الجمعة 24 يناير 2020 05:55 م

"أقرب المذاهب إلى الروحانية".. هكذا وصف "عبدالله النعيم" المندوب الدائم للإمارات في منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو) الصوفيةَ، في فبراير/شباط الماضي خلال لقاء مع برنامج "ساعة خليجية" على إذاعة مونت كارلو الدولية، معبرا بذلك عن مشروع متكامل تتبناه أبوظبي لـ "الإسلام الوسطي" حسب مفهوم ولي عهد الإمارة "محمد بن زايد".

فمنذ بدء ثورات الربيع العربي في 2011، سارعت الإمارات إلى حشد قدراتها المالية والعسكرية لتشكيل المستقبل السياسي للمنطقة من ليبيا ومصر واليمن إلى السودان لتصبح القوة الأولى المعادية للتغيير وحامل لواء الثورة المضادة التي تدعم الأنظمة المعادية للمجتمع المدني، وتقف مع الحكم العسكري وضد قوى الإسلام السياسي، وإزاء ذلك، كانت أبوظبي بحاجة إلى رواية بديلة للإسلام تغطي على الممارسات الاستبدادية، وتصورها كجهود لمكافحة التطرف والعنف ونشر التسامح.

وفي هذا الإطار، اختارت أبوظبي الصوفية باعتبارها "الفرع" الأهدأ سياسيا في الإسلام، وقامت بإعادة تطويعها عبر تفريغها من مضمونها الروحي والعملي وبدأت اتجاها دوليا لنشر التصوف كبديل لكل من السلفية وحركات الإسلام السياسي بمؤتمر في العاصمة الشيشانية جروزني عام 2016 عن الإسلام السني، بالتنسيق مع الرئيس الشيشاني "رمضان قديروف"، وانتهى إلى قطع العلاقة بين الإسلام وأي نشاط سياسي.

غير أن التوجه الإماراتي لم يكن سوى إعادة إنتاج لمشروع أمريكي سبق أن روجت له مؤسسة راند البحثية التابعة لوزارة الدفاع (البنتاجون)، في تقريرها الشهير "إسلام ديمقراطي مدني - الشركاء والموارد"، الذي حثت فيه على تكوين شبكات من الشركاء في الشرق الأوسط تجمع بين الحداثيين والمتصوفة.

واعتبرت "راند" أن هذين التوجهين، الصوفية والحداثة، لديهما قابلية "التماهي مع القيم الغربية والتبشير بها في المجتمعات العربية"، بما يعني إمكانية سحب البساط من تحت أرجل الأصوليين السلفيين و"الإخوان المسلمون" من خلالهما.

فالحداثيون هم الفئة الأجدر والأوثق أمريكيا بحمل رسالة "تطوير الإسلام الديمقراطي" ونشرها، غير أن غياب الظهير الشعبي لهم أضعف من فاعليتهم، ولتلافي هذا الضعف "لا بد من خلق ظهير صوفي مُتسامح مع الإسلام الذي تريده أمريكا"، حسب نص التقرير.

رواية أخرى

من هنا، دعمت أبوظبي كيانات تهدف إلى تقديم "رواية أخرى للإسلام"، حسب المفهوم الأمريكي، بعضها له طابع حداثي، وتمثله مؤسسات منها "مؤمنون بلا حدود"، وبعضها الآخر يحمل طابعا صوفيا تمثله مؤسسات منها "طابة" و"منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة" و"مجلس حكماء المسلمين".

وفي حين اتجهت مؤسسات الوجه الحداثي إلى تقديم "إسلام جديد" بأحكام فقهية تصل إلى حد القطيعة الكاملة مع "النص والموروث" مثل تأييد مشروع المساواة المطلقة في الميراث بتونس وإضفاء المشروعية عليه، اتجهت مؤسسات الوجه الصوفي إلى تقديم "بدائل مستأنسة" لكيانات إسلامية أخرى، كالاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.

وعبر الباحث في مركز المزماة بدبي "عبدالفتاح المنيعي" عن هذه القسمة بقوله "إن أهمية تأسيس مجلس حكماء المسلمين تنبع من وظائفه التي ستحقق عدة أهداف في غاية الأهمية سواء لدولة الإمارات أو الأمة العربية والإسلامية على الصعد الفكرية والسياسية والاستراتيجية (..) فالمجلس سيعمل بطريقة ضمنية على تعرية ما يسمى باتحاد علماء المسلمين، الذي شكّله الإخوان المسلمون من عناصر حزبية تحت إشراف يوسف القرضاوي وبدعم من حكومة قطر"، وفقا لما أورده موقع "ميدل إيست أون لاين".

وفي الإطار ذاته، روج الإعلام الإماراتي مؤخرا أعمالا دراميا تمجد التيار الصوفي، مثل مسلسل "الحلاج"، الذي عرضته قناة أبوظبي، ومسلسلي"مقامات العشق"، و"عندما تشيخ الذئاب"، اللذين عرضتهما قناتا الإمارات وأبو ظبي.

