الأحد 26 يناير 2020 12:00 م

أطلقت ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011 التي أطاحت بالرئيس "حسني مبارك" ثورة إبداعية مع ظهور تلقائي لمجموعة متنوعة من الأشكال الفنية: الكتابة على الجدران، والعروض في الشوارع، والموسيقى الساحرة ومقاطع الفيديو الساخرة على الإنترنت. 

كان الكثير من أشكال الفن الثوري طريقة للاحتجاج على الظلم والقمع الاجتماعي، وكان بمثابة تعليق مرئي على التطورات الدرامية التي كانت تتكشف خلال الاضطرابات السياسية. 

استخدم الفنانون والموسيقيون الفن للتعبير عن حريتهم التي حصلوا عليها حديثًا لشرح مظالمهم بسبب "الأخطاء الاجتماعية" والحث على اتخاذ إجراءات لتصحيحها.

بعد مرور 9 سنوات، لا يكاد يكون هناك أثر للصحوة الثقافية التي ترمز إلى حرية التعبير في مصر "الجديدة". استهدفت الحملة الأمنية المستمرة ضد المعارضة، القائمة منذ عام 2013، الفنانين والموسيقيين إلى جانب المعارضين والشخصيات السياسية والصحفيين، مما خنق حرية التعبير وفرض غطاء على الفن والإبداع.

جرى مسح جميع الفنون الكتابية على الجدران والتي انتشرت في شارع "محمد محمود" وحوله في أعقاب الثورة. وبينما تقوم السلطات بأعمال تجديد واسعة النطاق في وسط القاهرة، يبدو أنها مصممة على القضاء على أي من بقايا الثورة. ويخضع ميدان التحرير حيث تجمع المحتجون لإصلاح شامل منذ عام 2011.

وفي الوقت نفسه، دفع عدد من الفنانين الذين برزوا خلال الثورة، ثمنا باهظا للتعبير عن أفكار غير متطابقة مع السلطة. أُجبر "جنزير"، الذي اشتهر بفن الشارع والذي سخر من الجيش، على الفرار من مصر إلى الولايات المتحدة بعد أن وصفته وسائل الإعلام الموالية للحكومة بأنه "إرهابي" في أوائل عام 2014. 

كان الرسم على جدار محمد محمود يصور جنديًا يقف وسط كومة من الجماجم على الأرجح، مما عرضه لخطر الاعتقال.

وقال "محمد عبلة" وهو رسام ونحات تتناول أعماله القضايا السياسية والاجتماعية: "في بيئة اليوم التقييدية، لم يعد الفنانون قادرين على التعبير عن أفكارهم بحرية؛ وإذا فعلوا ذلك، فلن يوافق أي معرض فني على إظهار أعمالهم". 

وأضاف "عبلة" لـ "المونيتور": "يلجأ الفنانون بشكل متزايد إلى الرمزية في عملهم؛ ويتعين عليهم أيضًا الرقابة الذاتية خوفًا من الاعتقال.. هذا الوضع لا يمكن تحمله لأن الفنانين المصريين لم يعتادوا على إسكاتهم – فيجب أن تتغير الأوضاع".

وذكر "عبلة" الأيام التي كان بإمكانه هو وزملائه من الفنانين عرض أعمالهم في مهرجان "الفن ميدان" الذي يديره المتطوعون، والذي تم إطلاقه في ربيع عام 2011. 

تم تمويل المهرجان في البداية من قبل وزارة الثقافة لكن الأموال اختفت بسرعة، مما دفع المنظمين لجمع التبرعات. ولمدة 3 سنوات متتالية، تم تنظيم مجموعة من الفعاليات الثقافية في الساحات العامة في جميع أنحاء البلاد تحت شعار "الفن الميدان".

وقال "عبلة": "كان هدف المهرجان هو جلب الثقافة للجماهير وتثقيف الجمهور حول الفن. وسعى المنظمون إلى جذب الناس العاديين بدلاً من خبراء الفن لإثارة الاهتمام بالفن.. كان المقصود منه أيضًا تعزيز حرية التعبير والاحتجاج على جميع أشكال الرقابة".

كانت استجابة الجمهور لافتة مع حشود كبيرة تتدفق على الساحات لحضور العروض أو التجول في المعارض الفنية. لكن كل ذلك توقف في صيف عام 2014، عندما ألغت السلطات المصرية المهرجان مرتين على أساس أن "المنظمين لم يكن لديهم التصاريح الصحيحة". 

تسبب قانون مناهض للاحتجاج، صدر في نوفمبر/تشرين الثاني 2013، في تجريم مثل هذه التجمعات دون تصريح مسبق من وزارة الداخلية، مما أشار إلى نهاية المهرجان.

