الثلاثاء 28 يناير 2020 02:28 م

ذكريات مؤلمة تلك التي أعادها انتشار فيروس "كورونا"، الذي ارتفع عدد ضحاياه إلى أكثر من 106 وفيات، فضلا عن تسجيل قرابة 5 آلاف إصابة في الصين وحدها حتى 27 يناير/كانون الثاني، مذكرا بالانتشار السابق لفيروس "سارس"، الذي سبب ذعرا عالميا عام 2003 بعدما أصاب أكثر من 8 آلاف وقتل 774، وكانت بدايته من الصين أيضا.

ولا ترتبط ذكريات "سارس" فقط بالآثار الإنسانية والخسائر البشرية، بل أيضا بتأثيرات اقتصادية بالغة السوء قدرتها دراسة أعدها البنك الدولي بقيمة 570 مليار دولار أو ما يوازي نحو 0.7% من حجم الناتج المحلي الإجمالي العالمي.

ورغم أن مدينة "ووهان" ومقاطعة "هوباي" هما المركز الرئيس لانتشار المرض، إلا أن السلطات الصينية رصدت إصابات عديدة في عدد من المدن الكبرى، على غرار بكين وشنغهاي وشينجن وكانتون؛ حيث انطلق الوباء إلى العديد من دول العالم ما تسبب في انخفاض أسعار النفط بأكثر من 2%، وهو أدنى مستوياتها فى عدة أشهر، مع تنامى المخاوف بشأن تراجع الطلب على الخام.

وفي هذا الإطار، أكد بنك "جولدمان ساكس"، في مذكرة، أن "مخاوف المستثمرين المتعلقة بالطلب على النفط تزايدت بشكل ملحوظ مدفوعة ببيانات سلبية عن المخزونات الأمريكية (..) والمخاوف من تأثير تفشي فيروس كورونا".

  • تهوين سعودي إماراتي

ورغم تلك المؤشرات، إلا أن موقف السعودية والإمارات من انتشار "كورونا" ركز بالأساس على التهوين من تأثيره على أسواق النفط، وهو ما ظهر في تصريحات وزير الطاقة الإماراتي "سهيل المزروعي"، الإثنين؛ حيث دعا الوزير الإماراتي أسواق النفط إلى "عدم المبالغة في رد فعلها إزاء الأثر المحتمل لتفشي كورونا على الطلب"، وفقا لما نقلته "رويترز".

فيما قال وزير الطاقة السعودى الأمير "عبدالعزيز بن سلمان" إن المملكة "واثقة من قدرة الحكومة الصينية والمجتمع الدولى على احتواء انتشار الفيروس". ووصف تأثير "كورونا" على سوق النفط بأنه "مدفوع في الأساس بالعوامل النفسية"، زاعما أن أثر انتشار الفيروس على طلب النفط العالمي "محدود للغاية".

وذكّر "عبدالعزيز بن سلمان" بأن "مثل هذا التشاؤم حدث فى عام 2003 أثناء الأزمة التى أحدثها انتشار فيروس سارس، ولم يترتب عليه انخفاض يُذكر في الطلب على النفط".

وتكشف تصريحات الوزير السعودي أن المملكة تعول على "منظمة الدول المصدرة للبترول" (أوبك) ومجموعة (أوبك+) لـ"اتخاذ ما يلزم من إجراءات لضبط الأسواق إذا استدعى الأمر ذلك"، وفق تصريحات الوزير السعودي.

وساعدت اتفاقات "أوبك+" على مدار 3 أعوام في دعم أسعار النفط الخام بعد هبوط حاد مرت به ابتداء من 2014.

  • تأثيرات اقتصادية

لكن الخطير في المخاوف من انتشار "كورونا" هي أثرها على عموم النشاط الاقتصادي، وليس سوق النفط فقط؛ ما دفع المستثمرين إلى رفع درجات التأهب، خاصة أن تفشي المرض في الصين جاء في وقت حرج لثاني أكبر اقتصاد في العالم، الذي لا يزال متأثرا بالحرب التجارية مع أمريكا.

في ضوء ذلك، كان من الطبيعي أن تنخفض أسعار أسهم شركات الطيران ووكالات السفر ومنتجات مستحضرات التجميل التي تلقى رواجا كبيرا في الصين، لا سيما بعد إلغاء الاحتفالات برأس السنة الصينية، وإغلاق مراكز ترفيهية مثل "ديزني لاند" في شنغهاي ومراكز أخرى في بكين وجزء كبير من السور العظيم؛ في محاولة لتقليل حركة السكان بهدف احتواء "كورونا".

ويؤكد مدير "معهد فيينا الدولي للدراسات الاقتصادية"، "روبرت شتيهرير"، تلك المخاوف في تقديره الخاص للموقف، خاصة أن الاقتصاد العالمي لم يتعافى بعد من عواقب الحرب التجارية، لافتا إلى اتساع حالة القلق من تباطؤ نمو الطلب على النفط.

ويعزز من هذا القلق تقارير دولية منها بيان صادر عن "كومرتس بنك" الدولي يحذر فيها من احتمال حدوث مفاجآت اقتصادية سلبية مع توسيع الحكومة الصينية في الحجر الصحي لفيروس "كورونا" إلى 10 مدن في مقاطعة هوبي، التي يبلغ عدد سكانها 30 مليون نسمة.

