الاثنين 3 فبراير 2020 09:37 م

اكتملت الآن صفقة "دونالد ترامب" التي يطلق عليها "صفقة القرن"، وهي التي تلقت الترحيب كوعد لاستعادة السلام في الشرق الأوسط وإنهاء الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، لكن هناك حقيقة واحدة لا لبس فيها: إنها ليست صفقة على الإطلاق.

وفي حين أنها قد تجعل رئيس الوزراء الإسرائيلي المحاصر بالفضائح يهرب من مأزقه السياسي، فإنها لا تضع فقط المسمار الأخير في نعش حل الدولتين، ولكنها أيضًا تسرع في زوال الدولة اليهودية.

تعجيل بزوال الدولة اليهودية

عندما يكتب المؤرخون المستقبليون نعيهم لدولة (إسرائيل)، فسوف ينظرون إلى "خطة السلام" التي وضعها "ترامب" على غرار مأساة شكسبيرية، يؤدي فيها المكسب على المدى القصير إلى ألم طويل الأجل، ثم في نهاية المطاف إلى هزيمة ساحقة ذاتية.

ففي الوقت الذي تهدف فيه إلى "إنهاء القضية الفلسطينية"، تعد النتيجة الأكثر ترجيحًا هي النتيجة التي تجد فيها (إسرائيل) نفسها معزولة عن المدار الديمقراطي الغربي وتبحر بلا هدف منبوذة دوليًا.

تفاصيل الخطة لا تهم، بالنظر إلى أنها وضعت بشكل خام على عجل دون تشاور مع الفلسطينيين، بحيث لا تزيد على كونها مجرد هدية سياسية لرجلين يائسين ومُفتقدين للشجاعة - "نتنياهو" و"ترامب" - واللذين يواجه كل منهما صعوبات متزايدة في محاولات كل منهما لإعادة انتخابه.

يمكن لـ"نتنياهو" أن يتباهى أمام ائتلافه اليميني بأنه نجح في الضغط على الولايات المتحدة لمنحه كل عنصر في قائمة الأمنيات الصهيونية، في حين يمكن أن يقف "ترامب" أمام قاعدة الناخبين الأكثر ولاءً له - الإنجيليين البيض الذين يشتركون في الإيديولوجية المسيحية الصهيونية - والتفاخر بأنه أعطى للشعب اليهودي في (إسرائيل) أكثر من الملك "داوود" نفسه.

منطق الصهيونية المسيحية

ساعد الصهاينة المسيحيون في إيصال "ترامب" إلى البيت الأبيض، وكافأهم الرئيس الخامس والأربعون بإحاطة نفسه بأولئك الذين يقضون أمسياتهم في الصلاة بشدة من أجل نهاية العالم الإنجيلية المسيحية و"أوقات النهاية".

إن تعيينه لـ"مايك بينس" نائبًا للرئيس، و"مايك بومبيو" وزيرًا الخارجية، و"سارة هاكابي ساندرز" كسكرتيرة صحفية سابقة للبيت الأبيض - جميعهم من الصهاينة المسيحيين الجريئين - يثبت هذا الادعاء.

في هذا الشكل المنحرف من المنطق، يؤكد المسيحيون الصهاينة حبهم لـ(إسرائيل) بينما يتوقون إلى التدمير النهائي للشعب اليهودي، هذا إذا لم يتخلَّ الشعب اليهودي عن اليهودية ويعتنق المسيحية بعد هرمجدون وعودة يسوع المسيح.

في ذهن المسيحي الصهيوني، يرتبط مصير (إسرائيل) والولايات المتحدة بشكل لا ينفصم، وكذلك مصير الاعتقاد المسيحي نفسه، هذه إيديولوجية متطرفة تنكرها لحسن الحظ غالبية مسيحيي العالم.

كل ذلك متعلق بـ"خطة السلام" التي كشف "ترامب" عنها والتي تقوض آمال الفلسطينيين في استعادة الأرض المسروقة والمحتلة، بينما تمهد الطريق لضم (إسرائيل) للضفة الغربية والقدس الشرقية، وكذلك وادي الأردن.

إن نوع المستقبل الذي ينتظر مليوني فلسطيني في غزة ما يزال غير واضح وغير مؤكد، على الرغم من تخصيص 50 مليار دولار كرشوة لجر القيادة الفلسطينية لقبول ما هو غير مقبول، ومن المحتمل أن يؤخروا ذلك بصبر حتى انتهاء وقت "ترامب" في البيت الأبيض.