يقضي "عبلة" الآن وقته في رحلات مكوكية بين استوديو فني في وسط القاهرة والفيوم، وهي مدينة تقع جنوب غرب القاهرة، حيث يواصل تنظيم ورش عمل فنية في مركز الفيوم للفنون، الذي أسسه في عام 2006. كما يشرف على إدارة متحف الكاريكاتور هناك، والذي أنشأه رداً على الرسوم المسيئة للنبي محمد صلى الله عليه وسلم لعام 2005، لإظهار أن هناك أيضًا رسوم كاريكاتورية في مصر وأنها سياسية وكذلك اجتماعية.

يعرض المتحف، وهو الأول من نوعه في الشرق الأوسط، مجموعة رائعة من الرسوم الكاريكاتورية المصرية، ويعود بعضها إلى أوائل العشرينات من القرن العشرين سعى "عبلة" إلى الحفاظ عليها للأجيال القادمة. 

وفي حين أن العديد من الرسوم المتحركة تستهزئ بأزمات المجتمع، لا يوجد سخرية من الرئيس "عبد الفتاح السيسي". ويبدو أن على "عبلة" أن يتعامل بحذر حتى لا يزعج السلطات. 

أرسلت اعتقالات واحتجاز عدد من الساخرين في السنوات الأخيرة رسالة تقشعر لها الأبدان بعدم التسامح مطلقاً مع الفكاهة عندما يكون الجيش أو الشرطة أو الرئيس هم المستهدفون.

كان ذلك الأمر واضحا منذ بداية حكم "السيسي" عندما تم إغلاق برنامج "البرنامج"، وهو برنامج تلفزيوني ساخر، بعد حلقة سخر فيها مقدم البرنامج، "باسم يوسف"، من "الهوس بالسيسي" الذي اجتاح البلاد.

 تم اتهام "يوسف" بزعزعة السلام والأمن في البلاد فيما لا يقل عن 12 شكوى قانونية مقدمة ضده من قبل مواطنين موالين للحكومة. ومنذ ذلك الحين انتقل إلى الولايات المتحدة ولم يتمكن من العودة.

لم يكن الأمر بسيطا أيضا بالنسبة للفرق الموسيقية التي اشتهرت أغانيها المشحونة سياسياً في أعقاب الثورة. فرقة "روك كايروكي"، التي أصبحت أغنيتها "صوت الحرية" نشيد الثورة، أوقفت السلطات العديد من حفلاتها الموسيقية في عام 2018 بعد بيع التذاكر. وقد دفع الإلغاء المتكرر المجموعة إلى تحويل انتباهها إلى الحفلات الموسيقية الدولية في الخارج بدلاً من تنظيم العروض المحلية.

تشكلت لجنة في يوليو/تموز 2018 لتنظيم المهرجانات وإصدار تصاريح للمناسبات الثقافية بما في ذلك الحفلات الموسيقية. كما جعلت اللوائح الجديدة إلزامًا على منظمي الفعاليات وجود رأس مال لا يقل عن 500 ألف جنيه مصري (31.700 دولار) وتقديم جميع التفاصيل حول هذا الحدث. علاوة على ذلك، لا يمكن تقديم طلبات الحصول على التصاريح إلا في يونيو/حزيران من كل عام.

وقال "شريف هواري"، عازف الجيتار الرئيسي في "كايروكي"، لـ"المونيتور": "جعلت القيود الجديدة من الصعب للغاية تنظيم حفل موسيقي لأن الأمر يستغرق وقتًا طويلاً للغاية لكي تصدر اللجنة التصاريح، وأحيانًا لا يتم منح تلك التصاريح". 

تقلصت مساحة حرية التعبير الفني تحت حكم "السيسي"، وعلى سبيل المثال: واجهت المطربة "شيرين عبد الوهاب" محاكمة مرتين، مرة في نوفمبر/تشرين الثاني 2017 بسبب مزحة قدمتها في حفل موسيقي وجرى تشويهها، ومرة أخرى في وقت سابق من هذا الشهر عندما قالت على خشبة المسرح، "مصر لا تستحقني". جرى رفع الشكاوى القانونية ضدها من قبل "سمير صبري"، وهو محام مؤيد للحكومة يشتهر برفع دعاوى ضد المشاهير.

جرى احتجاز الموسيقي المصري الأمريكي "نادر صادق" لمدة 4 أيام في عام 2016 لدوره في تنظيم حفل موسيقي عزفت فيه فرقة "سيبولتورا" البرازيلية. في هذه الحالة، رفع الدعوى "هاني شاكر"، رئيس نقابة الموسيقيين، الذي ادعى في مقابلة تليفزيونية على قناة CBC المصرية أن "عبدة الشيطان" قد حضروا لهذا الحدث السيئ في ملابس غريبة.
ويعد احتجاز الفنانين وملاحقتهم قضائيا بعيدا كل البعد عن فترة الحرية القصيرة في الأيام الأولى للثورة. وقد رسم "صادق" صورة قاتمة للوضع الحالي للفن، قائلا: "أصبحت الموسيقى والفن عملاً خطيراً في مصر".

المصدر | شهيرة أمين - المونيتور - ترجمة وتحرير الخليج الجديد