السبت 15 فبراير 2020 09:08 ص

منح الربيع العربي الأحزاب السياسية المرتبطة بجماعة "الإخوان المسلمين" فرصة جديدة للحياة؛ حيث سعت إلى استخدام الثورات والانتخابات في جميع أنحاء المنطقة كنقطة انطلاق للسلطة السياسية.

ورغم نجاحها المبدئي في مصر وتونس واليمن وسوريا، إلا أن هذه الفصائل جرى استهدافها مرة أخرى.

وعلى عكس السعودية، التي تعاونت مع الفرع اليمني لـ"الإخوان المسلمين"، فإن الإمارات معادية تماما لأي مظهر من مظاهر الإسلام السياسي.

ورغم أن جماعة "الإخوان المسلمين" غالبا ما يُنظر إليها خطأً على أنها منظمة عابرة للحدود، إلا أنها مقسمة إلى حد كبير إلى حركات وطنية تركز على النجاح المحلي وتتكيف مع البيئة السياسية لبلدهم. وعادة ما تكون الفروع مختلفة إيديولوجيا.

تأسست جماعة "الإخوان المسلمين" في مصر عام 1928 على يد "حسن البنا". في البداية سعت إلى توفير الخدمات الاجتماعية واستعادة الشعور بالهوية الإسلامية للمصريين المحرومين بسبب الحكم الاستعماري البريطاني. وسرعان ما انتشرت أفكارها، وتطورت فروعها في جميع أنحاء المنطقة، وغالبا ما تواجه حملات صارمة في الدول التي تعمل فيها.

ولا تنسق العديد من الفصائل المرتبطة بـ"الإخوان المسلمين" في الوقت الحاضر مع بعضها البعض كحركة عابرة للحدود. فبعض الفروع، مثل تلك الموجودة في تونس واليمن، تنكر أصلا مثل هذه العلاقة.

حقق "الإخوان المسلمون" نجاحا غير مسبوق في أول انتخابات رئاسية حرة في مصر عام 2012، إلى أن تم سحقها وعزلها مرة أخرى في العام التالي في انقلاب نفذه قادة الجيش المصري، الذي كان بمثابة حكومة ظل منذ الإطاحة بالنظام الملكي المدعوم من بريطانيا في عام 1952. لقد دعمت اليد الخفية لدولة الإمارات هذا الثورة المضادة؛ حيث قدمت الكثير من الدعم المالي وغيره من أشكال الدعم للجيش، الذي سعى منذ ذلك الحين إلى القضاء على "الإخوان المسلمين".

ثم حولت أبوظبي انتباهها إلى تونس؛ حيث صعد حزب "حركة النهضة" الإسلامية المؤيد للديمقراطية إلى السلطة بعد ثورة الياسمين الناجحة في البلاد. وخوفا من أن يعطي حزب "حركة النهضة" إلهاما لجماعة "الإخوان المسلمين"، ومن إمكانية أن يكون حليفًا لجماعة "الإخوان المسلمين" في مصر، وأن الانتقال الناجح يمكن أن يلهم المزيد من الأحزاب الإسلامية على المستوى الإقليمي، سعت الإمارات إلى تمكين حزب "نداء تونس" العلماني.

أدى ذلك في البداية إلى إضعاف "النهضة"؛ مما اضطره إلى تحالف لتقاسم السلطة في الانتخابات الرئاسية لعام 2014. بعد ذلك، قالت تقارير إن أبوظبي شجعت "نداء تونس" دون جدوى على إطلاق انقلاب للاستيلاء على السلطة في تونس لتكرار النموذج المصري.

في اليمن، وقفت الإمارات خلف تنفيذ عمليات اغتيال لأعضاء بارزين في حزب "التجمع اليمني للإصلاح"، وهو حزب معتدل محسوب على جماعة "الإخوان المسلمين". علاوة على ذلك، دعمت أبوظبي المجلس الانفصالي الجنوبي الانتقالي في اليمن، وهو أيضا معادٍ لـ"الإخوان المسلمين".

كما هو الحال مع تونس، لم تهمش أبوظبي الفصيل اليمني بنجاح، لكن أعمالها المتشددة هناك تكشف عن خصومتها له.

في السودان، في عام 2019، دعمت الإمارات المجلس العسكري الانتقالي الذي يسعى إلى إنشاء نظام استبدادي مناهض للإسلاميين في البلاد.

