الأربعاء 22 يناير 2020 11:42 ص

لدى الولايات المتحدة قوات منتشرة في قواعد في جميع أنحاء الشرق الأوسط، لكن قلة منها لا تزال لها أهمية مثل منشآتها في تركيا، على الأقل من حيث أهميتها السياسية، إن لم تكن مهمتها العسكرية.

في الشهر الماضي، هدد الرئيس التركي "رجب طيب أردوغان" بالانتقام من أي عقوبات أمريكية ضد تركيا من خلال طرد الولايات المتحدة من قاعدة "إنجرليك" الجوية وإغلاق قاعدة رادار "كوريجيك"، فضلا عن تدابير أخرى.

من وجهة نظر عسكرية أمريكية، فإن خسارة "إنجرليك" و"كوريجيك" لن تكون نهاية العالم، حيث يمكن لواشنطن أن تجد بسهولة مواقع بديلة في أماكن أخرى من الشرق الأوسط.

ومع ذلك، فإن حدوث أي تفجر في العلاقة، إذا حدث، قد يكون له عواقب بعيدة المدى، يحتمل أن تؤدي إلى تعجيل برنامج الأسلحة النووية التركي.

قاعدة لها تاريخ طويل

كانت "إنجرليك" مرادفًا للوجود العسكري الأمريكي في تركيا منذ بداية الحرب الباردة، استخدمت الولايات المتحدة في البداية القاعدة الجوية، التي أنشأها فيلق مهندسي الجيش الأمريكي بالقرب من ساحل البحر الأبيض المتوسط في أوائل الخمسينات من القرن الماضي، للقيام بمهام استطلاع إستراتيجية وعمليات استخباراتية أخرى ضد الاتحاد السوفييتي وحلفائه قبل تحويل المنشأة إلى مكان رئيسي كموقع للنقل والتدريب.

في السنوات الأخيرة، وفرت "إنجرليك" قاعدة للتزود بالوقود الجوي خلال الغزو الأمريكي لأفغانستان ومكان توقف للقوات الأمريكية التي تناوبت منذ حرب العراق، اليوم "إنجرليك" هي القاعدة الأمريكية الرئيسية للبعثات الجوية ضد "الدولة الإسلامية".

وفي الوقت نفسه، تم تأسيس "كوريجيك" في عام 2012 في شرق الأناضول، ونشر رادار AN / TPY-2  كجزء من نظام الإنذار المبكر لحلف "الناتو" ضد هجمات الصواريخ الباليستية الإيرانية المحتملة ضد أوروبا.

بالنظر إلى أهمية "إنجرليك" و"كوريجيك"، فإن الولايات المتحدة ستكره أن تفقد القواعد، خاصة أن البلاد تكافح من أجل مواصلة قتالها ضد "الدولة الإسلامية" في وقت تواجه فيه الطرد المحتمل من العراق، الأمر الذي من شأنه أن يعقد أي جهود للحفاظ على وجودها في سوريا.

والأكثر من ذلك، أن التوترات مع إيران بالكاد تخف، ما يزيد من أهمية شبكة الدفاع الصاروخي الباليستي الأوسع التي تحمي أوروبا.

ومع ذلك، فإن "إنجرليك" و"كوريجيك" يمكن تعويضهما، لدى الولايات المتحدة العديد من الحلفاء في الشرق الأوسط الذين يسعدهم تقديم قواعد جوية كبدائل، بما في ذلك الأردن، والتي ستكون فيها الطائرات الأمريكية بعيدة عن المناطق الموجودة في سوريا والتي تقع على مقربة من "إنجرليك".

لدى واشنطن أيضًا بدائل في أوروبا، مثل اليونان، التي تتفاوض بالفعل مع الولايات المتحدة لتوسيع وجود القوات الجوية الأمريكية هناك.

بالنسبة لـ"كوريجيك"، يمكن للولايات المتحدة أن تخفف من خسارتها من خلال القيام بدوريات إضافية مع مدمرات مسلحة بدفاعات صاروخية باليستية في شرق البحر الأبيض المتوسط والبحر الأسود حتى يتم بناء موقع بديل آخر في أوروبا الشرقية.

