الثلاثاء 28 يناير 2020 02:55 م

في 13 يناير/كانون الثاني الجاري، سافر الرئيس الروسي "فلاديمير بوتين" إلى برلين لحضور مؤتمر سلام برعاية ألمانيا حول ليبيا. وقبل أيام قليلة، استضافت موسكو، بالشراكة مع أنقرة، محادثاتها الخاصة بين قادة الأطراف المتحاربة، قائد الجيش الوطني الليبي "خليفة حفتر" ورئيس حكومة الوفاق الوطني "فايز السراج".

لم تؤد المحادثات في موسكو إلى تحقيق تقدم كبير يمكن أن يعزز اتفاق وقف إطلاق النار الروسي التركي الذي تم التوصل إليه بين "بوتين" والرئيس التركي "رجب طيب أردوغان" في إسطنبول يوم 8 يناير/كانون الثاني. ربما كان الكرملين يتوقع "اتفاقا رئيسيا" يتم توقيعه في ألمانيا، وهو ما لم يحدث أيضا. ومع ذلك، فإن أسبوع الدبلوماسية الروسية لم يترك موسكو خالية الوفاض.

كان للحملة العسكرية بقيادة الناتو في ليبيا ربيع عام 2011، وما تلاها من مقتل حاكمها "معمر القذافي"، في أكتوبر/تشرين الأول من ذلك العام، تأثير عميق على علاقات روسيا مع الغرب وسياسة موسكو الخاصة بسوريا. إلى جانب سيطرة روسيا على شبه جزيرة القرم والحرب في شرق أوكرانيا عام 2014.

توترت علاقات روسيا مع أوروبا والولايات المتحدة إلى درجة استنفدت فيها الأطراف فعليا جدول الأعمال الثنائي الذي طورته بعناية لأكثر من 20 عاما.

كان قرار روسيا بالتدخل في سوريا مدفوعا بمخاوفها الأمنية بقدر ما كان أيضا مدفوعا برغبة "بوتين" في إصلاح العلاقة مع الغرب على أسس جديدة، من خلال تشكيل تحالف لمواجهة تنظيم "الدولة الإسلامية". عندما فشلت الجهود الغربية، فعّلت روسيا مكانتها الإقليمية وخلقت حقائق على أرض الواقع، جعلت بعض الدول الغربية تغير موقفها تجاهها.

وفي حين أن سياسة روسيا تجاه سوريا كانت في البداية أكثر توجها نحو "صفقة" مع الولايات المتحدة، كان يُنظر إلى المسار الليبي من قبل كبار صانعي القرار الروس على أنه يتعلق بأوروبا.

ورغم أن روسيا كانت لها مكاسب كبيرة في ليبيا تحت حكم "القذافي"، إلا أنه كان عليها في الأساس أن تبدأ من مستوى منخفض عندما قُتل حاكم البلاد منذ فترة طويلة، وانزلق البلد في حالة من الفوضى والحرب.

في ديسمبر/كانون الأول 2017، تحدث "المونيتور" مع رئيس مجموعة الاتصال الروسية حول ليبيا "ليف دنجغوف". بحلول ذلك الوقت، كانت سياسة روسيا تجاه ليبيا تتبلور بالفعل بطريقة "متعددة الطبقات" لتحقيق مصالح موسكو مع السعي إلى تحسين وضعها العالمي في المواجهة مع الغرب.

في ذلك الوقت، حدد "دنجوف" زاوية أوروبية قوية في السياسة الروسية تجاه ليبيا، حيث قال: "أوروبا، لا سيما الجزء المتوسط منها، تعاني من التدفقات الجماعية للمهاجرين غير الشرعيين وظهور مراكز إرهابية جديدة. لذلك فإن أهداف القضاء على التهديد الإرهابي في مهده ووضع حد أقصى لتدفق الهجرة هما من أولوياتنا".

بحلول ذلك الوقت، كانت موسكو تتعامل مع القبائل الجنوبية في ليبيا كوسيلة محتملة لإيقاف المهاجرين في مساراتهم. وردا على سؤال عما إذا كان هذا الجهد قد حقق أي نجاح، أجاب "دنجوف": لفترة وجيزة.. أقام الروس اتصالات مع جميع القبائل الجنوبية تقريبا، مع كبار السن وممثليهم".

وفي حين أن معظم التغطية الغربية لسياسة روسيا في ليبيا كانت تركز على وجود مجموعات المرتزقة الروس، مثل مجموعة "فاجنر"، التي يملكها "بريجوزين يفجيني" طباخ "بوتين"، كانت سياسة الدولة الروسية تمر بمرحلة انتقالية.

ومن خلال المشاركة المحدودة، بما في ذلك عبر المتعاقدين العسكريين الخاصين، زادت موسكو تدريجيا من نفوذها في القطاع السياسي من الصراع.

عندما عمل وزير الخارجية "سيرجي لافروف" ووزير الدفاع "سيرجي شويجو" مع مختلف الفصائل الليبية، في 12 نوفمبر/تشرين الثاني 2018، تم إرسال رئيس الوزراء "ديمتري ميدفيديف" إلى محادثات ليبيا برعاية إيطاليا في باليرمو، وكان ذلك أعلى تمثيل روسي لليبيا في تلك المرحلة.