ما الذي يفسر رغبة دولة الإمارات في سحق جماعة "الإخوان المسلمين"؟

في مقال نشر حديثا لصحيفة "نيويورك تايمز"، قدم "روبرت وورث"، الذي قابل ولي عهد أبوظبي "محمد بن زايد"، وصفا لرؤيته للشرق الأوسط، مع إبراز مزاعم حول "بن زايد" بأنه شخصية شابة يتمتع بثقافة تشجع حرية الأديان، وهذا ما يدفعه لمعارضة "الإخوان المسلمين".

ويردد مقال "وورث" ببساطة الروايات الإماراتية وذرائع سياستها الخارجية ويخفي الدوافع الشريرة وراء طموحات أبوظبي الإقليمية، خاصة أن "بن زايد" اتبع سياسة خارجية حازمة على نحو متزايد تنطوي على ما هو أكثر من استهداف جماعة "الإخوان المسلمين".

في الداخل، كان لدى الإمارات مجموعتها المرتبطة بـ"الإخوان المسلمين"، وتسمى أيضًا "الإصلاح" (نفس اسم المجموعة اليمنية). على الرغم من أن "الإصلاح" نفى صلاته بجماعة الإخوان المسلمين، إلا أن الحكومة الإماراتية تعاملت معها بشك وربطتها بـ"الإخوان".

مع موجة الربيع العربي، ألهمت الدعوات السلمية للإصلاحات في الإمارات العديد من الشخصيات بما في ذلك المثقفين والناشطين والمحامين للدعوة إلى إصلاحات في البلاد. وكان من بينهم أعضاء في "الإصلاح". لذلك سعت الإمارات إلى سحق الفصيل وشنت حملة ضده، في حين أنهت في الوقت نفسه إمكانية إجراء إصلاحات.

في عام 2006، قال "بن زايد" للدبلوماسيين الأمريكيين إنه "في حالة إجراء انتخابات غدا، فإن جماعة الإخوان المسلمين في الإمارات ستفوز". وحذر قائد شرطة دبي في عام 2012 من "مؤامرة دولية" من "الإخوان" للإطاحة بالحكومات الإقليمية، ووصفها بأنها تهديد أكبر من إيران.

يفسر الخوف الواضح لدولة الإمارات من جماعة "الإخوان المسلمين" السبب في حملتها في الخارج، مدركة أن نجاح الفصائل الإسلامية في المنطقة يمكن أن يلهم الآخرين في أماكن أخرى، ويثير دعوات لإصلاحات داخل الإمارات. لقد استخدمت أبوظبي ثروتها الكبيرة وامتدادها الدبلوماسي لاستهداف أي منطقة تلمس أدنى أثر لوجود الإخوان.

وأشارت منظمات حقوق الإنسان إلى أن القمع داخل دولة الإمارات ارتفع مع سعي الحكومة لاحتواء أي نمو محتمل للإسلام السياسي.

ترى الإمارات أن "الإخوان المسلمين" يشكلون تهديدا للوضع السلطوي التقليدي القائم في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وقد أقامت الإمارات علاقات متواصلة مع العناصر السياسية الفاعلة بعد الربيع العربي، بما في ذلك الجيش المصري بقيادة "عبد الفتاح السيسي"، والجيش السوداني، و"خليفة حفتر" الليبي.

تتواصل أبوظبي الآن بشكل مستمر مع "بشار الأسد" في سوريا، واستعادت أبوظبي العلاقات الدبلوماسية مع دمشق في ديسمبر/كانون الأول 2018. وترى الإمارات أن "الأسد" هو حصن معاد للثورة ضد الحركات الإسلامية والتغيرات الديمقراطية.

ينبغي النظر إلى حملة الإمارات ضد جماعة "الإخوان المسلمين" على أنها حملة ضد الديمقراطية أيضا؛ لأن الثورات الإقليمية التي تدعو إلى إصلاحات حكومية أدت في البداية إلى بروز "الإخوان". وطالما أن أبوظبي تعاني من هذا الخوف غير العقلاني من الإسلام السياسي، فسيتم تخريب التغيير الديمقراطي الحقيقي في جميع أنحاء المنطقة.

المصدر | جوناثان فنتون هارفي/إنسايد أرابيا - ترجمة وتحرير الخليج الجديد