الأربعاء 22 يناير 2020 03:01 م

على مدار الأسابيع القليلة الماضية، حدث شيئان غريبان في روسيا. الأول حينما قام الرئيس الروسي "فلاديمير بوتين" بإعادة هيكلة الحكومة، حيث أعلن في خطاب الأمة الأسبوع الماضي عن تعديلات دستورية جديدة من شأنها أن تمهد له الطريق للبقاء في السلطة حتى بعد عام 2024، وهي السنة التي من المفترض أن تنتهي فيها ولايته الحالية، كما قام الشهر الماضي بعمل حملة تغييرات واسعة في القيادات الأمنية، أعاد من خلالها توزيع المحافظين من مكان لآخر كقطع الشطرنج.

من الطبيعي أن تحدث التغييرات الجذرية من وقت لآخر في الكثير من الحكومات بهدف تدعيم السلطة أو إعادة توزيع موازين القوى، وعادة ما يجرى التكتم على تفاصيلها حتى لا يبدو الأمر مثيرا، ولكن التغييرات التي قام بها "بوتين" لم تكن جذرية في ظل الظروف الحالية، بيد أنه بذل قصارى جهده ليجعلها تبدو كأنها تغييرات جذرية من خلال إقالة مسؤولين بارزين في الحكومة كرئيس الوزراء "ديميتري ميدفيديف" والذي يتولى الآن منصب نائب رئيس مجلس الأمن الروسي.

الشيء الثاني الذي حدث و لم يحصل على نفس الزخم رغم أنه كان الأكثر غرابة، حينما أشار "بوتين" في عدة تصريحات أن بولندا هي من بدأ الحرب العالمية الثانية، وأن روسيا سيقت إلى معاهدة "هتلر-ستالين" التي فرضتها عليها اتفاقات كل من بريطانيا وفرنسا مع الألمان.

معاهدة "هتلر-ستالين" لم تكن تحالفًا عاديًا ولكنها كانت معاهدة بدأت بموجبها كل من ألمانيا وروسيا غزو بولندا وتقسيمها، وأي ادعاء بأن بولندا هي من بدأت الحرب يشابه تمامًا آراء "هتلر" وخطابه بأن غزو بولندا كان أمرًا ضروريَا لحماية الألمان من وحشية البولنديين.

وعلى الرغم من غرابة الموضوع، إلا أنه من الممكن فهم السبب الذي دفع الرئيس الروسي لإثارة سؤال من هو المسؤول عن الحرب العالمية الثانية.

لماذا الآن؟

فالرئيس الروسي ليس رجلا عاديا، ومن المستبعد أن يصرح بمثل هذه التصريحات بالخطأ أو بلا مبالاة، ولكن يبدو أنه بعد تلك التغييرات التي قام بها في الحكومة رأى أن يلقي باللوم على بولندا وفرنسا وبريطانيا في التسبب بالحرب العالمية الثانية وأن يحملهم كل المسؤولية، لتتملص روسيا من أي لوم وتنفي عنها الخطأ في قرارها بالتحالف مع "هتلر" .

هذا من شأنه أن يجعل نوايا فرنسا المعلنة في التقرب من روسيا أمرًا بعيد المنال، فبالنسبة للفرنسيين، الادعاء بأنهم تسببوا في الحرب من خلال اتفاقاتهم التي عقدوها مع ألمانيا النازية سيضرب على وترٍ حساس. كما أنه سيجعل من الصعب على ألمانيا هي الأخرى التقرب من روسيا، فالبنسبة للألمان الذين يحاولون جاهدين أن يطووا ذكرى الحرب العالمية الثانية، آخر شيء يودون الانخراط فيه هو مناقشة من المتسبب في الحرب.

لمحاولة فهم ما يحدث، يجب أن نتذكر أن الحرب الوطنية العظمى -كما يطلق على الحرب العالمية الثانية في روسيا- خلفت ندبة في الضمير القومي الروسي، ومن خلال هذا الادعاء، يحاول الرئيس الروسي تطهير روسيا من إثم المسؤولية عن الحرب. فبالادعاء أن بولندا بشكل أو بآخر أجبرت ألمانيا وروسيا على اجتياحها، يصور "بوتين" روسيا كضحية للظروف، كما أنه في نفس الوقت يمد يده للقوى اليمينية المتطرفة في أوروبا والتي تتبنى نفس النظرية بأن "هتلر" أرغم على الحرب، وذلك مربط الفرس.

وهذا أمر مهم على المستوى السياسي؛ فاليمين في أوروبا في صعودِ مضطرد، وهناك جزءٌ منه يرغب في إعادة كتابة التاريخ، بدورها قامت روسيا بدعم ذلك اليمين الصاعد لسنوات إلى الآن. ويزعم "بوتين" أن الديمقراطيات الغربية -ليست الأنظمة الشمولية الديكتاتورية- هي المسؤول الأول عن الحرب العالمية الثانية، وبالتالي فإن ادعاء الليبرالين الديمقراطيين بالسمو الأخلاقي هو أمر غير صحيح.