لذا يؤكد المحلل في شركة "أو إم في" النمساوية، "لوكاس برتريهر"، أن توقيت وقوع أزمة "كورونا" كان موجعا للاقتصاد العالمي؛ حيث حدث في موسم السفر الأكثر ازدحاما للصين حيث يتعاظم استهلاك الوقود ويرتفع الطلب بشكل واسع على المنتجات المكررة وهو ما أسهم في بث أجواء محبطة في السوق. وأشار إلى أن تقديرات المؤسسات الدولية أجمعت على حدوث انخفاض مؤثر في الطلب على النفط بنحو 260 ألف برميل يوميا؛ بما يقلل أسعار النفط بنحو 3 دولارات للبرميل.

وحسبما نقلت "هيئة الإذاعة اليابانية" عن منظمة التجارة الخارجية اليابانية، فإن 160 شركة يابانية (نصفها تقريبا تعمل بصناعة السيارات) لديها مراكز في مدينة ووهان (مركز تفشي كورونا) وحولها، ومن بينها شركة هوندا الشهيرة؛ ما يعني أن تأثير الانتشار السريع للفيروس على الاقتصاد خلال هذا الربع لم يعد محل شك، حسبما يرى كبير الاقتصاديين الصينيين في كابيتال إيكونوميكس "جوليان إيفانز بريتشارد".

وفي هذا الإطار، يشير كبير محللي الأسواق في أواندا "إدوارد مويا" إلى أن "المخاوف باتت تتزايد من تأثير حظر السفر بشكل كبير على الاقتصاد، في حين أن البعض قلق من انخفاض الناتج المحلي الإجمالي الصيني بنسبة 1% أو حتى أكثر في الربع الأول من العام 2020".

ويتوقع المحلل بمجموعة "أكسيكورب"، "ستيفن إينيس"، أن تكون الصدمة الاقتصادية للصين والعالم كبيرة، قائلا: "خلافا لما حدث عام 2003 عندما كان انتشار فيروس سارس أقل تأثيرا على أسواق العالم المتطور، قد يتأثر بقية العالم الآن"، وفقا لما نقله موقع "الجزيرة.نت".

وأشار إلى أن "أكبر تهديد للاقتصاد العالمي ليس ناجما عن انتشار المرض بسرعة في الدول عبر شبكة السفر العالمية فحسب"، وإنما بسبب "أن أي صدمة اقتصادية للصناعة الصينية الهائلة ولمحركات الاستهلاك ستمتد بسرعة إلى دول أخرى نظرا للروابط التجارية والمالية المعولمة".

ومن آثار تلك الروابط ما يخص تجارة التجزئة، التي يتوقع المحلل في بنك كريدي سويس "مايكل بينيتي" أن تتأثر بشكل أسوأ من انتشار "سارس" في عام 2003.

وفي السياق، قال المحلل في مجموعة "آفا تريد"، "نعيم أسلم"، إن أسواق أوروبا "تشعر بقلق عميق بشأن كورونا في ظل ارتفاع ضحاياه"، مضيفا أن "الأمر الأساسي هو أن الفيروس أصبح قاتلا وسبب ذعرا كبيرا في الأسواق"، وفقا لما نقله موقع قناة "الحرة" الأمريكية.

وعلى مستوى البورصة، بدأ مؤشر "نيكي" القياسى الأسبوع بأكبر خسارة يومية في 5 أشهر مع تعرض الأسهم المرتبطة بالسياحة لضغوط، وذلك بعدما أغلقت آخر جلسات سوق الأسهم الأمريكية، الأسبوع الماضي، على تراجع؛ ليسجل مؤشر "ستاندرد أند بورز 500" أكبر انخفاض أسبوعي له في 6 أشهر.

وامتد الأثر الاقتصادي إلى قيمة العملات الوطنية؛ حيث تراجع اليوان الصيني لأدنى مستوى منذ بداية العام الجاري، بنسبة تتجاوز 0.5%، بينما انخفضت أيضا العملات المرتبطة بالسلع الأولية مثل الدولار الأسترالي بشدة.

  • تقدير رغبوي

لذا يرى "شتيهرير" أن التصريحات الرسمية الصادرة عن السعودية والإمارات، التي تحاول التقليل من التشاؤم بشأن تأثير انتشار "كورونا" تعكس تقديرات قائمة على الرغبة أكثر مما تعكس إدراكا للواقع.

وذكرت مديرة شركة "أجركرافت" الدولية "مواهي كواسي" أن وضع السوق بات حرجا في ضوء أزمة "كورونا" واستمرار أزمات المخاطر الجيوسياسية وحرب التجارة وغيرها، مبينة أن "المخاوف بشأن الطلب على النفط لا تقتصر فقط على الصين، بل تتسع لتشمل عديدا من الاقتصادات الآسيوية والدولية الكبرى".

وأشارت إلى أنه على الرغم من جهود المنتجين في "أوبك+" للحد من تخمة المعروض ودفع السوق نحو التوازن المستدام إلا أن المخزونات العالمية عادت إلى الارتفاع؛ ما يعكس اتساع حالة الإمدادات النفطية الوفيرة في الأسواق، التي تضغط بقوة على الأسعار.

المصدر | الخليج الجديد