الغبار النووي

وبدلاً من ذلك، ستكون تداعيات فقدان القواعد سياسية بشكل أكبر. إذا طردت تركيا الولايات المتحدة، على سبيل المثال، فمن المؤكد أن خلافات هذين البلدين سوف تتوسع، لكن الأمر الأكثر أهمية هو المسألة النووية.

طوال الحرب الباردة تمكنت واشنطن من قتل عصفورين بحجر واحد، لقد توسع الردع النووي لحلفاء "الناتو" مثل تركيا عن طريق حمايته بالقنابل النووية الأمريكية B61 المتمركزة في "إنجرليك"، وفي الوقت نفسه، واجهوا الانتشار النووي من خلال إثناء الشركاء مثل تركيا عن مواصلة برامج الأسلحة النووية الخاصة بهم.

في حين أن هناك بعض الشكوك حول كيفية تنمية مهارات الطيارين المقاتلين في تركيا من خلال تدريبهم ورفع قدرتهم على نشر هذه الأسلحة (يمكن للولايات المتحدة أن تسمح للطائرات المقاتلة التركية بتسليح نفسها مع بعض القنابل النووية التي يبلغ عددها حوالي 50 قنبلة الموجودة حاليًا في "إنجرليك" إذا كان هناك قوة خارجية تهدد البلاد بشكل خطير بالأسلحة النووية)، ولا يوجد أدنى شك في أن وجود الأسلحة في تركيا يمنح أنقرة طمأنة قوية بشأن أمنها الأوسع.

ومع ذلك، فمن خلال سحب المظلة النووية، يمكن لواشنطن أن تحفز أنقرة على متابعة أسلحتها النووية، خاصة في وقت تكون فيه تركيا على خلاف مع (إسرائيل) كقوة نووية.

ويمكن لإيران أن تعيد تشغيل برنامجها النووي الخاص وقد عمدت المملكة العربية السعودية إلى فكرة تطوير قنبلة خاصة بها أيضا.

كما هو الحال، انتقد "أردوغان" منذ فترة طويلة فكرة محاولات الدول المسلحة نووياً منع تركيا من الحصول على أسلحة نووية خاصة بها.

بدون شك، ستتعرض تركيا لضغوط اقتصادية وسياسية كبيرة إذا ما أرادت المضي قدماً في أي خطط لتطوير ردع نووي خاص بها، لكن أنقرة قد تحسب ذلك جيدًا.

وفي حالة الطلاق الفعلي مع الولايات المتحدة والإمكانات المحتملة لظهور المزيد من القوى النووية في الجوار، تتفوق إيجابيات برنامج الأسلحة النووية على سلبياته.

بطبيعة الحال، سيكون لهذا القرار تداعيات شديدة أخرى؛ فمن ناحية، يمكن لحلف "الناتو" أن يطرد تركيا من الحلف، في حين يمكنه أيضًا تحفيز دول أخرى، مثل اليونان، على متابعة برامجها الخاصة، ما يزيد من زعزعة استقرار التوازن الهش في المنطقة.

على نطاق أوسع، فإن سحب الأسلحة النووية من "إنجرليك" قد يدفع حلفاء الولايات المتحدة الآخرين تحت المظلة النووية الأمريكية للتشكيك في الجدوى طويلة المدى لترتيباتهم الخاصة مع واشنطن.

ومن الممكن ألا تضر ظروف سحب الولايات المتحدة للأسلحة النووية من "إنجرليك" من موثوقية واشنطن، ولكنها قد تغذي الدعوات المتزايدة للاستقلال الذاتي النووي في أماكن مثل كوريا الجنوبية التي تواجه تهديدًا نوويًا متزايدًا وسط مخاوف من مستقبل الوجود العسكري الأمريكي في بلادهم.

ويمكن القول إن ما يحدث في "إنجرليك" ليس من المرجح أن يبقى في "إنجرليك".

المصدر | ستراتفور - ترجمة وتحرير الخليج الجديد