نهاية حل الدولتين

من خلال تحقيق كل أمنيات "نتنياهو" والمستوطنين، وضع "ترامب" المسمار الأخير في نعش حل الدولتين.

وبغض النظر عن مدى توهم الواقع الذي يعترف به الإسرائيليون على الأرض، فقد جعل من احتمال قيام دولتين منفصلتين تعيشان جنبًا إلى جنب أمرًا مستحيلًا.

ضم (إسرائيل) القادم والرسمي للأراضي الفلسطينية يعني أن (إسرائيل) أمام معضلة وجودية: هل تختار أن تكون دولة يهودية؛ دولة يسن فيها نظام الفصل العنصري، الموجود بموجب مفهوم مجموعتين متميزتين من القوانين لشعبين، أم تتمسك بادعاء أنها دولة ديمقراطية، دولة يتمتع فيها جميع المواطنين بحقوق متساوية، بالنظر إلى أن عدد السكان العرب سوف يفوق عدد سكانها اليهود؟

إذا كان التاريخ مرشد (إسرائيل)، فإنها ستختار حتماً الخيار الأول، مع تذكر أنه في عام 1948، واجهت (إسرائيل) هذه المعضلة ذاتها عندما عاش 1.2 مليون فلسطيني إلى جانب 600 ألف يهودي في اليوم السابق لتأسيس (إسرائيل) في 14 مايو/أيار 1948.

أدرك الآباء المؤسسون لـ(إسرائيل) أنهم بالكاد يستطيعون الادعاء بأنهم "دولة يهودية" بالنظر إلى أن عدد السكان الفلسطينيين يفوق عدد اليهود بنسبة اثنين إلى واحد، وبالتالي قام جيشها والميليشيات اليهودية المرتبطة به بإجلاء 700 ألف فلسطيني بالقوة.

في ذلك الوقت، كان الفلسطينيون يمثلون أكثر من نصف إجمالي السكان العرب، حين بدأت (إسرائيل) في تصفية أكثر من 500 بلدة وقرية فلسطينية.

حتى يومنا هذا، لا يزال الأشخاص الذين نُقلوا قسراً يُحرمون من الحق في العودة إلى الأرض والمنازل التي لا يزالون يمتلكونها بشكل قانوني، حتى عندما يسكن المستوطنون اليهود من جميع أنحاء العالم بصورة غير قانونية في ممتلكاتهم المصادرة.

نظام فصل عنصري

نظرًا لأن حركة المستوطنين هي الآن القوة الدافعة في السياسة والمجتمع الإسرائيلي اليوم؛ فمن المستحيل تخيل أن قادتها السياسيين سيمنحون حقوقًا مدنية وتصويتية كاملة للفلسطينيين الذين يعيشون حاليًا في الضفة الغربية والقدس الشرقية وغزة وقريبًا وادي الأردن.

على هذا النحو، سيرى العالم بوضوح أن (إسرائيل) في المستقبل القريب لا تختلف عن نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا في الثمانينات من القرن الماضي، مع وجود مجموعة مميزة من القوانين تميز السابقة، في حين يصبح الإخضاع والتمييز العنصري والحرمان من الحقوق حقيقة أعمق راسخة في اللاحقة.

إن الدعوات العالمية لمقاطعة (إسرائيل) سوف تبعث حتماً بموجة اقتصادية تنكسر على شواطئها، ما يلقي بدولة الفصل العنصري اليهودية وحدها ويدمرها اقتصاديًا في جوار عالميّ لا يرحم.

في النهاية، لن يبقى لـ(إسرائيل) أي خيار سوى عكس المسار، بنفس الطريقة التي لم تترك بها العزلة لحكومة الأقلية البيضاء في جنوب أفريقيا أي خيار آخر سوى التخلي عن نظام الفصل العنصري قبل 3 عقود.

بعيدًا عن الترويج للسلام، وخطة "ترامب"، وبالتالي الأيديولوجية الصهيونية المسيحية التي تقودها، فإنها لا تقدم إلا المزيد من الإذلال والمعاناة للشعب الفلسطيني بينما في الوقت نفسه تسرع في زوال الدولة اليهودية.

المصدر | إنسايد أرابيا - ترجمة الخليج الجديد