير/كانون الثاني الجاري، على أن يكون مقرها العاصمة الإماراتية أبوظبي.

وتصدر الإمارات 99% من إنتاجها النفطي عبر مضيق هرمز، بينما تصدر السعودية 88% من نطفها، والعراق 98%، بخلاف النفط القادم من إيران والكويت وقطر، وتبلغ تكلفة تأمين الناقلة الواحدة نحو نصف مليون دولار في بعض التقديرات.

وتفيد بيانات أمريكية بأن 76% من النفط الخام والمكثفات التي مرت عبر المضيق، ذهبت إلى الأسواق الآسيوية في 2018.

وخلال الشهر المقبل، سيجري نشر فرقاطة هولندية في المنطقة ستشكل بداية لنظام مداورة للدول المشاركة، بحسب رئاسة الأركان الفرنسية.

ومن المؤكد أن تلقى القوة دعما من الأسطول الأمريكي الخامس المتمركز في البحرين، كما أن البحرية الأمريكية ستمثل العنصر الأبرز ضمن تشكيلاتها.

وليس معروفا إلى الآن، عدد تلك القوة، وحجم تسليحها، والمهام الموكولة لها، وسط تقديرات تؤكد أنها ستكون مخلب قط لردع أي تهديدات إيرانية للملاحة الدولية.

قوة ضغط

وتكتسب قوة حماية "هرمز" أهمية متزايدة بعد مقتل قائد فيلق القدس الإيراني "قاسم سليماني" في غارة أمريكية، الشهر الجاري، والرد الإيراني بقصف قاعدتين أمريكيتين بالعراق.

ويبدو أن واشنطن التي تتبنى تشكيل تلك القوة، تسعى لتحييد ورقة الضغط التي هددت طهران مرارا باستخدامها، حيث لوحت بفرض قيود على المرور بالمضيق إذا تعرضت لهجوم.

وفي يوليو/تموز 2018، هدد الرئيس الإيراني "حسن روحاني" بأن بلاده قد تعطل مرور النفط عبر مضيق هرمز، ردا على عقوبات أمريكية هدفت لخفض صادرات إيران من الخام إلى الصفر.

وزاد التوتر في العام 2019، مع وقوع عدة حوادث بحرية، وتفجير عدد من ناقلات نفط، واختطاف سفن في الخليج ومضيق هرمز تزامنا مع تزايد التوتر الاقليمي.

ومع استمرار واشنطن في سياسة الضغط على طهران، من المرجح أنها ستستثمر تلك القوة في السيطرة على الممر المائي الأهم في العالم، بل وتطويرها إلى قوة ضغط متعددة الجنسيات، على مقربة من الحدود الإيرانية.

مأزق إيراني

وبحسب المحلل السابق بوزارة الخارجية البريطانية، "مايكل ستيفنز"، فإن إيران لا تريد إحداث توتر في المضيق؛ لأنها لا تريد إزعاج قطر أحد حلفائها القلائل في الخليج، إلى جانب أن هناك سلطانا جديدا في عمان تسعى طهران لإقامة علاقات طيبة معه.

على جانب آخر، ترى طهران أن تكلفة أي عمل عسكري تقوم به الآن سوف تكون مرتفعة، وأن عليها أن تضع في حساباتها أنه لا توجد حدود للانتقام الأمريكي في الوقت الراهن، وفق تصريحات "ستيفنز" لـ"رويترز".

ويحجم من خيارات إيران بشأن المضيق أيضا وضعية الصين التي تشتري ما بين 50% و70% من صادرات النفط الإيراني، وترفض أي انقطاع لتدفق موارد الطاقة عبر المضيق، بحسب المدير الدولي لمعهد رويال يونايتد سرفيسز، "جوناثان إيال".

وفي تعبير عن قلقها من التطورات الأخيرة، قال النائب الأول للرئيس الإيراني "إسحاق جيهانجيري"، إن تأسيس تحالف عسكري بزعم تأمين الملاحة في مضيق هرمز "سيزيد من التواجد العسكري الأجنبي في المنطقة؛ وهو ما سيؤدي لزيادة الاضطراب فيها"، معربا عن رفض بلاده التام لفكرة إنشاء هذا التحالف، بحسب التليفزيون الإيراني.

وهناك مخاوف من تحرش إيران بتلك القوة بشكل مباشر أو من خلال الوكلاء في الشرق الأوسط، لكن تولي أحد حلفاء واشنطن قيادة القوة البحرية المقترحة ربما يمثل من فرص فرص التصعيد العسكري في المضيق.

وفي المستقبل، ربما تحدث تفهمات تراعي مخاوف طهران بشأن طبيعة مهام القوة المشار إليها، تأسيسا على "مبادرة هرمز للسلام" التي أعلنها "روحاني" سبتمبر/أيلول الماضي، لتأسيس علاقات ودية في المنطقة، وإطلاق عمل جماعي لتأمين إمدادات الطاقة وحرية الملاحة.

لكن يبقى التأكيد على أن اللعبة في الشرق الأوسط تبدلت، وأن موازين القوى بعد مقتل "سليماني" تميل إلى فرض المزيد من الضغوط على النظام الإيراني، وانتزاع ورقة المضيق من بين يديه، وربما استخدامه لاحقا كسيف مسلط على رقبة طهران.

المصدر | الخليج الجديد