دعوة أمريكية

وتعود أصول تأسيس مشروع الهجين الحداثي الصوفي إلى الشيخ اللبناني "محمد هشام قباني" في عام 2003، من خلال تأسيسه شبكة مؤسسات حظيت لاحقا بتمويل الإمارات، وتلتقي مع دعوة أمريكية بضرورة إحياء التصوف للحدِّ من تأثير "الإسلام السياسي"، وهي دعوة تبناها المؤرخان "برنارد لويس" و"دانييل بايبس" عقب أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001.

وأقنعت الدوائر الغربية في هذا الوقت الشيخ "زايد آل نهيان"، رئيس دولة الإمارات آنذاك، بأن المنابع الفكرية الأصولية هي التي أفرزت تنظيم القاعدة، وبالتالي تمثل "اختطافا للإسلام"، حسبما أوردت صحيفة "نيويورك تايمز" نقلا عن رواية "بن زايد" لحوار أجراه مع والده.

وبحسب تقرير الصحيفة الأمريكية فإن "بن زايد" بدأ بعد هجمات 11 سبتمبر/أيلول، بالاجتماع مع أعضاء جمعية الإصلاح، التي تمثل فكر الإخوان المسلمون في الإمارات، وعرض عليهم الابتعاد عن السياسة مقابل الحفاظ على عملهم الخيري، لكنهم ردوا بقوائم مطالب إصلاحية، انتهت بحظرهم واعتبارهم جماعة إرهابية.

وجاء تأسيس مؤسسة "طابة" عام 2005 على يد الداعية الصوفي اليمني "علي الجفري" لتمثل امتداد للمشروع الإماراتي ذاته. و"طابة" وهي مؤسسة صوفية مقرّها أبوظبي وتجمع زعامات "التصوف الحداثي" من الشام والمغرب واليمن ومصر، ولها مجلس استشاري أعلى، يجمع أقطاب الصوفية في المنطقة، ومن بينهم "علي جمعة" مفتي الديار المصرية الأسبق.

علمانية مزعومة

ولذا الزميل بمعهد دراسات الشرق الأوسط "أندرياس كريج" أن التصور المتداول غربيا عن تبني الإمارات للنموذج العلماني غير دقيق، مؤكدا أن أبوظبي "لا تختلف عن القوى الأخرى التي تستخدم الدين لخدمة سياساتها"، وفقا لما نقله موقع "ميدل إيست آي" البريطاني.

فالرواية التي تستند إليها أبو ظبي حول "التسامح والتعايش الديني" صمتت عن قصد لاجتذاب الجمهور الغربي، لكنها زائفة وتخدم الترويج لشكل آخر من الإسلام الموظف في إطار مصالحها، وهو الصوفية، بحسب "كريغ"، الذي أشار إلى أن تلك المصالح تصب بالنهاية في خدمة أهداف "محاربة الإسلام السياسي ومنع تسييس المجتمع المدني واحتكار القوة الاجتماعية السياسية والسلطة من قبل الدولة"، وهو ما عبرت عنه مواقف "الجفري" و"جمعة" وعموم المشاركين بالمؤسسات ذات التمويل الإماراتي.

ولفت "كريج" إلى أن خوف الإمارات من الإسلاميين يرتبط بخوف أعمق من "القوة الناعمة الجاذبة للإسلام السياسي المعارض للأنظمة الاستبدادية الموجودة بالمنطقة"، وينبع هذا الخوف من تصور مفاده أن "الاعتقادات الإسلامية عندما تتضمن أهدافا سياسية لا يمكن السيطرة عليها من قبل الدولة أو النظام، وبالتالي تخلق دينامية تهدد الوضع القائم مثلما جرى أثناء ثورات الربيع العربي".

وينقض تحليل "كريج"، المستند إلى أساس مصلحي، رواية "بن زايد" في "نيويورك تايمز" عن وجود جذور عداء على أساس "فكري" للإمارات مع التيارات الإسلامية، إذ طالما استقبلت الإمارات رئيس الاتحاد العالمي "يوسف القرضاوي" باعتباره رمزا للوسطية قبل ثورات الربيع العربي، بينما تصنفه اليوم على قائمة الإرهاب الدولي.

إنها قابلة التصوف إذن لـ"النمذجة" على مقاس مناسب للسلطة المتغلبة، وهو ما سبق أن حذر منه المفكر المصري الراحل "عبدالوهاب المسيري" في مقال نشر في 26 ديسمبر/كانون الأول 2004 تحت عنوان "الإسلام والغرب" قائلا: "العالم الغربي الذي يحارب الإسلام، يشجع الحركات الصوفية (..) وقد أوصت لجنة الكونجرس الخاصة بالحريات الدينية بأن تقوم الدول العربية بتشجيع تلك الحركات؛ فالزهد في الدنيا والانصراف عنها وعن عالم السياسة يضعف ولا شك صلابة مقاومة الاستعمار الغربي".

المصدر | الخليج الجديد