والمشكلة أنه من خلال قول ذلك بصراحة، يشوه "بوتين" الرواية الفرنسية ويضع ألمانيا في وضع غير مريح، مما سيجعل تعاون كلتا الدولتين مع الروس أمرًا غاية في الصعوبة.

أدان جميع أعضاء "الناتو" تقريبًا سردية "بوتين" عن تاريخ الحرب العالمية الثانية وهو الأمر الذي يثير الحيرة، فقد توقع "بوتين"، بالتأكيد، مثل تلك التبعات، لماذا أقدم إذن على مثل تلك الخطوة؟

السبب في اعتقادي، هو الاتهام الذي وجهه إلى بولندا. فـ"بوتين" لا يتوقع شن حربٍ ضد فرنسا أو ألمانيا ولكنه قلق من بولندا بسبب بيلاروسيا التي تشارك حدودها الغربية مع بولندا، فيما تشارك حدودها الشرقية مع روسيا، وتقع بين دول البلطيق وأوكرانيا، وتعتبر حدود روسيا الغربية أمرا غاية في الأهمية ويشكل فقدان مثل تلك المنطقة الاستراتيجية تهديدًا على الأمن القومي الروسي.

روسيا البيضاء

بيلاروسيا هي المفتاح هنا، إذا كانت في كفة روسيا، فإن دفاع الغرب عن بولندا، التي تحتضن قوات أمريكية، سيصبح أمرًا أكثر صعوبة، وبالمثل إذا اتجهت بيلاروسيا إلى الغرب وتم نشر قوت "الناتو" سيصبح من الصعوبة على روسيا أن تدافع عن سمولينسك أو حتى موسكو.

لدى الروس مبادرة جارية لدمج بيلاروسيا مع روسيا، ولكن في الأسابيع القليلة الماضية أشار الرئيس البيلاروسي "ألكسندر لوكاشينكو" إلى اهتمامه بالحفاظ على علاقات جيدة مع الغرب.

يحاول "لوكاشينكو" الحفاظ على حركته الحرة، بينما تحاول روسيا تقييدها، ولا ترغب بولندا في رؤية المزيد من الجنود الروس على حدودها الشرقية.

بالنسبة لروسيا، فإن تسوية مبادرة ضم بيلاروسيا أمر غاية في الأهمية، وبالنسبة لبولندا فإن زيادة عدد القوات حتى وإن لم تكن معادية، سيؤدي إلى أزمة سياسية تكون الولايات المتحدة طرفًا فيها.

وستحتم تلك الأزمة على الجميع اتخاذ تدابير ما، فالغرب يرفض التغيير، وروسيا لا تثق في نوايا الغرب وتزعم أن ضم دول البلطيق إلى حلف شمال الأطلسي هو أمر يخرق بالفعل محاولات التفاهم مع الغرب. لذلك كان هناك توتر كبير بين روسيا وبولندا حول بيلاروسيا.

وتعد بيلاروس مهمة للغاية للروس، لدرجة التدخل العسكري إذا لزم الأمر، وقد نفذت الدولتان معا مناورات عسكرية متكررة بالقرب من حدود بولندا في الماضي، وبالتالي من المتفهم أن ترى بولندا مثل تلك الخطوة مؤشرًا للحرب، إن لم يكن الآن فلاحقًا.

الجميع يحبس أنفاسه

إذا اندلع الصراع، سترغب روسيا في لوم بولندا. وبإثارة مسألة كيف بدأت الحرب العالمية الثانية، ترغب روسيا في تغيير السردية التاريخية عن بولندا من ضحية إلى معتدٍ تاريخي. كما يرغب "بوتين" بتحذير البولنديين والأمريكيين حتى لا يصدقوا ولو للحظة واحدة أن الحرب غير واردة.

في هذا السياق، تبدو إعادة هيكلة "بوتين" للحكومة الروسية أمرًا منطقيًا، فآخر ما يحتاجه الرئيس الروسي الآن هو بيروقراطية غير عملية قد تعيق تحول اقتصاد الدولة إلى ما يخدم طموحاتها العسكرية. لذلك من المنطقي أن نتساءل ما إذا كانت محاولات "بوتين" لإعادة كتابة التاريخ والتغييرات التي يقوم بها في الحكومة مؤشراتٍ لحرب قادمة، أم أنها جاءت لضمان تحقيق ما يطمح إليه الرئيس الروسي.

سيتذكر القراء قلقنا المستمر حول بيلاروسيا وبولندا. ورهاننا المتفائل أن ما يحدث قد يشير إلى أن الرئيس الروسي لن يتراجع عن طموحاته بشأن بيلاروس ولكنه لا يرغب في الحرب أو يتوقعها. ولكن بين إشارات التهديد وإشارات الحرب، خيط رفيع للغاية، وإعادة تشكيل الحكومة ومحاولات إعادة كتابة التاريخ، تجعل ذلك الخط غير مرئيٍ تقريبًا.

المصدر | جورج فريدمان - جيوبوليتيكال فيوتشرز - ترجمة وتحرير الخليج الجديد