صادق "ميدفيديف" على اتفاقية الصخيرات الموقعة في ديسمبر/كانون الأول 2015 كإطار لتسوية النزاع الليبي. لكن مشاركته كانت تهدف إلى متابعة مصالح روسيا في ليبيا وإرسال إشارة إلى الأطراف المتحاربة بأن موسكو مستعدة لتكثيف جهودها باعتبارها "وسيطا حقيقيا".

قال "ميدفيديف" في ذلك الوقت: "نتذكر الطريقة التي تم بها اتخاذ القرارات المتعلقة بحظر الأسلحة المفروض على ليبيا وإدخال منطقة الحظر الجوي. وقد زُعم أن القرارات تهدف إلى المساعدة في وقف العنف وتهيئة الظروف للتنمية. لسوء الحظ، كل هذا لم يتم تنفيذه".

وجاءت تعليقات "ميدفيديف" لتعبر عن شعوره بالأسف لكونه وثق في الأوروبيين والأمريكيين في الوقت الذي اعتقد فيه، أثناء وجوده في منصب رئيس روسيا (2008-2012)، أنه قادر على إعادة ضبط علاقات موسكو مع كليهما.

وسبق المؤتمر الذي استمر 5 ساعات في برلين 4 أشهر من الجهود التحضيرية، بما في ذلك 5 جولات أولية ومشاورات لكبار المسؤولين. استمرت موسكو في الاندماج في موقع اللاعب الأساسي في النزاع الليبي، لكنها حرصت على الإبقاء على تقليل ظهورها إلى حد ما، حتى استضافت المحادثات الليبية للمرة الأولى، ثم  قرار "بوتين" قيادة الوفد الروسي إلى برلين بنفسه.

وقال "لافروف": "بفضل إصرارنا، تراجع المنظمون الألمان عن خطتهم الأصلية لعقد اجتماع بدون الأطراف الليبية ودعوا القادة الليبيين إلى المؤتمر".

وأضاف عقب المحادثات في برلين: "زاد عدد المشاركين من بين جيران ليبيا بناءً على مبادرتنا".

يشار إلى أن "حفتر" غادر موسكو قبل أيام قليلة من مؤتمر برلين دون الاشتراك في بيان الهدنة الذي رعته روسيا فيما شكل ضربة لسمعة روسيا في الرأي العام.

وبعد وقت قصير من مغادرة "حفتر"، أعلنت وزارة الدفاع أن الجنرال الليبي مُنح يومين إضافيين للتفكير في قرار توقيع الورقة. في اليوم التالي، ادعى الكرملين أن "حفتر" بعث رسالة إلى "بوتين" أعرب فيها عن امتنانه للرئيس الروسي لحضور المؤتمر في موسكو، وأعرب عن استعداده لزيارة روسيا لحديث آخر بعد برلين.

في النهاية، ساهمت روسيا في وضع الأساس لبيان برلين الذي شدد على الحاجة إلى وقف دائم لإطلاق النار، وإطلاق العملية السياسية، واحترام سيادة ليبيا، والحاجة إلى ضمان وصول جميع الأطراف الليبية -الجماعات الدينية والعرقية والسياسية- إلى الموارد الطبيعية.

من هذا المنظور، يعتبر وقف إطلاق النار في ليبيا وتنفيذ النقاط التي اتفق عليها المشاركون في مؤتمر برلين هو مقياس لنجاح أو فشل روسيا في الملف الليبي.

والآن وبعد أن أصبح لدى روسيا والاتحاد الأوروبي بند السياسة الخارجية المشتركة على جدول الأعمال الثنائي، ستسافر المستشارة الألمانية "أنجيلا ميركل" إلى موسكو لمناقشة شيء آخر غير أوكرانيا، ويشعر الأوروبيون أنهم ملتزمون في التعامل مع روسيا في قضية حيوية. لقد أثمرت الاستثمارات السياسية الروسية بالفعل.

لكن سواء كان ذلك هو توجهها نحو أوروبا أو مدفوعة بالأرباح، فقد دخلت روسيا في صراع آخر في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بهدف تحقيق أفضل أداء دبلوماسي لها، أولا مع الأوروبيين، ثم مع الشرق أوسطيين. لكن على عكس سوريا، تبدو موسكو في ليبيا على استعداد للعب دور ثانوي؛ مما يسمح للأوروبيين باتخاذ موقف أكثر علنية.

في الوقت نفسه، لا يزال يتعين على القوى الأوروبية والإقليمية اللجوء إلى روسيا لإيصال نتائج عملها إلى طاولة المفاوضات، والعمل على التوصل إلى اتفاق نهائي. بطريقة ما، إنها النسخة الروسية الخاصة لاستراتيجية "القيادة من الخلف".

"لقد اشتركنا في عدد من المبادرات المهمة في بيان برلين"، هذا ما قاله دبلوماسي روسي رفيع المستوى كان حاضرا في المحادثات في برلين لـ"المونيتور".

وأضاف الدبلوماسي: "لن تكون عملية توافقهم (الأطراف الليبية) عملية سهلة وستستغرق بعض الوقت؛ نحن نفهم ذلك.. يجب أن نعمل على هذه القضايا مع الأوروبيين لفترة طويلة؛ الأمر الذي قد يتحول في نهاية المطاف إلى علاقات صحية".

المصدر | مكسيم سوشكوف/ المونيتور- ترجمة وتحرير الخليج الجديد